ماذا لو وصل الإنتاج النفطي إلى ذروته؟

عثمان الخويطر

يختلف كثير من الكتاب والمحللين, حتى المتخصصون في الشؤون النفطية ومصادر الطاقة, على تعريف ”ذروة الإنتاج النفطي” وهل هي حقيقة أم مجرد كلمة يتناقلها الكتَّاب، بل ربما أن بعضهم لا يُقرُّون بوجود شيء اسمه ذروة الإنتاج، على الرغم من أنه أمر طبيعي أن تكون هناك ذروة لكل مصدر له بداية ونهاية, فهناك ذروة لإنتاج الفحم وذروة لإنتاج عنصر اليورانيوم الذي يُستخدم كوقود للمنشآت النووية وذروة نهارنا وقت الظهيرة ولعمر الإنسان ذروة هي نهاية عصر الشباب, فلماذا لا يكون لإنتاج النفط أيضا ذروة وهو بحق من أهم مقومات الحياة العصرية وتعتمد عليه البشرية في توليد نسبة كبيرة من الطاقة التي تُسيِّر أمورنا؟ ومن المعلوم لدى العامة والخاصة أن النفط في آخر المطاف مادة ناضبة، وأن الطلب عليه في ازدياد مستمر منذ أن تم اكتشافه قبل ما يزيد على 100 عام، حتى بلغ مجموع الاستهلاك في وقتنا الحاضر أكثر من 86 مليون برميل في اليوم الواحد. ومن الطبيعي الذي لا خلاف حوله، أن الاحتياطيات النفطية تتقلص مع استمرارية استنزافها عبر السنين. ولا بُدَّ من أن نربط بين كمية الإنتاج اليومي أو المعدل السنوي بكمية الطلب المقابلة لها, فخلال السنوات الماضية، ومنذ بدأ استخدام النفط كوقود، كان الإنتاج في معظم الأحوال، ولا يزال، يرتفع لتلبية الطلب العالمي المتزايد. وهنا يبرز رأي خبراء مصادر الطاقة ليلفتوا نظر المجتمع الدولي إلى أن الطاقة الإنتاجية الحالية على وشك الوصول إلى الذروة، وهي أعلى مستوى لها عبر التاريخ، ويعني ذلك قرب بداية نقص الإمدادات النفطية إذا استمر ارتفاع الطلب على الطاقة كما هو متوقعاً.
ومن الممكن أيضا أن نُطبِّق فكرة ذروة الإنتاج على حقل مُعين أو على مجموعة من الحقول في بلد ما، ولكن ذلك لا يعني للدول المستهلكة الشيء الكثير، فالذي يهم المجتمع الدولي هو مجموع الإنتاج النفطي العالمي الذي من المفروض أن يُلبي الطلب الكلي لمصادر الطاقة, فنحن نرى أن ذروة الإنتاج النفطي القصوى هي تلك الكمية التي يتساوى مقدارها مع كمية الطلب العالمي على المشتقات النفطية. ومن المحتمل أن يظل الإنتاج عند مستوى القمة لفترة زمنية معينة، قد تكون لعدة أشهر أو لعدة سنوات، وهي عبارة عن مرحلة استقرار لكمية الإنتاج خلال تلك المدة. والسؤال الرئيس لهذه المقالة هو، ماذا لو انخفض الطلب على الطاقة لسبب من الأسباب بعد بلوغ الإنتاج مرحلة الذروة، ويصبح هناك فائض مرحلي من الإنتاج؟ والجواب أن لا شيء يتغير، وستعود الذروة عندما يتساوى الإنتاج مع الطلب مرة أخرى، حتى نصل إلى الحالة التي لا يمكن خلالها أن نجد ما يُلبِّي الحاجة من المواد النفطية بسبب نضوبها الجزئي.
لكن الأكثر أهمية بالنسبة للطلب على الطاقة هو اجتياز كمية الاستهلاك مستوى الإنتاج الكلي وحدوث نقص واضح في الإمدادات النفطية. في هذه الحالة سيحدث نوع من الارتباك الشديد في الطلب على مصادر الطاقة، لأن الكل يريد أن يحصل على الكميات التي يحتاجون إليها بأي ثمن كان. وبطبيعة الحال، فكلما زادت الفجوة بين كمية الإنتاج ومقدار الطلب، لمصلحة الأخير، ارتفعت حرارة الأسعار, التي من المؤكد أنها ربما تكون سبباً لإحداث صدمة عنيفة للاقتصاد العالمي. وربما يلي ذلك تقلص مؤقت في الطلب على الطاقة لأسباب اقتصادية، ومن ثم نزول في الأسعار إذا كان لا يزال في السوق فائض من النفط أو أصرَّت الدول المنتجة، كعادتها، على الاستمرار في ضخ أكبر كمية ممكنة من النفط بصرف النظر عن التدهور المحتمل للأسعار. ومن الملاحظ أن الدول المستهلكة، على وجه الخصوص، لا تُعير اهتماما كثيرا لقرب وصول الإنتاج العالمي من المشتقات النفطية إلى الذروة، في الوقت الذي نرى فيه استمرار زيادة الطلب عليها وعدم وجود مصادر أخرى كافية لتوليد الطاقة المطلوبة. وبكل تأكيد، فإن عدم أخذ هذا الأمر مأخذ الجد من قِبل المستهلكين الرئيسيين يعود في غالب الأحوال إلى غياب الشفافية في كل ما يتعلق بالاحتياطيات النفطية المُعلن عنها من قِبَل المنتجين. ونحن نعتقد أن عدم إظهار الشفافية في مجال الاحتياطي النفطي لا يخدم مستقبل الاقتصاد العالمي، وربما أن ذلك يلقي ظلالاً كثيفاً من الغموض حول صحة الأرقام التي تعلنها الجهات المسؤولة عن الإنتاج. هذا إلى جانب احتمال وجود مبالغة في تضخيم الكميات الاحتياطية المتبقية، في غياب الحاجة إلى أي مبررات منطقية لذلك، سواء كانت سياسية أو اقتصادية، كما كانت عليه الحال منذ ثلاثة عقود عندما كان تخصيص كمية الإنتاج يعتمد على مقدار ما تملكه كل دولة من الثروة النفطية، وعلى الأخص دول منظمة الدول المصدرة للبترول ”أوبك”.
والأمر الذي قد لا يدركه البعض هو أن عدم الإفصاح عما تبقى من الثروات النفطية القابلة للنضوب يجعل العالم اليوم وكأنه يسير في نفق مظلم وعلى غير هدى, فالنفط هو مُسيِّرُ الحياة الاقتصادية، وإذا لم نتنبه إلى توقيت وصول ذروة الإنتاج من أجل أن نعمل على إيجاد بدائل مناسبة, فقد نُفاجأ على حين غرة بحدوث نقص حاد في إمدادات الطاقة على مستوى العالم. أما إذا وصل الإنتاج فعلاً إلى الذروة، فإنه سيكون أكبر حدث في العصر الحديث، وربما الأكثر خطورة على الوضع الاقتصادي العالمي الهش. ونخشى أن يكون عدم الكشف عن الاحتياطيات الحقيقية ناتجا عن الخوف من احتمال الاستغناء عنه إذا توافرت البدائل، وهو ما لا يقبله عاقل، فنحن نعلم أن الأولوية لمصادر الطاقة ستظل، دون أي مبالغة، للنفط على مدى المستقبل المنظور، مهما ظن البعض غير ذلك. ولعل من العوامل الأخرى والأسباب الجوهرية التي لا تساعد على دفع الدول المستهلكة بقوة نحو الاستثمار في بدائل مصادر الطاقة المتجددة هي الأزمات المالية الحالية التي يُعانيها الجميع، وعلى الأخص الديون الخيالية المتراكمة، التي لم تفلت منها في وقتنا الحاضر أي حكومة على وجه الأرض. وعندما تظهر بوادر نقص إمدادات الطاقة من المصادر التقليدية فلن تكون هناك اختيارات أفضل من اللجوء إلى مصادر الطاقة المتجددة مهما كلف ذلك من المجهود والأموال.

الاقتصادية 10 اكتوبر 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*