احتياطات النفط الأخيرة

ما مدى خطورة التنقيب عنها في أعماق المحيطات؟
فيليب بيسج، ألكسندر يونغ،
نيلز كلاويتر، ورينات نيمز- كوستر
صحيفة الجريدة 21 مايو 2010

تُظهر الكارثة النفطية التي ضربت خليج المكسيك مدى خطورة التنقيب عن النفط في البحار. تسعى شركات النفط وراء آخر براميل نفط متبقّية على الكوكب بالحفر عميقاً في قاع المحيطات، أمر ظل بعيد الاحتمال حتى السنوات الأخيرة.
للنفط الذي يلوّن اليوم خليج المكسيك بخطوط بنية ضاربة إلى الحمرة قصة طويلة. ولبلوغ نقطة البداية في هذه القصة علينا الغوص في المحيط إلى عمق 1500 متر، متخطّين طبقة ضخمة من الوحل لنخترق بعد ذلك الملح الصلب.
يقع مصدر هذا النفط على عمق أربعة كيلومترات تحت قاع المحيط، في طبقات صخرية مرتفعة الحرارة تشكّلت قبل ملايين السنين خلال العصر الثلثي (Tertiary). وعلى رغم دراجات الحرارة التي تضاهي بسخونتها نار الجحيم، تخاطر شركات مثل بريتش بتروليوم (BP) وشيل وإكسون موبيل وشيفرون بمحاولتها استخراج هذا النفط. فإذا حلّقنا فوق الموقع الذي غرقت فيه منصة الحفر {ديبووتر هورايزن} في أواخر أبريل (نيسان) الفائت، نرى عشرات المنصات الأخرى بارزة على صفحة الماء في الأفق، كما لو أنها فقاعات في حوض استحمام.
تقدّر الولايات المتحدة راهناً أن قاع المحيط في خليج المكسيك يخبئ تحته 60 مليار برميل نفط. ويُعتبر هذا الخزان الضخم كافياً لتشغيل الاقتصاد الأميركي بشاحناته وسياراته الشيفروليه وطائراته الليرجيت والبوينغ وصناعاته الكيماوية وغيرها طوال عقد إضافي تقريباً. لكن لا مفر من طرح السؤال: ما مدى خطورة التنقيب عن النفط في أعماق البحار والمحيطات؟ سلّط انفجار {ديبووتر هورايزن} الكارثي، الذي أودى بحياة أفراد طاقمها الأحد عشر، الضوء على تحديات التنقيب في البحار.

أقصى حدود الجيولوجيا
يقول المدير التنفيذي في شركة بريتش بتروليوم، توني هايورد، في مقابلة مع {شبيغل} إن محاولة وقف تسرّب النفط من قاع المحيط تذكِّرنا بعملية إنقاذ المركبة الفضائية أبولو 13، التي تضررت خلال رحلتها إلى القمر عام 1970. ويتابع موضحاً: {يبدو جلياً أن قطاع الطاقة بلغ اليوم أقصى حدود الجيولوجيا والجغرافيا والتكنولوجيا}.
على نحو مماثل، يشير ثاد ألن، أميرال في خفر السواحل عيّنه الرئيس الأميركي باراك أوباما لتنسيق جهود الاحتواء، إلى {قساوة المسافة وقساوة الأعماق}. {فلم يسبق}، على حد تعبيره، أن استُخدمت مراكب يجري التحكم فيها عن بعد لاحتواء تسرب النفط من فوهة بئر على عمق 1500 متر.
فشلت أخيراً محاولات إنزال قبة احتواء فولاذية تزن 100 طن فوق منطقة التسرّب، لأن تراكم هيدرات الميثان السريع أعاق عمل الآلة. وتسعى شركة بريتش بتروليوم راهناً الى إنزال قبة أصغر بكثير. لكن حتى لو نجحت عملية الإنقاذ، ستستمر تأثيرات الكارثة النفطية هذه لسنوات. فقد غطى النفط راهناً مناطق من البحر توازي مساحتها ضعف مساحة لوكسمبورغ.
ووصلت طلائع النفط المتسرّب أخيراً إلى شواطئ جزر تشاندلر، سلسلة من الجزر غير المأهولة قبالة ساحل لويزيانا. يعمل نحو 10 آلاف شخص بدأب ليحولوا دون بلوغ النفط أجزاء أخرى من الشاطئ. وترش طائرات لوكهيد سي-130 أطناناً من خليط كيماوي يُدعى Corexit يفكك النفط المتسرب ويفرّقه. ولكن يُعتقد أن هذا الخليط بحد ذاته يؤذي النظام البيئي البحري. لذلك، يتوقع قطاعا الصيد والسياحة خسائر بمليارات الدولارات.

{لا يناسب ضعاف القلوب}
انهال فيض من الشكاوى على بريتش بتروليوم وترانس أوشن، الشركة التي تشغّل منصة ديبووتر هورايزن. ويذكر عالم الجيولوجيا كلاوس بتزر من جمعية دراسة ذروة النفط والغاز: {طالما حذرنا من كوارث شبيهة بما حدث في خليج المكسيك. فقد عبثت شركات النفط بأمور من الخطر التلاعب بها}.
يتوقع هذا البروفسور في جامعة بايروث في جنوب ألمانيا أن تصبح الكوارث المشابهة لما حصل قبالة سواحل لويزيانا وألاباما وميسيسيبي وفلوريدا أكثر شيوعاً، في حال واصلت شركات النفط الحفر في المياه العميقة. لم يتبين بعد مدى تورط شركة بريتش بتروليوم في هذه الكارثة، إلا أن بتزر يؤكد: {يمكننا أن نوجه إلى هذا القطاع تهمة مثبتة: رفضه العنيد التسليم بالواقع عند تقييمه إمكانات التنقيب عن النفط المستقبلية}.
تبدو جرأة {بارونات النفط} غير محدودة على رغم الأزمات. كتب مارك رايدينغ، خبير في شركة البحث عن النفط {شلومبرغر}، في عدد مايو (أيار) من مجلة Offshore المخصصة لقطاع استخراج النفط من البحار والمحيطات: {لا يناسب التنقيب في المياه العميقة ضعاف القلوب أو مَن يعوزهم التمويل}. ثم يؤكد أن {النجاح يولّد الحماسة}.
تنتشر المناطق الغنية بالنفط في مياه البحار والمحيطات حول العالم. ويقدّم رايدينغ تقييماً ساذجاً للمياه قبالة سواحل مدغشقر والقرن الأفريقي وغرينلاند وجنوب شبه الجزيرة العربية والأرصفة القارية حول الأطلسي، فيشبّهها {بأهداف نضجة وتنتظر رؤوس آلات الحفر}.
تحوّلت أعماق البحار إلى ملعب يصول ويجول فيه المهندسون والمتخصصون في استراتيجيات سوق الطاقة. بيد أن هذه الحماسة جاءت وليدة الحاجة. فما كانت الشركات المتعددة الجنسيات لتغامر طوعاً وتحاول استغلال خزانات تحت الماء يصعب بلوغها، لو لم يكن هذا خيارها الوحيد والأخير. خلال السنوات الخمس الماضية، ظلّ إنتاج النفط العالمي ثابتاً ولم يتخطَّ 85 مليون برميل يومياً. أخبر سداد الحسيني، نائب رئيس مجلس إدارة سابق في شركة النفط السعودية أرامكو، مجلة Petroleum Technology: {صحيح أن هذا القطاع عاد إلى إنفاق استثمارات طائلة بين عامي 2003 و2008، لكنه أخفق في مجاراة الطلب المتزايد على النفط. وعجز في النهاية عن تخطّي سقف إنتاج معين}.
يأتي الجزء الأكبر من نفط العالم من حقول اكتُشفت قبل أكثر من ستين سنة من دون اللجوء إلى تكنولوجيا معقدة. أما اليوم، فيُضطر المنقبون إلى استخدام أساليب مكلفة للبحث عن حقول نفط جديدة تقع في مناطق من العالم يصعب بلوغها واستخراج كميات من النفط اعتُبرت في الماضي هامشية.

في الأعماق تزداد متطلبات الحفر
تفتقر الشركات في الغرب خصوصاً إلى مواقع حفر واعدة، غير مكلفة، ويسهل الوصول إليها في آسيا وأميركا اللاتينية. فقد استحوذت على هذه المواقع شركات نفط وطنية (مثل أرامكو السعودية وغازبروم الروسية وشركة النفط الوطنية الإيرانية وشركة النفط الوطنية الفنزويلية) تديرها الدولة أو تملك أجزاء منها. تُعتبر هذه الشركات الأكبر في قطاع النفط، لأنها تتحكم بأكثر من ثلاثة أرباع احتياطات العالم. وتشكّل شركة أرامكو السعودية حالة فريدة. فلو طرحت أسهمها للتداول العام لأصبحت هذه الشركة الأكثر قيمة في العالم.
تتعامل هذه الشركات الوطنية العملاقة باحتراف تام مع {بارونات النفط} في هيوستن ولندن ولاهاي، وما عادت تسمح للشركات الغربية باتخاذ القرارات. فضلاً عن ذلك، لم تعد هذه الشركات الحكومية بحاجة إلى مال الغرب أو خبراته. فعندما ترغب في الحصول على آخر ابتكارات تكنولوجيا الحفر، تتعاقد مع شركات متخصّصة مثل شلومبرغر وهاليبورتن وترانس أوشن.
تتحكم شركات النفط الخاصة القديمة بنحو 10% فقط من احتياطات النفط والغاز العالمية. ولم يتبقَّ لشركات مثل بريتش بتروليوم إلا المشاريع الأخطر الأكثر تعقيداً وكلفة. فتدفعها الحاجة إلى المجازفة واستغلال خزانات لا يتجرأ أحد غيرها على استثمارها.

الخيار الوحيد المتبقّي
يوضح عالم الجيولوجيا بتزر أن {ما يدفع بريتش بتروليوم وشركات النفط الأخرى إلى استغلال الوسائل التكنولوجية إلى أبعد الحدود في عمليتي البحث والتنقيب، عدم توافر خيار آخر أمامها}. استثمرت هذه الشركات مليارات الدولارات في استكشاف أعماق لم يتجرأ أحد على التفكير فيها سابقاً. لذلك صار كل أسلوب استكشاف جديد يُبكتر يلقى ترحيباً كبيراً في قطاع النفط. لكن هذه الابتكارات لا تحقق أي هدف غير إرجاء الوقت الذي ينفد فيه تدفّق النفط.
توقّفت شركات النفط منذ زمن عن استخدام منصات مثبتة بإحكام بقاع المحيط. فنرى اليوم تجهيزات ضخمة، تُدعى منصات حفر عائمة، تطفو على وجه محيطات العالم، متأرجحة فوق كيلومترات من المياه. وتمتد مواسير صاعدة (Risers) مصنوعة من فولاذ خاص أو مواد فائقة الصلابة نحو الأعماق المظلمة، بما أن الأنابيب التي تُستعمل عادة قد تنفجر.
على عمق 1500 متر، تبلغ حرارة الماء 5 درجات مئوية، في حين أن النفط يتدفق من الأرض بدرجات حرارة تقارب الغليان. ما يعرّض المعدات لإجهاد هائل.
على رغم ذلك، يحاول المهندسون النزول إلى أعماق غير مسبوقة. فقد بُنيت ديبووتر هورايزن في العام 2001 وصُممت لتكون إحدى أحدث منصات الحفر في العالم. فهي قادرة على مواجهة الأعاصير وأمواج يصل علوها إلى 12 متراً. حتى أنها عملت على عمق 3000 متر.
لكن المخاطر كبيرة جداً. يوضح تيم روبرتسون من مجموعة نوكا للبحث والتخطيط، شركة استشارية مقرها في سلدوفيا بألاسكا: {عند خوض الأعماق تزداد متطلبات الحفر التكنولوجية إلى حد كبير}. فغالباً، تزيد تيارات الأعماق القوية الإجهاد الذي تتعرض له المواسير الصاعدة. ومن الضروري الحفاظ على سخونة النفط قدر الإمكان للحؤول دون تجمد الغاز الطبيعي الذي يحتويه مع مياه البحر، ما يؤدي إلى تكوّن مواد تسدّ الأنابيب تُدعى هيدرات الغاز.
لكن الأخطر على الإطلاق ضغط الخزانات الهائل تحت مياه المحيط. تحفر شركات النفط في طبقات صخرية يتعرض كل سنتيمتر مربع منها لضغط يعادل وزن سيارة متوسطة الحجم. نتيجة لذلك، ينطوي حفر خزان نفط أو غاز مماثل على خطر اندفاع الوقود نحو الأعلى بطريقة متفجّرة لا يمكن ضبطها.

تقنيّة خطرة
يحاول المهندسون تفادي هذا الخطر بإقحامهم سائل الحفر داخل ثقب الحفر. ومن الضروري أن يخضع هذا السائل الخاص لمقدار الضغط نفسه كما النفط والغاز المندفعين نحو الأعلى. ولا شك في أن هذه مهمة صعبة.
يعتقد كثيرون بأن انفجاراً من هذا النوع هو ما قضى على ديبووتر هورايزن. وقد يكون السبب إسمنتاً صبه موظفو هاليبورتن لتثبيت ثقب الحفر. وهذه بالتأكيد تقنية خطرة، إذ تتكون الشقوق مع تصلّب الإسمنت، ما يتيح للنفط والغاز بالتسرّب نحو الأعلى بقوة هائلة. عندئذٍ تكفي شرارة لإحداث انفجار.
فهل الإقدام على مخاطر مماثلة تصرّف مسؤول؟ يذكر النقاد أن القطاع بأكمله يقدم على مراهنات خطيرة، والمتضرر هو البيئة. علاوة على ذلك، تضاهي كلفة التنقيب في مياه المحيط مخاطره التقنية. فقد بلغت قيمة ديبووتر هورايزن 560 مليون دولار (430 مليون يورو). ويكلّف نوع التنقيب الذي كانت تقوم به المنصة وقت حدوث الكارثة نحو 100 مليون يورو، وذلك كلّه في سبيل استثمار حقل نفط صغير نسبياً لا يحتوي إلا على بضعة ملايين من البراميل.
ومن المتوقع أن تزداد هذه التكاليف قريباً، إذ ستشدد السلطات على الأرجح شروط السلامة نتيجة هذه الكارثة، ما يعني أن التنقيب الباهظ الثمن في المياه العميقة لن يعود على الشركات بفائدة تُذكر.
يأتي نحو 30% من النفط العالمي راهناً من التنقيب في مياه المحيطات. إلا أن أقل من 1% من الإنتاج العالمي يُستخرج بواسطة منصات تحفر على أعماق تفوق الألف والخمسمئة متر. يتحدث ستيفن باكولد، خبير نفط في هامبورغ، عن هذه المنصات قائلاً: {لا تؤدي أي دور في إمدادنا راهناً}.
على رغم ذلك، تعتبر شركات نفط كثيرة أن مستقبل النفط يكمن في الحفر في عرض البحار والمحيطات. يكلّف النفط المستخرج من أعماق البحار 35 دولاراً إلى 65 دولاراً للبرميل، وفق تقديرات الوكالة الدولية للطاقة السنة الماضية. ويبلغ سعر النفط اليوم نحو 80 دولاراً للبرميل.
يذكر رايدينغ: {تحولت ديبووتر سريعاً من تحدٍّ إلى فرصة}. ويعتبر بعض المناطق قبالة ساحل البرازيل وأفريقيا الغربية {مناطقة ساخنة} قد تزدهر فيها أعمال التنقيب في مياه المحيط. وشكّل خليج المكسيك إحداها حتى حلول الكارثة.

هل تواصل شركات النفط أعمالها كالمعتاد؟
في أواخر شهر مارس (آذار) الفائت، أعلن أوباما موافقته على تخصيص مناطق جديدة للحفر في مياه المحيط قبالة ساحل الولايات المتحدة الشرقي وشمال ألاسكا وشرق خليج المكسيك. لكنه تراجع عن قراره هذا في أعقاب كارثة ديبووتر هورايزن، وهذا الموقف منح رخص تنقيب جديدة راهناً.
يستطيع أوباما استغلال هذا الوضع لتحديث قانون خاص بالطاقة سيصوّت عليه الكونغرس قريباً، خصوصاً أن هذا القانون يحفل بتنازلات لقطاع النفط. لكن يعتقد كثيرون بأن أوباما لن يبدّل سياساته على الأمد البعيد، إذ تترتب على هذه الخطوة مخاطر كبيرة، سياسية واقتصادية. فمن المتوقع، بحسب التقديرات، العثور على 22 مليار برميل تقريباً من النفط في حقول جديدة تقع كلها في المياه الأميركية.
من المرجّح أن يواصل قطاع الطاقة عمله كالمعتاد على رغم تسرّب النفط الذي نشهده راهناً. فبخلاف تسرب النفط من اكسون فالديز قبالة شواطئ ألاسكا في العام 1989، تحدث هذه الكارثة تدريجاً. إنها موت بطيء صامت يقتل الطيور والسلاحف والثدييات البحرية في خليج المكسيك. وقد يساعد هذا الواقع شركة بريتش بتروليوم على تخطّي المشكلة بسرعة. ومن المستبعد أيضاً أن تؤدي الخسائر المادية إلى انهيار الشركة، وإن بلغت مليارات الدولارات. فقد ارتفعت أرباح بريتش بتروليوم إلى 5.6 مليارات دولار في الربع الأول من السنة.
وقبل أن تلاقي ديبووتر هورايزن حتفها في حقل ماكوندو، قامت هذه المنصة باكتشاف مذهل. فقد استُخدمت للتنقيب في وادي كيثلي على بعد 200 ميل بحري إلى الغرب. وفي شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، أنزلت حفارها الصلب تسعة كيلومترات في الصخر تحت المحيط، وهذا رقم قياسي عالمي. وتقدّر شركة بريتش بتروليوم أن ثمة أكثر من ثلاثة مليارات برميل في خزانات تلك المنطقة.
{أبعد من النفط}، هذا هو شعار هذه الشركة البريطانية المحيّر والناجح. ولكن سيمرّ وقت طويل قبل أن ينتقل عملاق النفط هذا إلى ما هو أبعد من النفط.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*