البنتاجون يستعد لحقبة ما بعد النفط

محمد سليمان الزواوي

في إطار انخفاض المخزون النفطي العالمي تدريجيًا يسعى البنتاجون إلى إيجاد وسائل وقود بديلة جديدة لتأمين احتياجات الجيش الأمريكي في السنوات المقبلة، بصورة لا تهدد كفاءته وجاهزيته وقدرته على المناورة وإنجاز المهام المنوطة به. وقد نشر مركز الأمن الأمريكي تقريرًا[1] عن هذا الموضوع للكاتبين كريستين بارثيمور وجون ناجل يرصدان فيه أهم ملامح التغير في اعتمادية الجيش الأمريكي على الوقود النفطي، حيث يشير التقرير إلى أنه يجب على وزارة الدفاع الأمريكية أن تستعد الآن لتنتقل بصورة سلسة إلى مستقبل لا تعتمد فيه على النفط، ولكن يشير التقرير إلى أن تلك ليست مهمة سهلة، فما يقرب من 77% من احتياجات الطاقة لوزارة الدفاع الأمريكية ـ ومعظم الطائرات والمركبات الأرضية والسفن وأنظمة الأسلحة التي تشتريها اليوم ـ تعتمد على النفط كوقود.
ومن غير المتوقع أن تنتقل كافة الأنظمة العسكرية بين عشية وضحاها إلى وقود بديل، فتحدد الدراسة إطارًا زمنيًا قدره ثلاثين عامًا للتحول المطلوب، وهي الفترة ذاتها التي يتوقع أن تصبح بعدها الإمدادات النفطية شحيحة للغاية أو لا يمكن الوصول إليها بصورة يمكن للجيش الاعتماد عليها، لذا ولكي تستعد القوات المسلحة الأمريكية لتحديات الغد، فيجب على البنتاجون أن يضمن أنه يستطيع تشغيل كافة أنظمته على وقود غير نفطي بحلول عام 2040م . وهذا الإطار الزمني الذي يصل إلى 30 عامًا فقط يعكس مؤشرات سوق تشير باتجاه طلب عالي على النفط وزيادة التنافس الدولي للحصول عليه. بل إن المؤشرات الجيولوجية والاقتصادية والإنتاجية تفيد بأن السوق سوف ينمو بصورة متتابعة قبل أن يتم نضوب الاحتياطات النفطية. فبعض التقديرات تشير إلى أن نسبة الاحتياطي إلى الانتاج اليوم ـ والتي تشير إلى مدى سرعة إنتاج العالم لكافة الاحتياطات النفطية المعروفة حاليًا مقارنة بالنسبة الحالية للاستهلاك ـ هي أقل من خمسين عامًا.
وبالتالي وبالوضع في الاعتبار استشراف عمليتي الطلب والإمداد، فإننا لا نستطيع أن نفترض أن النفط سوف يظل متاحًا او أن الإمدادات سوف تكون متاحة للولايات المتحدة بصورة يمكن الاعتماد عليها في العقود الثلاث القادمة. فضمان أن وزارة الدفاع الامريكية تستطيع أن تعمل على الوقود غير النفطي بعد 30 عامًا من الآن يعد منافيًا للاتجاهات وللقيود الاقتصادية والسياسية والبيئية السائدة في العالم، ولذلك فسوف يستغرق الأمر عقودًا لإكمال ذلك التحول بعيدًا عن النفط، ولكن وزارة الدفاع الأمريكية قد وضعت بالفعل الإطار الأساسي الهام لذلك، فتنمية واختبار وتقييم أنواع الوقود المتجددة التي أجرتها الخدمات المسلحة حتى الآن تمثل تلك الخطوة الأولى لضمان قدرات البنتاجون طويلة الأمد لتلبية حاجاتها في مجال الطاقة.
لذا يرى التقرير أنه يجب على البنتاجون أن يبني على ذلك العمل ويطور استراتيجية تضمن قدرته على الأداء في كافة أنحاء العالم في حالة حدوث ندرة نفطية أو عدم إتاحته لأسباب مختلفة، لذا أطلق مركز الأمن الأمريكي الجديد مشروعًا في سبتمبر 2009 لاختبار تحديات الطاقة أمام البنتاجون وأوصى بخطة عمل لمواجهة ذلك، وقد جمع المركز قادة من البنتاجون وخبراء غير حكوميين وقاموا ببحث القوانين الحالية والمتطلبات والمشروعات، وزاروا قواعد عسكرية أمريكية في أنحاء الولايات المتحدة لمناقشة التحديات والفرص الخاصة بالطاقة أمام البنتاجون.
ومن هذا البحث خلص المركز إلى أن وزارة الدفاع بحاجة إلى استراتيجية طويلة الأمد لتبني أنماط وقود بديلة تعتمد على قراءة للاتجاهات الحالية لإتاحة النفط واستخدامه، بالإضافة إلى الاعتراف بأن اعتماد الولايات المتحدة على النفط يعد نقطة ضعف طويلة الأمد أمام البنتاجون.
ويقول التقرير أن مسئولي البنتاجون يتفهمون تلك الثغرة، فأثناء فترة عمل المشروع عينت البحرية الأمريكية ضباطًا كبارًا لقيادة فريقي عمل حول الطاقة والتغير المناخي، وقد بدأت نشاطاتهم بالفعل داخل أروقة البنتاجون، وتلك النشاطات تعد نموذجًا يحتذى لقادة القوات المسلحة الأمريكية، كما أجرت البحرية الأمريكية وسلاح الجو اختبارات على وقود حيوي مستخرج من نبات الكاميلينا  Camelina في السنوات السابقة.
وتعمل قيادة التشغيل في سلاح الجو الأمريكي ومكتب وزير الدفاع على زيادة كفاءة الطاقة والوصول إلى الحد الأقصى من الاقتصاد في الوقود في الأنظمة الحالية وفي الأنظمة الجديدة. وقد قدمت لجنة الدفاع الرباعية التابعة للبنتاجون تعليمات لإدراج اعتبارات الطافة في كيفية إجراء البنتاجون لأعمالها. والقواعد العسكرية داخل الولايات المتحدة تستثمر الآن في أنظمة ومشروعات خاصة بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الجيوحرارية.
وتعمل وزارة الدفاع حاليًا للتوافق مع اعتبارات هيئة الطاقة الفيدرالية وبخاصة تلك المتعلقة بقانون الأمن واستقلالية الطاقة لعام 2007م ، وعلى التوجيهات الرئاسية من إدارة الرئيس أوباما بتاريخ أكتوبر 2009م الخاصة بالحفاظ على المصادر لكل الوكالات الفيدرالية.
وبالرغم من أن مختلف الأفرع العسكرية قد طورت استراتيجيتها الخاصة بالطاقة لتحسين إدارة استخدامها للطاقة في المستقبل القريب، إلا أن وزارة الدفاع يجب أن تطور أيضًا استراتيجة طاقة شاملة طويلة الأمد. فالاستراتيجيات التي طورتها كل خدمة عسكرية على حدة تركز بصورة أساسية على استخدام الكهرباء في المؤسسات المحلية، وهو ما يفسر النسبة الضئيلة نسبيًا لاحتياجات الطاقة بالنسبة للبنتاجون، ومعظم الاهداف في تلك الاستراتيجيات لا تنظر لما بعد عام 2015م أو 2020م ، وهو إطار زمني يعد قصيرًا للغاية لضمان أمن الطاقة طويل الامد لوزارة الدفاع الأمريكية.
بل إنه لا يوجد مسئول واحد يتابع ملف الطاقة بأكمله الخاص بوزارة الدفاع، فالسلطة داخل البنتاجون مقسمة حاليًا، ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى تعقيد تطبيق الاستراتيجية. وهذا التقرير يفصل الضرورات الاستراتيجية لوزارة الدفاع للعثور على بدائل للنفط في الثلاثين عامًا القادمة، ثم يقدم بعد ذلك خطوات هامة في الوصول إلى الهدف طويل الأمد. فالانتقال بعيدًا عن الاعتماد الكامل على النفط بحلول 2040م سوف يكون صعبًا للغاية كما يشير التقرير، ولكن يوقل أنه لحسن الحظ أن قطاع الدفاع الأمريكي كان قد قام بالعديد من التحولات في مجال الطاقة بنجاح في الماضي القريب. فقد استطاع الانتقال من الفحم إلى النفط إلى الطاقة النووية في تسيير سفنه وبواخره وغواصاته، وفي نقلة كبيرة أخرى تحولت وزارة الدفاع بصورة سريعة إلى زيادة اعتمادها على الأصول الالكترونية والفضائية وعلى أنظمة الحاسوب في أنظمة الحرب الحديثة بطرق حسنت فاعلية المهام. وتلك الخبرات ربما تقدم دروسًا للبنتاجون يمكنها أن تؤثر على الانتقال في مجال الطاقة من أجل مضاعفة مرونتها الاستراتيجية إلى الحد الأقصى وكذلك قدرتها على المناورة.
ويشير التقرير إلى أن الفترة الحالية هي المرحلة الأمثل لإحداث تلك النقلة الجديدة مع إعادة انتشار القطاعات العسكرية في الحروب الحالية، فإن الجيش (وإلى درجة أقل الخدمات العسكرية الأخرى) أمامها الآن سنوات لإعادة الضبط. فمبادرات الإصلاح وإعادة هيكلة القطاعات البشرية التي أطلقها وزير الدفاع روبرت جيتس عام 2009م 2010م سوف تستمر خلال إدارة أوباما ومن المتوقع أن تستمر لما وراءه أيضًا. وكل تلك التطورات سوف تقدم فرصًا للحصول على أنظمة طاقة جديدة أكثر فاعلية.
فالتحول الناجح بعيدًا عن النفط سوف ينتج مكاسب مالية وعملياتية واستراتيجية، فتقليل الاعتماد على النفط سوف يساعد على وجود قدرة طويلة الأمد للجيش على شن مهامه الموكلة إليه، ويساعد على ضمان أمن الولايات المتحدة. ومن خلال تبني وقودًا غير نفطي فإن ذلك سوف يتطلب استثمارات مبدئية، من المتوقع استردادها من خلال توفيرات في الميزانية على المدى البعيد. وفي النهاية فإن الانتقال بعيدًا عن النفط سوف يسمح لوزارة الدفاع أن تقود عملية تطوير التقنيات الابتكارية التي يمكن أن تفيد أمريكا بصورة موسعة، في الوقت الذي تشير فيه أمريكا إلى العالم أنها لديها قوات قادرة على التأقلم والابتكار.
ويؤكد التقرير على أن هذا التحول لا يجب أن يكون على حساب الجاهزية ويجب على وزارة الدفاع دائمًا ان تضع مهامها في الصدارة، ولكن لا يجب على البنتاجون أن يختار بين تحقيق مهمته وبين تقليل مخاطره الاستراتيجية أو النفقات أو الآثار البيئية السيئة الناتجة عن استهلاك النفط.
وبتوصيل مؤشرات إلى القطاع الخاص تفيد أن الوقود  البديل سوف يصبح سوقًا مستقرة وبضخ بحوافز للاستثمار في مجال تصنيع الوقود الذي يلبي احتياجاتهم الخاصة في مجال الطاقة، فإن وزارة الدفاع لن تحتاج إلى التضحية بالاداء أو بالأمن القومي مقابل أمن الطاقة. وفي المقابل فإن تقليل الاعتماد على النفط سوف يساعد الخدمات المسلحة لإنجاز مهامهم في السنوات والعقود القادمة.
ويشير التقرير إلى أن التوصيات التي تم توضيحها فيه سوف تساعد وزارة الدفاع على التحول إلى مصادر غير نفطية من الطاقة لفائدة الأمن القومي وللفاعلية العملياتية. ولكن التحول السلس للبنتاجون إلى منظومة طاقة مستقبلية لا تعتمد على النفط سوف يعتمد بصورة كبيرة على إجراءات تقع خارج نطاق سلطة البنتاجون في الكثير من الأحيان، مثل اختيار السياسات المتعلقة بتلك العملية والالتزامات الحكومية التي ترجع بصورة حصرية إلى المسئولين المنتخبين، وإلى الدولة وإلى الإدارات المحلية داخل الولايات، وإلى القطاع الخاص وإلى المجتمع الدولي.
وينصح التقرير أنه يجب على الكونجرس والبيت الأبيض أن يستمران في تحسين متطلبات الطاقة لكافة الوكالات الفيدرالية، ويكرسون قيادتهم لتحسين الفهم العام الأمريكي بأن تلك الإجراءات تم اتخاذها لرعاية مصالح الأمن القومي الأمريكي. والاستراتيجية طويلة الأمد للبنتاجون يجب أن تحتوي على تنسيق بين كل تلك المجموعات، لأن قراراتهم سوف تؤثر على قدرة البنتاجون على الأداء في النهاية، فتلبية حاجات الطاقة لوزارة الدفاع الأمريكية بمصادر وقود جديدة في الثلاثين عامًا القادمة سوف تتطلب صبرًا وقيادة مثابرة من مسئولي البنتاجون، ولكن المزايا سوف تثبت أنها سوف تكون كثيرة للغاية، وتلك التغييرات سوف تساعد وزارة الدفاع الامريكية على تقليل النفقات والحفاظ على مرونتها وضمان قدرتها على حماية والدفاع عن الولايات المتحدة ضد كل الأعداء، بصرف النظر عن إتاحة الوقود المعتمد على النفط من عدمه.

مجلة البيان 28 ديسمبر 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*