بعد أن ينفد النفط

بعد أن ينفد النفط
آيفو دالدر ومايكل ليفي
صحيفة الاتحاد الإماراتية (2004)

إذا ما كنت تتساءل عن الاتجاه الذي ستمضي فيه أسعار الجازولين على المدى الطويل، فعليك أن تنسى للحظة حصص الأوبك، والتنقيب عن النفط في القطب الشمالي وكل هذه الأشياء والتفكير فقط في (ذروة هابيرت) Hubbert Peak.
وذروة “هابيرت” هذه ليست مكانا كما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، وإنما هي مفهوم تم استنباطه منذ نصف قرن من الزمان بواسطة عالم جيولوجيا يدعى “إم. كنج هابيرت”. ومفهوم هابيرت يشرح لنا الكثير بشأن ما يحدث الآن في محطات الوقود. فوفقا لهذا المفهوم فإن الإنتاج النفطي لابد أن يصل إلى ذروته في لحظة معينة، ثم يبدأ بعد ذلك في الهبوط التدريجي بصرف النظر عن مستويات الطلب عليه. في عام 1956 تنبأ هابيرت بأن إنتاج أميركا من النفط سيصل إلى ذروته عام 1970 ثم يتناقص بعد ذلك. وعلى رغم أن المتشككين قد سخروا من طرحه في ذلك الوقت، إلا أن الأيام أثبتت أن الرجل كان على صواب.
ومعنى ذلك أننا إذا ما نظرنا إلى ما يحدث حولنا اليوم، فإننا سندرك أن إنتاج العالم من النفط الذي وصل إلى 80 مليار برميل يوميا، سوف يصل إلى ذروته قريبا. وليس هذا فحسب، بل إن الحقيقة هي أن إنتاج النفط “التقليدي” قد وصل بالفعل إلى ذروته وهو الآن في طور الهبوط. ويذكر في هذا الصدد أنه مقابل كل عشرة براميل من النفط التقليدي يتم استهلاكها، فإن عدد الآبار الجديدة التي يتم اكتشافها لا يزيد على أربعة براميل جديدة فقط. وبدون النفط غير التقليدي المستمد من رمال القار والغاز الطبيعي المسيل وغيره من المواد الرسوبية، فإن إنتاج العالم من النفط كان يفترض أن يصل إلى ذروته منذ عدة سنوات.
ويقول الخبراء إن الوصول إلى ذروة “هابيرت” مسألة حتمية. فالنفط الذي خلقته الطبيعة هو مادة قابلة للنضوب، بل ويمكن القول إن نصف هذه المادة قد تم استخراجه من باطن الأرض بالفعل. والشيء غير المعروف على وجه اليقين في هذا الصدد، هو ما سيحدث عندما نصل إلى تلك الذروة فعلا. المتشائمون يتوقعون أن نصل إلى تلك الذروة بحلول عام 2010. أما المتفائلون فيقولون إن ذلك ليس من المرجح أن يحدث قبل مرور فترة تتراوح ما بين 30- 40 عاما من الآن. والحقيقة أننا قد فقدنا ثلاثة موضوعات أكثر أهمية في غمار هذه المناقشة هي: تأثير النقص في إنتاج النفط على المجتمع، والطرق التي يمكننا بها التقليل من تأثيرات ذلك إلى الحد الأدنى، والوقت الذي يتعين علينا أن نقوم بالتصرف عنده.
طبعا ليست بنا حاجة إلى بيان الأهمية الحيوية التي يحظى بها النفط في حياتنا المعاصرة. ولحسن الحظ فإن إنتاج النفط لا يتوقف فجأة عند ذروة “هابيرت” وإنما يتناقص بشكل تدريجي ومنتظم على امتداد فترة من الوقت. ولكن نظرا إلى أن الإنتاج لا يستطيع مواجهة الطلب، فإن النتيجة هي ارتفاع أسعار النفط بشكل مطرد وسريع الأمر الذي يؤدي إلى التأثير سلبا على مستويات المعيشة وإلحاق أضرار فادحة بالاقتصادات في مختلف مناطق العالم.
والسؤال هنا هو: كيف يمكننا أن نقلل من أثر تقلص إنتاج النفط إلى أدنى حد؟ مما لاشك فيه أن سياسات ترشيد الاستهلاك، والمحافظة على الموارد الطبيعية ستفيد في هذا المجال. كما أن إدخال تطويرات على محركات السيارات لزيادة عدد المسافة “الكيلومترات” التي يمكن قطعها بالجالون الواحد، يمكن أن يقلص استهلاك النفط بنسبة 20 في المئة وربما أكثر في الولايات المتحدة.
كما يمكن بالطبع اكتشاف آبار نفط جديدة ولكنها محدودة. فلم يتم مثلا اكتشاف حقول نفط عملاقة مثل تلك الموجودة في المملكة العربية السعودية على مدار الثلاثين عاما الأخيرة. أما الحقول الصغيرة التي يتم اكتشافها فهي تساهم بكميات نفط صغيرة تتناقص بشكل مطرد. وفي حين أن سياسات ترشيد الاستهلاك واكتشاف حقول نفط جديدة، يمكن أن تؤجل الوصول إلى ذروة “هابيرت” وتخفف من تأثيراتها، إلا أنها لا تستطيع أن تحول دون وقوعها كلية. وعلاوة على ذلك، فإننا حتى إذا ما افترضنا أن الولايات المتحدة قادرة على ترشيد استهلاك النفط فإن الدول الأخرى قد لا تتمكن من ذلك. مما يعني أن هناك حاجة إلى حل طويل الأمد يتم تطبيقه في مختلف دول العالم لمواجهة ذروة “هابيرت” عندما تحدث.
ونحتاج أيضا إلى تقنيات جديدة وخصوصا في قطاع النقل الذي يستهلك قرابة ثلثي الناتج الأميركي من النفط. ومن الحلول الممكنة في هذا الصدد إنتاج أنواع وقود اصطناعية من الفحم و”الهيدروجين” ومن الطاقة الذرية ومصادر الطاقة القابلة للتجدد، واستخدام وسائل النقل التي تعمل بطاقة الكهرباء كالقطارات التي تعمل بتقنية “ماجليف” Maglev Technology أو تقنية الطفو المغنطيسي. وأما العمليات الخاصة بالجازولين الاصطناعي، و”الديزل” والوقود النفاث، فهي، إن كانت متطورة بدرجة كافية إلا أنها مكلفة. أما المشكلات البيئية الناتجة عن الفحم والمعادن، وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون وغيره من الملوثات فهي خطيرة وتتطلب عناية فائقة.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*