النفط بين توقعات النضوب وتكهنات الزيادة

ريتشارد نورث

قبل 20 عاما كانت احتياطات النفط العالمية تقدر بتريليون برميل أما الآن فقد ارتفعت التقديرات إلى 1.333 تريليون برميل رغم ما تم استهلاكه منه.
بينما يخاف المتشائمون من أن تنضب إمدادت الكوكب من النفط في المستقبل الذي ليس بالبعيد، تقول لنا الصفقة الأخيرة التي أبرمتها شركة الطاقة البريطانية “بي بي” مع نظيرتها الروسية “روسنيف” حكاية أخرى.
وعندما شكلت “بي بي” لأول مرة تحالفا مع “روسنيف” في العام 1998 لتطوير حقول النفط في سخالين في المحيط الهادي، قدرت عملاق النفط البريطانية احتياطات روسيا من النفط عند 56 بليون برميل.
وعندما وافقت الشركة البريطانية على صفقة تبادل حصص مع الشركة الروسية، التي مقرها موسكو، كان التقدير الأولى لإحتياطات روسيا من النفط عند 75 بليون برميل، ويمكن لتطوير رخص روسنيف للتنقيب عن النفط داخل الدائرة القطبية الشمالية أن يزيد من إنتاج النفط بشكل كبير.
ومثل هذه التوقعات والأرقام تقوض توقعات المتشائمين أن ينضب نفط العالم في وقت ليس ببعيد. وفي العام 1956، عندما ظهر للوجود مصطلح ” ذروة النفط”- وهي المرحلة التي يصل فيها إنتاج النفط الى الذروة ثم يبدأ في الانخفاض كنتيجة حتمية- كان متوقعا لإنتاج أمريكا من النفط أن ينخفض منذ نهايات الستينيات. لكن الاكتشافات النفطية الجديدة أخرت ذلك التاريخ دوما. وكانت “بي بي” تقدر احتياطات النفط العالمية بتريليون برميل، وذلك قبل 20 عاما. الآن، ورغم الاستهلاك القياسي للنفط، ارتفعت تقديرات الشركة الى 1.333 تريليون برميل.
وفي العالم النامي على الأقل، تسطح استهلاك الطاقة، وربما يكون بدأ بالفعل في دائرة متواصلة من الانخفاض. حيث انخفض الطلب بنسبة 1.1 بالمئة في العام 2009، رغم أنه قد يكون لهذا علاقة كبيرة بفترة الركود قصيرة الأمد، وبتغير أشكال استخدام الطاقة.
ويعتقد فرانسيس أوسبورن، المحلل في شركة وود ماكينزي لاستشارات الطاقة أن الطلب عاد للارتفاع، ويتجه الى معدلات قياسية جديدة.هو يقول:” بعد ثلاث سنوات فقط من الركود الكبير، عاد الطلب العالمي على النفط الى مستويات الذروة قبل الركود، التي شهدناها في العام 2007.
لكن هناك تغيرات طرأت على كل من منتجي النفط ومستهلكيه. فبينما خفضت الدول المتقدمة الـ 34 الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من استخدام النفط بقرابة 4 بلايين برميل يوميا، منذ العام 2007، تزيد الدول صاحبة الاقتصادات الناشئة من الطلب على النفط. حيث ارتفع استهلاك الصين مثلا بنسبة 8.7 بالمئة العام الفائت.
يقول أوسبورن:” لا يمكن لتأثير الركود على الطلب على النفط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وفي دول الاقتصادات الناشئة أن يكون أكثر تناقضا مما نشهده الآن. فالأسواق الناشئة مسؤولة عن 85 بالمئة من تعافي الطلب على النفط، وفي العامين 2011 و2012 نتوقع أن تأتي 80 بالمئة في زيادة الطلب العالمي على النفط من هذه الأسواق. وبحلول 2011، نتوقع أن يظل طلب الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على النفط بنسبة 5 بالمئة (أو أكثر) تحت مستويات الطلب قبل الركود، بينما سيرتفع الطلب على النفط من الأسواق الناشئة قرابة 6.5 مليون برميل يوميا.”
حتى مع بدء الاقتصادات الغربية في التعافي، تتوقع “بي بي” أن يتواصل ذلك التفاوت في الطلب على النفط بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة. وكشفت الشركة قبل أسبوع عن تصوراتها، والتي تبقيها في العادة لاستخداماتها هي الداخلية. وفي هذه التصورات توقعت الشركة أن يرتفع طلب الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على الطاقة بمقدار 0.3 بالمئة فقط سنويا، وذلك خلال العقدين القادمين، وستكون شركات الخدمات والمستخدمون المحليون مسؤولين عن تلك الزيادة في الطلب، في الوقت الذي سينخفض فيه طلب قطاع التصنيع وقطاع النقل والمواصلات على الطاقة. ومع هذا، سيرتفع استهلاك دول أخرى بنسبة 2.6 بالمئة سنويا، ما يعني أن الأسواق الناشئة ستستخدم طاقة زيادة بنسبة 78 بالمئة في العام 2030، مقارنة بالوقت الراهن.
وهذا الطلب الإضافي يضع المزيد من الضغوط على احتياطات العالم من النفط، والغاز الطبيعي والفحم. وتقدر “بي بي” ان تكفي احتياطات العالم المؤكدة من النفط و المقدرة بـ 1.333 تريليون برميل لمدة 45 عاما أو أكثر بقليل. وفي المملكة العربية السعودية، هناك احتياطات نفط تكفي المملكة لسد احتياجاتها منه لمدة 66 عاما، وفي العراق هناك من النفط ما يكفي لمدة 142 عاما، بينما سينضب النفط في أمريكا بحلول العام 2018، إن لم تستورد.
وقد نشرت كلية المشاريع والبيئة في جامعة أوكسفورد، والتي يرأسها كبير المستشارين العلميين سابقا، السير ديفيد كينج ورقة بحثية تقول فيها إن مقدرة العالم على تلبية احتياجاته المستقبلية من النفط تمر بنقطة تحول. فالمستوى الحقيقي من الاحتياطات يتراوح من 850 بليون برميل الى 900 بليون برميل، ما يعني أن عصر النفط الرخيص قد ولى.
وفي تعليقه على هذه الورقة البحثية، تجنب جورج فريدريتش -الزميل في الكلية نفسها- تحديد إذا ما كان العالم وصل بالفعل الى نقطة “ذروة النفط”، لكنه حذر من النتائج التي من المحتمل أن تكون مدمرة، قائلا:” النفط مصدر طاقة غير متجدد.
وسينضب في يوم ما. وستكون ردات الفعل مختلفة في مختلف مناطق العالم. وسيقوض الصراع المتفاقم حول الطاقة النادرة أساسات عمليات التطبيع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي حول العالم، تلك العمليات التي رعاها العالم وحرص عليها طوال القرون القليلة الفائتة.”
ويشير فريدريتش الى أن الصين وأمريكا ربما تلجآن الى التحرك العسكري، مستخدمة كل منهما قوتها لتأمين المدخل الى النفط، بينما قد تستخدم الدول المنتجة للنفط ثرواتها المعززة هذه في دعم مواطنيها ماليا.
جدير بالذكر أن روسيا الآن هي أكبر منتج للنفط والغاز في العالم: فإنتاجها الحالي من النفط والذي يصل الى 18 مليون برميل يوميا يفوق مثيله الأمريكي الذي يصل الى 17 مليون برميل يوميا، ويفوق كثيرا مثيله في السعودية والذي يصل الى 1 مليون برميل يوميا. لكن في الوقت الذي يتم فيه بشكل مستمر مراجعة احتياطاتها النفطية، لتزيد عن المراجعات السابقة، هناك الكثير من الدول حول العالم التي تزيد احتياطاتها النفطية هي الأخرى.
ففي العام 1980، قدرت “بي بي” احتياطات نيجيريا عند 16.7 بليون برميل: الآن تقول الشركة إنها وصلت 36.2 بليون برميل. أيضا، وخلال تلك الفترة نفسها، زادت احتياطات ليبيا من 20 بليون برميل الى 44 بليون برميل، واحتياطات فنزويلا من أقل من 20 بليون برميل الى قرابة 100 بليون برميل، والعراق من 30 بليونا الى 115 بليونا.

الشبيبة 25 يناير 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*