أزمة توفير الطاقة.. نضوب النفط

ما هي الخيارات الرئيسة المتاحة للمجتمعات الصناعية في العقود القليلة القادمة من اجل توفير الطاقة؟
تحقيق : محمد العراقي

لقد بلغ النفط في الولايات المتحدة أوجه عام 1970، وبدأت منذ ذلك التاريخ تستورد كميات متزايدة منه سنة بعد سنة، وسيبدأ العالم ابتداء من 2010 تقريبا مواجهة حقيقة، إن الباقي من النفط في جوف الأرض أقل جودة وأصعب استخراجا، وسيبدأ ضخ النفط بالتناقص، وسيبلغ الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي أوجه في حدود 2020، أما الفحم فقد بدأ بالفعل يدخل في مرحلة التناقص وتراجع الجودة.
تراكمت الدلائل على أن الإنتاج العالمي من النفط يقترب من أوجه التاريخي، إذ كان النفط أرخص وأنسب مصدر للطاقة اكتشفه البشر حتى الآن. وقد عود الناس أنفسهم في البلدان الصناعية على مدى القرنين الماضيين على نظام يتوفر فيه المزيد من طاقة الوقود الأحفوري، وتزايد عدد سكان العالم بسرعة كبيرة لاستغلال هذا الرزق الذي أتاهم من حيث لم يحتسبوا. ووجدت الأمم الصناعية نفسها معتمدة على نظام اقتصادي مبني على افتراض أن النمو أمر طبيعي ولازم، وأنه يمكن أن يستمر إلى الأبد، ولكن هذا الافتراض يوشك أن يتهاوى الآن، لأن الدلائل تتراكم بسرعة على أن الوفرة النفطية قد انتهت.

عصر التخطيط لمصادر الطاقة
الطاقة المتجددة المستمدة من الرياح والشمس لا تشكل سوى جزء يسير لا يذكر من الطاقة التي يحصل العالم عليها. مع أن هناك مصادر أخرى كثيرة للطاقة، مثل الطاقة النووية والنفط الثقيل والرمال النفطية، ولكنها مكلفة استخراجا ومعالجة. وفي حالة التحول إلى مصادر بديلة للطاقة فإن المجتمعات الصناعية بحاجة إلى إعادة صياغة وتصميم، وسيحتاج ذلك إلى استثمارات هائلة.
وزير البيئة البريطاني الأسبق مايكل ميكر وفي مقالة بعنوان (لنخطط الآن لعالم بلا نفط) يقول: (يواجه العالم خيارا صعبا، إذ لا يمكنه مواصلة السير على درب الاستهلاك المتصاعد للنفط الذي يسير عليه الآن، محاولا الاستيلاء على ما هو متاح من إمدادات نفطية متبقية، بالقوة العسكرية إن لزم الأمر دون تجنب الاستنزاف المضطرد للقوة العالمية على الإنتاج.
في هذا الشأن بالتحديد يقول رئيس مركز اقتصاد العراق الدكتور علي القرغولي: الدول الصناعية تتحفظ على معلومات وبيانات ضخمة حول الطاقة البديلة بالاضافة الى محاولة بناء مشاريع كبرى من اجل الطاقة البديلة عن النفط تحديداً. ويضيف القرغولي: ازمة البرنامج النووي الايراني نشأت من هنا فأميركا والدول الغربية لا تريد دولة اسلامية تنشئ مشاريع ممكن ان تستفيد منها فيما بعد.
وفي كتاب (أزمة الطاقة الأخيرة) يقول اقتصادي النفط أندرو ماك كيلوب: (تخيل أننا صرنا في العام 2035، وذلك لنفهم على نحو أفضل المأزق الذي نحن فيه، ففي تلك السنة سيكون إنتاج النفط قد هبط بنسبة 75%، وسيكون إنتاج الغاز قد هبط بنسبة 60%، وتكون قد اختفت مقاطعات نفطية كبحر الشمال).
اذن صورة مرعبة تنتظر اميركا والغرب بخصوص نفاذ النفط او تراجع جودته.

الحرب من اجل النفط
بعد حرب 1973 ثم سقوط نظام الشاه في إيران عام 1979 صاغ الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر ما يعرف حتى اليوم بعقيدة كارتر، التي تقول: إن الولايات المتحدة الأميركية ستستعمل قوتها العسكرية للمحافظة على منفذ لها إلى احتياطات نفط الشرق الأوسط.
عن هذا الموضوع تحدثنا مع الدكتور سامي كريم المختص في الحسابات القومية فقال: تدخل الحسابات والاستهلاكات في مجال الطاقة في الدول الكبرى وبالتحديد في أميركا في مجال صناعة السياسة، وعلى الرئيس الأميركي تحديد مصادر طاقة جديدة عبر لجان دائمة يستشيرها في مثل هذه المواقف.
ويؤكد الدكتور سامي كريم على “نهم” أميركا في مجال مصادر الطاقة حيث يقول: ان أميركا زحفت بقوة نحو منابع النفط في فترات متعددة ولحد الان تسيطر بطريقة او باخرى على منابع النفط.

ازمة النفط الوشيكة
تسلط وثيقة أخرجتها CIA مؤخرا إلى العلن الضوء على بعض أهم الأحداث الجيوسياسية في الربع الأخير من القرن الماضي. وكانت هذه الوثيقة عنوانها: (أزمة النفط الوشيكة) صدرت في مارس/آذار عام 1977 وتوقعت قرب بلوغ النفط في الاتحاد السوفيتي أوجه في زمن أقصاه أوائل الثمانينيات، وخلص واضعو الدراسة إلى القول إنه خلال العقد القادم يحتمل أن يجد الاتحاد السوفيتي نفسه عاجزا عن إمداد أوروبا الشرقية والغرب بالبترول والغاز بالمعدل الحالي، بل قد يضطر إلى التنافس للحصول على نفط أوبك لاستعماله الخاص.
المشرف الدولي في الجامعة الأميركية في السليمانية الدكتور هلال اسيوطي قال: ان الولايات المتحدة استغلت هذه المعلومات سياسيا، ويضيف: يبدو أن الإدارة الأميركية استخدمت تلك المعلومات للضغط على الاتحاد السوفياتي ودفعه إلى الإفلاس، مثل إغراق السوق بالنفط الرخيص، وإشعال الحروب في مناطق نفوذه. ويضيف د.اسيوطي: نشبت في السنوات القليلة الماضية صراعات دموية بسبب الموارد في مناطق مختلفة من العالم، مثل إقليم آتشه في إندونيسيا وتشاد ودارفور وجنوب السودان ونيجيريا وفنزويلا والجزائر وكولومبيا وبابوا غينيا، والقائمة طويلة جدا، ولكن ربما يكون العراق أوضح الأمثلة على حروب النفط.
الدكتور احمد رضا مهنا مدير مركز بابل للتنمية الاقتصادية قال: كان غزو العراق بالطبع حدثا فريدا، عجلت بوقوعه ظروف محددة من هذه الظروف الواقع النفطي للعراق. ويتساءل مهنا قائلاً: فإلى أي مدى بدل غزو العراق أشكال الصراعات على الموارد التي يمكن أن تندلع في العقود القادمة؟ ويضيف: إن العراق في الواقع هو الرابط الذي تلتقي عنده أنواع مختلف النزاعات، بين الأمم المستهلكة (مثل فرنسا والولايات المتحدة الأميركية) وبين الأمم الصناعية الغربية.

الفقر والتقدم
يشير ريتشارد ويلكنسون في كتابه (الفقر والتقدم) إلى أن الظروف الاجتماعية والبيئية المستقرة تميل إلى إنتاج مجتمعات بشرية ذات كبح ذاتي، بينما تجعلها الديناميكية غير المستقرة للتجارة الصناعية العالمية تتخلى عن سلوكيات ثقافة الكبح الذاتي التي لديها، وهذه ليست معلومات مطمئنة، فآخر ما توصف به بداية القرن الحادي والعشرين هو الاستقرار.

هل بالفعل الاستقرار ليس من بديهيات او مميزات بداية القرن الحادي والعشرين؟
الدكتور هلال اسيوطي يقول: الكوكب يفقد بسرعة أمثلة النظم البيئوية التي بلغت الذروة، ويتعين علينا أن نغير كثيرا في سلوكنا ونمط حياتنا وتفكيرنا، وأن نفعل ذلك بسرعة، وهذا أمر شاق وباهظ التكاليف بكل المقاييس. الدكتور اسيوطي يدعو الى نمط حياة جديد والا…، ويقول: لابد ان تنطلق دعوة كبرى لتخفيض استهلاك الطاقة والموارد وتخفيض النمو الاقتصادي والسكان قد تبدو هذه الدعوة انتحارا سياسيا لأي زعيم سياسي، على الأقل في الولايات المتحدة الأميركية، لكن اقول: هل نقبل بان تنحط الحياة البشرية إلى مجرد وجود بيولوجي؟
قليلون من يبادلون الدكتور اسيوطي نفس الشعور، فالكثير من الخبراء لا يوافقونه عمليا، الدكتور علي القرغولي يقول: لا مجال لاجبار الناس على تخفيض استهلاك الطاقة فقد تحدث بسبب ذلك حرب عالمية او اضطرابات واسعة.
لكن الدكتور سامي كريم يقول: لقد طور الناس قبل الصناعة تقاليد شفهية سمحت لهم بإقامة مجتمعات محلية ونسج شبكة احتياجات ومصالح، أما الفترة الصناعية فقد مزقت الثقافات التقليدية لتحل محلها حفلة استهلاكية عالمية.

أمل لأجيال قادمة
هل يمكن القول: هكذا مع لفظ الحضارة الصناعية لأنفاسها الأخيرة سيكون من المنطقي بالنسبة لنا أن نحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الطبيعة والمعارف العلمية والفن والفلسفة بما يمدنا وذرياتنا بأسباب الحياة.

الرأي العام العراقية 1 ديسمبر 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*