نضوب النفط والمدن الأمريكية

بقلم د. فيصل حميد *

المراقب لما يحدث في داخل الولايات المتحدة الأمريكية، لابد أن يلاحظ اتساع الظواهر التي تكشف مشكلة الطاقة التي تواجهها. بعض الظواهر المهمة والتي لا تصل إلى الاعلام الواسع، مثل التقرير الحكومي الذي أعد بطلب من احدى لجان مجلس النواب (الكونجرس) الأمريكي والذي جاء تحت عنوان “النفط الخام: الشكوك حول مستقبل أسواق تجهيز النفط وأهمية تطوير استراتيجية لمجابهة ذروة ونضوب الانتاج النفطي”، والتقرير الذي سبقه، وأعدته مجموعة خبراء بتكليف من وزارة الطاقة الأمريكية، والذي جاء تحت عنوان “وصول انتاج النفط العالمي إلى الذروة: تخفيف التأثيرات وادارة المخاطر”، العناوين الطويلة توضح المشكلة التي تعالجها التقارير، والنتائج التي توصلت إليها. وتأتي أهمية هذه التقارير من كونها تصدر عن الحكومة الأمريكية، وليس عن مراكز بحوث أو جامعات، لتعالج مشكلة ذروة الانتاج النفطي، وبدء مرحلة نضوب النفط، وتداعيات ذلك على الاقتصاد الأمريكي .
بالنسبة لمسألة نضوب النفط، فاليوم أصبحت كل المصادر العلمية الجديرة بالثقة، وغير المرتبطة بالمصالح النفطية، تقر بوصول الانتاج النفطي العالمي إلى أعلى مستوى يمكن أن يصل إليه، أي ذروة الانتاج الممكنة، وبحتمية بدء مرحلة نضوب النفط في فترة زمنية قريبة، بعضها يشير إلى التضاعف المطرد لأسعار النفط في السنوات الأخيرة، وعدم وجود هامش مؤثر لزيادة الانتاج، ليواكب الطلب المتزايد، كدليل على كون الانتاج العالمي قريب جداً من بدء مرحلة النضوب . هذه المصادر لم تتعد دائرة الخبراء والمختصين، لكن هذه التقارير الصادرة عن الحكومة الأمريكية، تشير بوضوح إلى انه لن يكون باستطاعة الحكومات الغربية الاستمرار في اخفاء الموضوع على المستوى الرسمي، والتظاهر بأن الصراعات الدولية التي تدور حولنا انما هي من أجل أسباب نبيلة تتمثل في نشر “الحرية والديمقراطية” وليست صراعات فجة من أجل السيطرة على ما تبقى من مصادر النفط في العالم، التي ستبدأ بالنضوب قريباً .
بدء مرحلة نضوب النفط لا يعني نهاية النفط، إذ ان النفط سيبقى أحد المصادر الرئيسية للطاقة ولعقود مقبلة، بل يعني ان الانتاج النفطي العالمي سيبدأ بالتناقص . منذ الستينات من القرن الماضي والاكتشافات النفطية في انخفاض، ومنذ أوائل التسعينات والعالم يستهلك من النفط أكثر مما يكتشف . ومع بدء مجموع انتاج الحقول النفطية الحالية في العالم مرحلة النضوب، ستنشأ فجوة متسعة باستمرار بين انتاج النفط المتناقص والطلب المتزايد عليه، مما سيؤدي إلى زيادات حادة بأسعاره حيث إن الخبراء لا يستبعدون تضاعف أسعار النفط لاضعاف عدة.
النفط مهم لكل دول العالم، لكونه يوفر الوقود لوسائط النقل بكافة أنواعها من سيارات وشاحنات وطائرات وبواخر، اضافة إلى أنظمة القطارات التي تعمل على الوقود السائل، والنقل يمثل للاقتصاد ما تمثله الدورة الدموية للكائن الحي. والواقع هو ان وسائط النقل تستهلك أكثر من ثلثي انتاج النفط العالمي، والذي يتعدى 84 مليون برميل في اليوم في الوقت الحاضر، أي ما يعادل ألف برميل بالثانية يستهلكها العالم. ومعظم الجزء المتبقي من النفط يستخدم كمادة أولية في الصناعات، ويمكننا ان نملأ صفحات بأنواع المواد التي تصنع من النفط، أو يدخل في تصنيعها بشكل رئيسي.
دولة واحدة في العالم لديها أسباب اضافية للخشية من العجز بانتاج النفط وهي أمريكا. كما يشير العديد من الكتاب والخبراء، فأمريكا هي القوة العظمى والتي تتمكن من فرض ارادتها على العالم، لذلك فإن النفط يباع الآن بالدولار فقط، وهذا يخلق طلباً هائلاً على الدولار، ويمثل أحد الأسباب المهمة والتي تساهم في الاسناد النسبي لقيمته على الرغم من العجز الهائل في الميزانية الأمريكية. لكن هناك سبباً آخر أكثر أهمية، والذي يدعو لخشية أمريكا من بدء مرحلة نضوب النفط، وهو ان اعتمادها عليه يفوق بأضعاف باقي الدول الصناعية ودول العالم الأخرى، وذلك لكون مدنها وبنيتها الحضرية ووسائط النقل، ومن ثم جزء كبير من اقتصادها معتمداً كلياً وبشكل يصعب اصلاحه على النفط. وأي تعثر لتدفق النفط إلى الأسواق العالمية قد يرفع أسعاره بشكل حاد، وقد يؤدي إلى تداعيات كارثية للاقتصاد الأمريكي.
بدأت مشكلة المدن الأمريكية مع خطط الانتشار الحضري التي أقرتها الحكومة الأمريكية، ونفذت بدعم هائل في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية. واعتبر الانتشار الحضري كأفضل اسلوب للدفاع المدني ضد أي هجمات ذرية قد يقوم بها الاتحاد السوفييتي السابق على المدن الأمريكية المزدحمة. وهذه الخطط اسندت من قبل صناعات السيارات وشركات النفط الكبرى، بنفوذها السياسي والاقتصادي القوي، باتجاه تبني نظام نقل يعتمد طرق السيارات، وذلك لتوسيع مبيعاتها من السيارات ووقودها النفطي وتمثل الدعم الحكومي للانتشار الحضري في تقديم الضمانات البنكية لقروض المساكن وبالانفاق الحكومي المباشر على انشاء شبكة الطرق السريعة والتي تمتد لتغطي أمريكا طولاً وعرضاً وساهمت في سرعة انتشار سكان المدن إلى الضواحي، “الحلم الأمريكي” الذي تحقق للملايين خلال العقود التي تلت الحرب في معظمه اسلوب حياة جديد ووحيد يتمثل في بيت واسع في الضواحي الجديدة. وتميزت الضواحي الجديدة بانخفاض الكثافة السكانية والاستخدامات الأحادية للأرض فالمناطق السكنية هي للسكن فقط، وغالباً ما تكون لسكن طبقة اجتماعية معينة أو اثنية معينة، كذلك المناطق الصناعية، فهي في مكان آخر، وكذلك المدارس أو الأبنية العامة أو مناطق التسوق، كل له منطقته الخاصة. ملكية واستخدام سيارة أو سيارتين أو ثلاث أمر ضروري لكل عائلة فمن دونها لا يمكن عمل أبسط الأشياء من الذهاب إلى العمل أو المدرسة أو التسوق أو الترفيه . اسلوب حياة الضواحي والسيارات استمر وأصبح جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الأمريكية، على الرغم من توقف الدعم الأمريكي المباشر له، ليصبح اسلوب الحياة العادي لأجيال من الأمريكيين ولا يعرفون غيره.
تستهلك أمريكا اليوم ربع الانتاج العالمي من النفط، وتطلق النسبة نفسها من الملوثات على الرغم من أن عدد سكانها لا يتجاوز واحداً من عشرين من سكان الأرض. في ظل حقيقة ان العالم على أبواب بداية عصر نضوب النفط، السؤال الذي يحاول الساسة الأمريكيون الاجابة عنه، هو ما هي البدائل التي تمكن أمريكا من أن تبقي اسطول النقل المكون أمن أكثر من 220 مليون سيارة وشاحنة تعبر طرقاتها السريعة؟ البدائل التي يتكرر ذكرها متعددة، فتارة يأملون في تسيير سياراتهم على غاز الهيدروجين، وتارة أخرى على كحول الإيثانول المنتج من تخمير محاصيل زراعية كالذرة، وتارة أخرى على البطاريات الكهربائية، وتارة يأملون في انتاج ما يكفي من وقود السيارات من الفحم الحجري، أو القار الرملي أو الصخور العضوية، بل حتى ان البعض بدأ بإعادة تدوير دهن المطاعم المستخدم في مقالي البطاطس، ومعالجته كيماوياً لتحويله إلى نوع من وقود البايو ديزل.
في بداية العام 2003 وقبل بضعة شهور من احتلال العراق، كتب البروفيسور ايان روبرتس في صحيفة “الجارديان” البريطانية الواسعة الانتشار، مقالاً شخص فيه أسباب الحرب المتوقعة حينها إذ قال ان “مهندسي هذه الحرب ليسوا المخططين العسكريين بل هم مخططو المدن الأمريكية.. سبب الحرب ليس أسلحة التدمير الشامل كما يدعي اليمين السياسي، ولا الامبريالية الغربية كما يدعي اليسار السياسي، بسبب هذه الحرب، وربما الحروب التي تليها هو السيارات.
وكلما توسعت الضواحي الأمريكية حول المدن، أصبحت صناعات السيارات أقوى، حيث ان هذه الصناعات وما يتبعها من خدمات وصناعات انتاج وتكرير وتوزيع الوقود، هي الآن أكبر مشغل للعمالة في أمريكا. صناعة السيارات هي التي توفر المعيشة وتشكل الاتساع الحضري . مدن مثل لوس انجلوس ودالاس وفينكس، خططت لتخدم السيارات الخاصة لتصبح تشتتاً حضرياً هائلاً من امتدادات الضواحي، لدرجة انه الآن قد يكون من المستحيل انشاء نظام نقل عام اقتصادي ليخدم هذه المدن. إذ إن نظام النقل الأمريكي معتمد بشكل كامل على النفط، والنفط بدأ ينضب، والانتاج العالمي سيصل إلى الذروة ومن ثم يبدأ بالتناقص خلال السنوات القليلة المقبلة. الاقتصاد الأمريكي يحتاج للاستمرار بانتاج كميات هائلة من الدولارات النفطية، والمدن الأمريكية تحتاج إلى النفط لاستمرار اسلوب حياتها المسرف باستهلاك الطاقة، والشرق الأوسط يجلس على ذلك النفط.

*أستاذ في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا ومؤلف كتاب “النفط والحرب والمدينة”
(مقالة نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية- في 23 يونيو/ حزيران 2008)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*