كيف سينتهي عصر البترول؟

مايكل كلير – 3 مارس 2011

وصل متوسط سعر الغاز في محطات التعبئة 3،65$ للغالون في كاليفورنيا، وارتفع بالفعل بنسبة 4$ في سان فرانسيسكو وشيكاغو. وعلى الصعيد الوطني، وصل إلى 3،38$، أي بزيادة 20 %. وفي الوقت نفسه، تحدث رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي بن برنانكي في شهادته أمام اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ يوم الثلاثاء، بتفاؤل عن الاقتصاد رافضا الحديث عن ارتفاع أسعار النفط بسبب الاضطراب في الشرق الأوسط. فقال “إن النتيجة الأكثر ترجيحا” ، “هي أن الارتفاع الأخير في أسعار السلع الأساسية سوف يؤدي إلى زيادة مؤقتة ومتواضعة نسبيا في الولايات المتحدة.”
على الرغم من ذلك، هناك خشية من أن يصل سعر الغالون إلى 5$. فكما كتب مؤخرا جوان كول، “فإن العمال في الخليج الفارسي غير راضين عن حياتهم، على عكس معلمي المدارس في ويسكونسن، ويمكنهم بسهولة تعطيل الاقتصاد إذا أرادوا ذلك.” ولكن يجب أن نضع في اعتبارنا أن هذه ليست سوى نظرة قصيرة المدى.
وأيا كانت نتيجة الاحتجاجات والانتفاضات والثورات التي اكتسحت منطقة الشرق الأوسط، نحن لا نضمن شيئا: فعالم النفط سيتحول بشكل دائم، وبالنظر إلى كل ما يحدث الآن نرى أن هناك زلزال نفطي  سيهز عالمنا في صميمه.
فتدخل القوى الغربية مرارا لضمان بقاء الحكومات الاستبدادية المكرسة لإنتاج النفط منذ اكتشاف النفط في جنوب غرب بلاد فارس أي قبل الحرب العالمية الأولى ضمن لنا استقرار هذا القطاع، ومن دون هذه التدخلات ما كنا لنشهد توسع الاقتصاديات الغربية بعد الحرب العالمية الثانية والثراء الراهن للمجتمعات الصناعية.

نهاية عصر البترول
دعونا نحاول أن نقيس ما هو بالضبط الخطر القادم من جراء الاضطرابات الحالية. كبداية، ليس هناك وسيلة تعطي العدالة الكاملة للدور الحاسم الذي يلعبه نفط الشرق الأوسط في معادلة الطاقة العالمية. على الرغم من أن الفحم الرخيص الذي غذى الثورة الصناعية الأصلية، يشغل السكك الحديدية والسفن البخارية، والمصانع. والنفط الرخيص أيضا يشغل السيارات، والطيران، والضواحي، والزراعة الآلية، ويفجر العولمة الاقتصادية.
في عام 2009، ذكرت بي بي أن الموردين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ينتجون معا 29 مليون برميل يوميا، أي 36 % من إمدادات النفط في العالم. وحولت منطقة الشرق الأوسط إنتاجها إلى أسواق التصدير لتلبية الرغبة الشديدة في الطاقة للقوى المستوردة للنفط مثل الولايات المتحدة والصين واليابان، والاتحاد الأوروبي. ونحن نتحدث عن ضخ 20 مليون برميل في أسواق التصدير كل يوم.
الى ذلك تعتبر روسيا هي المنتج الأقوى للفرد في العالم، بسبعة ملايين برميل من النفط، وقارة أفريقيا ستة ملايين، وأميركا الجنوبية مليون.
وسيحصل منتجو الشرق الأوسط على دور ابرز في السنوات القادمة لأنها تملك ما يقدر بنحو ثلثي ما تبقى من احتياطي النفط غير المستغل. ووفقا للتوقعات الأخيرة من قبل وزارة الطاقة الأميركية، فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستوفر معا حوالي 43 ٪ من إمدادات العالم من النفط الخام، وبحلول عام 2035 سوف تنتج أكبر حصة في العالم.
وبصراحة شديدة: الاقتصاد العالمي يتطلب زيادة العرض من النفط بأسعار معقولة والشرق الأوسط وحده يمكن أن يوفر هذا العرض. وهذا هو السبب في دعم الحكومات الغربية الطويل لاستقرار الأنظمة الاستبدادية في جميع أنحاء المنطقة، وتدريب قواتها الأمنية بانتظام.

الانقلاب الإيراني
بين عامي 1973 و 1979، حققت إيران أعلى مستوى إنتاج لها بلغ ما يقرب من ستة ملايين برميل من النفط يوميا. ولمعاقبة زعماء إيران الجدد، فرضت واشنطن عقوبات تجارية صارمة عليها، عوق الجهود التي تبذلها شركة النفط الحكومية في الحصول على التكنولوجيا الأجنبية، وانخفض الإنتاج الإيراني ليصل إلى مليوني برميل يوميا، وإيران تعتبر ثاني اكبر احتياطي نفطي بعد السعودية.

أحلام الغزو
أما في العراق ففي عهد صدام حسين، استولت الدولة على شركة نفط العراق وكان يصل مستوى الإنتاج يوميا إلى 2.8 مليون برميل حتى العام 1991، وفي حرب الخليج الأولى مع الولايات المتحدة انخفض الإنتاج إلى نصف مليون برميل يوميا بسبب العقوبات. وبحلول العام 2001 ارتفع مرة أخرى إلى ما يقرب من 2.5 مليون برميل يوميا. وفي حين كان البنتاغون يستعد لغزو العراق في أواخر العام 2002، تحدثت مصادر داخلية في  إدارة الرئيس جورج بوش ومغتربين عراقيين عن عصر ذهبي مقبل سيتم فيه دعوة شركات النفط الأجنبية للعودة إلى البلاد، والإنتاج سيصل إلى مستويات لم تشهدها البلاد من قبل أبدا.
ومن يمكنه أن يتجاهل الجهود التي بذلتها إدارة بوش والمسؤولين في بغداد لتحقيق حلمهم؟ حيث قام أول جندي أميركي دخل العراق بتأمين مبنى وزارة النفط. وفي وقت لاحق اختير بول بريمر، من قبل الرئيس بوش للإشراف على نفط العراق، فاحضر الأخير فريق من مسؤولي شركات النفط الأميركية للإشراف على خصخصة صناعة النفط في البلاد، في حين أن وزارة الطاقة الأميركية توقعت في مايو 2003 بثقة أن يرتفع إنتاج النفط إلى 3.4 مليون برميل يوميا وفي 2005، 4.1 مليون برميل بحلول عام 2010، و5.6 مليون نسمة بحلول العام 2020.
استنتاج واحد يمكن استخلاصه: أن الجهود المبذولة من قبل الغرباء للسيطرة على النظام السياسي في الشرق الأوسط هو من أجل ارتفاع إنتاج النفط. ويجب أن تحذر الولايات المتحدة والقوى الأخرى التي تشاهد الانتفاضات والثورات، المشتعلة في العالم العربي: فمهما كانت رغباتهم السياسية أو الدينية، فالسكان المحليون بدورهم عاطفيون وعدائيون تجاه الهيمنة الأجنبية، فتلك الشعوب سوف تختار الاستقلال والحرية على إمكانية زيادة إنتاج النفط.
لا يجوز مقارنة تجارب إيران والعراق بتلك الخاصة بالجزائر، البحرين، مصر، العراق، الأردن، ليبيا، عمان، المغرب، المملكة العربية السعودية، السودان، تونس، واليمن، فكل منهم يحمل بعض العناصر من نفس القالب السياسي السلطوي ويرتبط بسياسة النفط القديم. الجزائر ومصر والعراق وليبيا وسلطنة عمان والسودان هم منتجون للنفط، مصر والأردن هم حراس أنابيب النفط الحيوية، ومصر أيضا هي قناة حاسمة لنقل النفط والبحرين واليمن وكذلك سلطنة عمان تحتل نقاط إستراتيجية على الخط النفطي. وتتلقى جميع المساعدات العسكرية الأميركية الكبيرة وتأوي أهم القواعد العسكرية الأميركية. وفي جميع هذه البلدان، الأنشودة هي نفسها: “الناس يريدون سياسة التخفيض”.
اثنان من تلك الأنظمة قد سقط وثلاثة آخرين مترنحون والبعض الآخر في موضع الخطر. وقد كان لذلك أثر على أسعار النفط العالمية بسرعة وبلا رحمة: ففي 24 فبراير، بلغ سعر الخام البرنت ما يقرب من 115$ للبرميل الواحد، وهو الأعلى منذ الانهيار الاقتصادي العالمي في أكتوبر 2008.

لماذا السعودية هي المفتاح؟
وحتى الآن، المنتج الرئيسي للنفط في الشرق الأوسط هو المملكة العربية السعودية، فلم تبد أي علامات واضحة حول خفض الإنتاج أو ارتفاع الأسعار، على الرغم من أن العائلة المالكة في البحرين وهي البلد المجاور للسعودية تشهد بالفعل ورطة كبيرة، حيث نزل عشرات الآلاف من المحتجين أي أكثر من 20 ٪ من السكان إلى الشوارع مرارا وتكرارا، على الرغم من التهديد بالذخيرة الحية،لإلغاء الحكم الاستبدادي الذي يمارسه الملك حمد بن عيسى آل خليفة، والاستعاضة عنه بحاكم ديمقراطي حقيقي.
إلى ذلك تثير تلك التطورات القلق بصفة خاصة على القيادة السعودية لأن التغيير في البحرين يقوده سكان البلد الشيعة ضد النخبة الحاكمة السنية الراسخة. وفي المملكة العربية السعودية يوجد سكان شيعة غالبا ما عانوا من التمييز من الحكام السنة كما هو الحال في البحرين، وهناك قلق في الرياض من أن الانفجار الذي وقع في البحرين يمكن أن يتحول إلى المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية حيث الشيعة يشكلون الغالبية.
وحتى لو لم يصل التمرد إلى المملكة العربية السعودية، فلا يمكن إعادة بناء النظام النفطي القديم في الشرق الأوسط، والنتيجة ستكون تراجع على المدى الطويل في توفير النفط المصدر.
علقت ليبيا ثلاثة أرباع إنتاجها من النفط منذ اندلاع الأحداث الأخيرة في البلد، وقد تبقى خارج الخط أو قد تخرج من السوق في المستقبل إلى أجل غير مسمى. والمتوقع أن تستعيد مصر وتونس إنتاجها من النفط، إلى مستويات ما قبل الثورة في وقت قريب، وإيران لا تبدي أي علامات على زيادة الإنتاج بشكل ملحوظ في السنوات المقبلة.
المملكة العربية السعودية هي اللاعب الأبرز في المنطقة، حيث زادت إنتاجها للتعويض عن الخسائر الليبية في السوق العالمية، ولكن هذا النمط لن يستمر طويلا.
استخدم السعوديون نحو 2.3 مليون برميل يوميا من الـ 2005 حتى الـ 2009، ، مما ترك نحو 8.3 مليون برميل للتصدير. ولكن ليس من المرجح أن يزيد العدد لأن العائلة المالكة السعودية أعربت عن رفضها زيادة الإنتاج إلى 10 مليون برميل يوميا، خوفا من الأضرار التي تلحق بحقولهم المتبقية. وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن يرتفع الطلب المحلي بحصة متزايدة. في أبريل 2010، الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية المملوكة من قبل الدولة، خالد الفالح توقع أن يصل الاستهلاك المحلي إلى 83 مليون برميل يوميا بحلول عام 2028.
النظر في الزيادة الأخيرة في أسعار النفط هو مجرد هزة خافتة وهي بداية لزلزال نفطي قادم، النفط لن يغيب من الأسواق الدولية، ولكن في العقود المقبلة لن يكون هناك وحدات تخزين لتلبية الطلب المتوقع العالمي، مما يعني أنه عاجلا وليس آجلا، الندرة ستضرب السوق.

المصدر : http://www.tomdispatch.com/archive/175362/
المترجم : http://www.neworientnews.com

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*