الذهب الأسود أولاً وآخراً

عثمان الخويطر
الاقتصادية 22\8\2010

كثيراً ما يُعيد البعض منا المقولة المشهورة المنسوبة إلى أحد رجال النفط المشهورين، التي تتضمن ما معناه، أن الإنسان الحجري لم يتخلَّ عن الحجر كسلاح يُدافع به عن نفسه لقلة في وجوده، بل تركه لأنه اكتشف طريقة أفضل فاعلية منه. ولا نعلم إن كان قد قالها الرجل على سبيل الطرفة أم أنه كان فعلاً يؤمن بما نُسب إليه. وهم يُحاولون عبثاً تطبيق هذه المقولة على مستقبل النفط، رغم البُعد الشاسع بين دور الاثنين في حياتنا, فالحجر كان له استخدام بسيط واحد، من السهولة بمكان استبداله، بينما للمواد والمشتقات النفطية استخدامات ومزايا كثيرة لا تُعدُّ ولا تُحصى، إلى جانب كونها المصدر الرئيس للطاقة في حاضرنا ومستقبلنا، بل هو شريان الحياة الحديثة. وهذا المنطق يُذكرنا بمقولة سابقة كنا نسمعها في الستينيات والسبعينيات الميلاديتين، وهي منسوبة أيضا إلى مصادر إعلامية غربية كانت آنذاك تُحذر مُصدِّري النفط ”العرب” من أنهم إذا لم يبيعوا نفطهم بشبه البلاش وبأسعار زهيدة ومتدنية، فإنهم، أي العرب، سيشربون نفطهم لعدم الحاجة إليه، وهو تهديد مُبطَّن باحتمال إيجاد بديل لمصادر الطاقة النفطية. وربما أن تلك الدعايات والتهديدات الغربية انطلت آنذاك على العامة، على الرغم من عدم جديتها وعدم إثباتها علميا. ومع الانفتاح العلمي والتقني الذي يشهده العالم اليوم والمشاركة الفعلية في مراكز البحوث بين جميع الجنسيات والمؤسسات العلمية، لا يمكن أن يتصور إنسان مُدرك أن يكون هناك انفراد من جانب جهة معينة في إجراء دراسات سرية تتعلق بمصادر جديدة لتوليد الطاقة خلاف ما هو معروف لدي الجميع. العالم يستهلك في اليوم الواحد أكثر من 85 مليون برميل من النفط لتوليد نسبة من الطاقة التي يحتاج إليها لتسيير أمور الحياة، إلى جانب مصادر أخرى تُؤمِّن النسبة الباقية، وهي كميات هائلة من مصادر الطاقة لا يمكن تعويضها بسهولة. وبعض الآراء الأخرى المطروحة، التي تتعلق بإمكانية الاستغناء عن النفط، من ضمنها خفض الطلب عليه في حالة ارتفاع أسعاره إلى مستويات قياسية وفي زمن ركود اقتصادي عالمي. وما دمنا كلنا نؤمن بنظرية العرض والطلب، فما الذي يجعلنا نتخوف من أن يمتنع المستهلكون عن شراء نفطنا بسعر السوق وهم لن يجدوا أفضل منه؟ ولو فرضنا جدلاً وجود مصادر بديلة بأسعار منافسة، فما المانع لدينا من أن نُخفِّض أسعارنا إلى مستويات أقل، حتى نضمن تسويق إنتاجنا بقدر ما تحتاج إليه أسواق الطاقة؟
وصراحة، نحن نتمنى لو يتوصَّل العلماء والباحثون في أي مكان من العالم إلى إيجاد وسيلة جديدة لتوليد الطاقة بحيث تخدم البشرية جمعاء، بشرط أن تكون تكلفتها مُتيسرة للجميع، وفي الوقت نفسه، تُساعد على الحد من الإسراف في عملية هدر وإحراق المشتقات النفطية، كما هو حاصل اليوم. وسنكون نحن سعداء بذلك، لأننا نتطلع مثل غيرنا إلى إيجاد مصادر رخيصة لإنتاج الطاقة، بسبب ظروف حياتنا الصعبة المرتبطة بالبيئة الصحراوية القاسية. ونحن أيضا واثقون من أننا ـــ إن شاء الله ـــ سنجد في المستقبل من يدفع ثمناً باهظا لما يتبقى من نفطنا من أجل استخدامه ليس فقط كوقود، بل كلقيم للمصانع البتروكيماوية ولرصف الطرق واستعمالات أخرى لا حدود لها.
وقد كتبت مقالاً في الاقتصادية، في 21 مارس، 2010م ، ويوجد تحت الرابط
http://www.aleqt.com/2010/03/21/article_366729.html
استعرضت فيه مختلف بدائل مصادر الطاقة المعروفة اليوم، المتجددة منها والقابلة للنضوب، من حيث مقدرة أي منها على القيام بالواجبات التي تُؤديها مصادر الطاقة النفطية بوجه كامل، وبينت عدم إمكانية ذلك، وهو ما يعني بقاء النفط كأفضل اختيار لتوليد الطاقة خلال المدى المنظور. فليهنأ الخائفون من بدائل مصادر الطاقة بنوم عميق ولا يقلقهم مستقبل ومصير المواد النفطية مهما طال عمرها، فهي ـــ إن شاء الله ـــ باقية، ويخلق الله ما لا تعلمون.
وربما سائل يقول: وما يضيرنا لو يعم مجرد الاعتقاد بإمكانية الاستغناء عن النفط كمصدر للطاقة، لاحتمال وجود بدائل أخرى قد تحل مكانه في يوم ما وتُؤدي عمله بحيث تنتفي الحاجة إلى النفط، وهو أمر ليس فقط بعيد الاحتمال, بل إنه شبه مستحيل؟ والجواب المُبسَّط، هو أن خطورة ذلك تكمن فيما لو بُنيت استراتيجية الإنتاج على مبدأ الخوف من الانصراف عن النفط إذا لم نحافظ على مستوى سعري متواضع ومنافس لتكلفة البدائل الجديدة، وذلك عن طريق زيادة الانتاج إلى أقصى حد ممكن، بصرف النظر عما سيسببه الانتاج الكبير من ضرر على مستقبل الاحتياطي النفطي ومستقبل الشعوب التي تعتمد حياتها اعتماداً كلياًّ عليه. وفي النهاية، سنجد أننا خسرنا مقومات معيشتنا نتيجة تصديقنا مقولات غير مؤكدة ولا تستند إلى دراسات علمية ولا تتماشى مع المنطق السليم، ونقول للذين يؤمنون بإمكانية الاستغناء عن النفط، أين الدليل المادي الذي يُثبت ذلك؟
وخطورة الإسراف في إنتاج النفط في هذه المرحلة الحرجة من حياة الشعوب كافة والمتمثلة في الاعتماد شبه الكامل على مصدر واحد غير مُتجدِّد لتوليد الطاقة، هي أن العالم سيتعرض لصدمة عنيفة عندما يُصيب الوهن منابع النفط ويبدأ إنتاجه رحلة الهبوط، في الوقت الذي لا نزال نتوهم فيه أن مصادر الطاقة المتجددة، وهي لم تأخذ بعد نصيباً كافياً أو نسبة كبيرة من استهلاك الطاقة، تُهدد وجود الطاقة النفطية. ومهما وصلت إليه أسعار النفط من مستوى مرتفع، فلن يؤثر ذلك في كمية الاستهلاك ما دام أسعاره منافسة لأسعار البدائل المتجددة، مع الأخذ في الاعتبار إكمال بناء البنية التحتية للمصادر الجديدة، وهو مُهمة صعبة ومُكلفة. أما التهديدات غير المسؤولة التي عادة ما يُطلقها السياسيون لخدمة مصالح خاصة، خصوصا في زمن الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، من أنهم سيعملون على تقليص استيراد النفط (من منطقة الشرق الأوسط) عن طريق فتح مجال أوسع للتنقيب عن النفط في الأماكن التي كانت محظورة لأسباب بيئية، فهي مجرد كلام لا يسمن ولا يغني من جوع وتُستخدم عادة للاستهلاك المحلي. وحتى لو وجدوا كميات محدودة فإن إنتاجها سيكون مُكلفاً للغاية ويصل إلى السوق مُتأخراً، أي بعد نضوب كميات كبيرة من الاحتياطي العالمي المعروف اليوم.
ومهما يحدث من أمر مستقبل النفط وضخامة الاحتياطي لدينا، فإننا من الآن في حاجة ماسة ومُلحَّة إلى الدخول بقوة في مجال مصادر الطاقة المتجددة، التي أيسرها وأدومها وأنسبها لطبيعتنا وبيئتنا الطاقة الشمسية، بصرف النظر عن العمر المتبقي للمصادر النفطية.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*