فوبيا النفط

يحيى العقابي
صحيفة العالم العراقية 17\5\2010

منذ أن أطلق الجيوفيزياوي الأميركي (كينج هوبرت) في عام 1956م افتراضه العلمي المثير للجدل، والذي ذكر فيه حتمية زوال النفط في الحقول المنتجة، اعتبرت تلك الفرضية في حينها نذير شؤم لمدمني النفط، وعرفت بفرضية (ذروة النفط) وحدد بلوغها في أميركا سنة 1971م وفي العالم سنة1995م مستندا على منهجية بحث علمي وتحليلات إحصائية لاحتياطيات النفط المؤكدة مقارنة بالكميات المنتجة.
جاءت دراسته العلمية الموسعة والشاملة للخصائص الجيولوجية والفيزياوية لحقول النفط باستحضار خبرته الأكاديمية والعملية في هذا المجال وقيامه بحساب كميات النفط المستخرجة من تلك الحقول، فخرج بمخطط بياني على شكل منحنى بهيئة (ناقوس) تتكون قيمه من إحداثيات الزمن – أفقيا – والكميات المستخرجة من الآبار بملايين البراميل –عموديا – مبرهنا وحسب منطوق افتراضه بأن مادة النفط المخزونة في باطن الأرض وعلى أعماق مختلفة في تركيبات جيولوجية ملائمة لتوليد وتجميع النفط والغاز قابلة للنضوب تدريجيا، وإن الآبار المنتجة تبدأ عادة بكميات منخفضة آخذة بالصعود لتتوقف عند القمة (الذروة) ثم تنخفض شيئا فشيئا حتى تخرج البئر عن الخدمة.
بعد ذلك بدأ علماء النفط وخبراؤه والمهتمون بشؤونه دراسة فرضية (هوبرت) بشكل واسع حيث نالت نصيبا كبيرا من اهتمامهم، فمنهم من كان داعما وخاصة بعد بلوغ النفط في أميركا ذروته، فكثر أتباع تلك الفرضية معمقين أبحاثهم وفق منطوق (هوبرت) وأسسوا مراكز دراسات وبحوث تهتم بهذا الشأن. توالت الأنباء عن بلوغ (الذروة النفطية) بأماكن أخرى من العالم، ففي حقول بحر الشمال في بريطانيا بدأت عام 1999م وتلتها الحقول النفطية في النرويج عام 2001م ، ثم المكسيك عام 2004م ، إلى أن وصل عدد الدول التي بلغت الذروة (22) دولة من أصل (55) دولة منتجة للنفط في العالم.
أما الفريق الآخر من المهتمين بشؤون النفط فقد عارض ما ذهب أليه متبنو فكرة الذروة النفطية معتمدين على افتراضات علمية رصينة، تلخصت بضرورة الاشتغال في البحث والتنقيب والاستكشافات الجديدة لحقول النفط والغاز بهدف إضافة احتياطيات نفطية ذات قيمة للرصيد الاحتياطي النفطي العالمي الحالي، معتقدين إن المستثمرين في مجال النفط وأصحاب القرار في الدول والشركات المالكة لحقول النفط تبدي عزوفها عن الغور في مجال الاستكشافات والتنقيب بسبب حاجتهم إلى مبالغ هائلة لا توفر لهم مردودا ربحيا قريب المدى، متجنبين بذلك المفاجآت التي قد يجلبها لهم المستقبل والتي قد تأخذ بجهودهم وأموالهم في أدراج الرياح، فضلا عن اعتقادهم بضرورة تطوير تكنولوجيا التنقيب والاستكشاف الذي تركوا أمره لغيرهم من أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة لعلُهم يساهمون في إضافة مايطمئن به أسواقهم العطشى إلى النفط.
إن حجم الاستكشافات النفطية في العالم خلال أعوام القرن الماضي كان (365) مليار برميل في حقبة الستينيات، و(275) مليار برميل في السبعينيات، ثم حقبة الثمانينيات (150) مليار برميل، تلتها حقبة التسعينيات بأقل من (80) مليار برميل، وأن 80 % من الإنتاج العالمي هو من الحقول النفطية المستكشفة خلال الحقب المذكورة، هذه الأرقام تعطينا تفسيرا منطقيا لتخوف مستهلكي النفط في العالم من النقص الذي يحصل في إمدادات هذا المصدر المهم من مصادر الطاقة والذي يمثل 35 % من مصادرها في العالم فضلا عن الغاز الطبيعي الذي يمثل 25 %، خصوصا بعد أن أظهرت تقارير وكالة الطاقة الدولية توقعاتها بنمو الاستهلاك العالمي للنفط 1,7 % إلى 2 % خلال السنوات العشرة القادمة.
أمام هذه المعطيات لجأت بعض الدول إلى اتخاذ قرارات صعبة للزحف بأبراج النفط إلى المياه بعد إن يئست من الحصول على احتياطيات ذات قيمة في البر، كالقرار الذي اتخذته حكومة أميركا في الشهر السابق برفع الحظر عن عمليات الاستكشاف والبحث عن النفط قرب ساحل ولاية فرجينيا التي تشير التوقعات إلى وجود أكثر من 3.5 مليار برميل في قاع ساحلها، وتعد هذه الخطوات مكلفة من الناحية المالية مقارنة بالبحث والتنقيب والحفر في البر، فضلا عن مواجهتها للمعارضة والضغوط التي يقوم بها أنصار البيئة، إلا ان هناك دولا أخرى لجأت إلى التنقيب عن النفط تحت المياه بالرغم من امتلاكها احتياطيات نفطية كبيرة كالسعودية والكويت وإيران، لتعطي دلالتين: أولهما ضعف الفرص بالحصول على احتياطي نفطي في باطن الأرض على اليابسة، وثانيهما محاولة تلك الدول باكتساب خبرة مريحة في مجال التنقيب والحفر في قاع المياه لنشاطها النفطي الاستراتيجي تحسبا لتولد حاجة مفاجئة في المستقبل، فضلا عن إعطاء رسائل اطمئنان لأسواق النفط بتوفير احتياطيات نفطية تبعد العالم زمنيا عن (ذروة النفط).
إن الجهود الشاقة التي تبذلها الدول والشركات الباحثة عن النفط وحجم الأموال التي تستثمر في هذا المجال لو تم مقارنتها بالنفط العراقي لأدركنا إن العراق لديه ما يمنحه من التربع على العرش العالمي للنفط لاحتوائه على (530) تركيبا جيولوجيا تحتوي على كميات هائلة من النفط، تم حفر (115) تركيبا (71) منها يحتوي على مادة النفط بشكل مؤكد وموزعة على حقول عديدة لم يستغل منها سوى (27) حقلا، (10) منها تعد من الحقول العملاقة في العالم علما إن (14) محافظة في العراق يوجد فيها النفط والغاز الطبيعي. إن العراق قدم النفط وقودا لشعلة الحضارة العالمية مديما به سعادة النفس البشرية، واضعا ثدي أرضه في فم جياع الطاقة بالعالم، مزيلا فوبيا النفط عنهم.
حقا إنها لمفارقة سخية أن تطعم الجياع لينتابك الخوف والجوع.

* كاتب وخبير نفطي

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*