فرصة الثمانين.. كيف سنديرها؟

محمد بن عبد الكريم بكر
قبل نحو أسبوعين نشرت وسائل الإعلام تصريحا للمهندس خالد الفالح الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية تناول فيه التوقعات للطلب العالمي على النفط في المستقبل المنظور، وقضايا أخرى كطاقة الإنتاج الاحتياطية التي تحتفظ بها المملكة، وعملائها في الأسواق النامية، وغيرها. وعلى رغم أهمية المعلومات التي أدلى بها المهندس الفالح، إلا أن اللافت للنظر بشكل خاص ما جاء في ذلك التصريح بأن “احتياطيات المملكة من النفط تكفي لـ 80 عاما بمعدلات الإنتاج الحالية”. ولعل من المصادفات اللطيفة أن يأتي ذلك التصريح في الوقت الذي يحتفي فيه الوطن بمرور ثمانين عاما منذ أن توحدت أرجاؤه و استقامت بنيته على يد الملك عبد العزيز – رحمه الله.
اليوم ونحن نتذكر مسيرة الثمانين عاما التي مضت وما تحقق خلالها من إنجازات كبيرة في بناء المواطن والوطن، وما أنفق على ذلك البناء، والدروس التي تعلمناها، يبدو من الحكمة أن يتأمل المرء في الدرب التي ينبغي أن نسلكها ونحن نكمل مشوارنا سعيا نحو المستقبل. ومن أجل ذلك ليت كل منا يجلس مع نفسه ليسألها: ترى ما هي تطلعاتنا للأجيال المقبلة، وما هي الخيارات المتاحة أمامنا لبلوغها؟
من حسن الحظ أن بعض نقاط الارتكاز Reference Points على تلك الدرب باتت واضحة، إذ إننا نعرف اليوم بدرجة عالية من الدقة العمر الافتراضي المتبقي لاحتياطيات النفط في المملكة، عدد السكان المتوقع خلال الخمسين عاما المقبلة واحتياجاتهم من وظائف، غذاء وسكن، ماء، كهرباء، تعليم، صحة، وغيرها من مقومات ضرورية للحياة. ذلك يُسًهل تقدير حجم الإنفاق اللازم لتوفير تلك المتطلبات في نموذج تنموي مستدام. بمعنى آخر لا بد أن تكون هناك موارد مالية مستمرة نامية تكفي للحفاظ على تلك الاستثمارات والمنشآت، وتوفير فرص عمل، وذلك هو التحدي الحقيقي الذي ينبغي أن نتعامل معه من الآن قبل نضوب النفط.
ومن الخطأ أن يرى البعض في فترة الثمانين عاما المتبقية من عمر النفط فسحة كافية من الوقت لتأجيل إنجاز ذلك الواجب، إذ لا ينبغي التعويل على ما تبقى للنفط من عمر، بل الفطنة تقضي ألا نغفل الزمن المتوقع لمصادر الطاقة البديلة وعلى رأسها الطاقة الشمسية لكي تجد لها موطئ قدم في السوق. ذلك الزمن يبدو أنه لم يعد بعيدا وفقا لما يتسرب من أخبار عن أبحاث تجرى في ذلك المجال في مختبرات الجامعات والشركات. وما يجب ألا نغفله أيضا أن التقنيات الجديدة المربكة Disruptive technologies تنتشر بشكل مفاجئ وسريع لا يسمح للتقنيات القائمة بمهلة للتكيف مع المعطيات الجديدة.
ثم هناك الاستخدام المحلي الجائر للطاقة. فالمملكة العربية السعودية اليوم لم تعد منتجاً رئيساً للنفط والغاز فحسب، بل انضمت أيضاً إلى قائمة كبار المستهلكين. إذ يبلغ ما يُستخدم محلياً في الوقت الراهن نحو 30 في المائة من إجمالي ما ينتج من الطاقة الهيدروكربونية (النفط والغاز) وبمعدل زيادة سنوية يتراوح بين 8 – 10 في المائة وهو معدل عال بكل المقاييس. بالطبع جزء من ذلك الاستهلاك ومن تلك الزيادة قد يكون له ما يبرره في النمو الصناعي وبالذات كمادة لقيم feedstock في الصناعات البتروكيماوية، لكن هناك مساحة واسعة للترشيد في قطاع النقل الذي يستهلك نحو 39 في المائة من مجموع كميات النفط والمنتجات المكررة التي تمتصها السوق المحلية، وكذلك الحال في عمليات إنتاج الكهرباء وتحلية المياه التي تستقطع حصة لا تقل في مجموعها عن حصة قطاع النقل أو ما يعادل مليون برميل يومياً بين نفط وغاز.
إن استشراف المستقبل وإعداد العدة له قضية معقدة تحتاج إلى بصيرة وإرادة سياسية واعية. وقد قيض الله تعالى للمملكة قيادة تدرك أبعاد وتكاليف تلك القضية. إذ تبنى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز مبادرات عملاقة في إطار استشرافه لمستقبل وطنه وشعبه من منظور تاريخي فحواه أن التعليم، والبحث العلمي، والابتكار تشكل الركائز الأهم في التنمية المستدامة للأمم مهما تنوعت ثرواتها أو مشاربها. وكان من بين المبادرات العملاقة لتحقيق رؤية الملك الحكيمة برنامج الابتعاث للدراسة في الخارج، إنشاء جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، والتوسع غير المسبوق في مؤسسات التعليم بدرجاته في أرجاء المملكة.
لذا يجب ألا نهاب التحديات التي يحملها المستقبل لنا، إذ لدينا الأدوات للتعامل معها إن أحسنا الاختيار، و شرعنا في إدارة المواجهة من الآن.
الاقتصادية 28 سبتمبر 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*