حياة ما بعد النفط أصبحت أكثر واقعية يوماً بعد يوم

صحيفة القبس 3\11\2009

منذ ما يقارب 30 عاما مضت، أُنتج فيلم «ماد ماكس» الذي جلب الشهرة للمثل ميل غيبسون، وتنبع شهرة الفيلم من عرضه لقصة خيالية لعالم يخلو من النفط، وتقوم مجموعة من المشردين فيه بالبحث بضراوة حتى الموت عن الذهب الأسود في عالم يتحول إلى صحراء، فيما يحتفظ قلة قليلة بالبعض منه في مصاف بدائية وهو ما أدى بالتالي إلى تدمير النظام الاجتماعي.
بالطبع، فسنقول عنه انه كان فيلما خياليا عظيما؟ لكن بعد مرور ثلاث عقود على الفيلم ما زال كاتب المقال آشلي سيجر يتساءل إذا كان الفيلم يتنبأ بالمستقبل.
ويكفي العودة بالزمن إلى الصيف الماضي عندما ارتفعت أسعار النفط إلى مستوى 150 دولارا للبرميل الواحد أي 10 أضعاف سعره منذ 10 سنوات، وما تبع ذلك من أحداث حينما بدأ الناس في بعض محطات الوقود في أوروبا بالتهرب من الدفع، وتم منع السائقين من التزود بالوقود قبل دفع قيمته مسبقا.
وفي بريطانيا سرق بعض الأشخاص زيوت التدفئة من الخزانات الموجودة خارج المنازل في القرى.
ولنتخيل ماذا سيحدث إذا ارتفعت أسعار النفط على سبيل المثال إلى 300 دولار للبرميل أو أعلى؟! لن تكون وقتها قيادة السيارات باهظة الثمن فحسب، ولكن أسعار نقل الأغذية سترتفع أيضا بشكل كبير، وكذلك سترتفع أسعار نقل السلع الصينية، ولن يستطيع الكثيرون تملك منتجات مادة البلاستيك المشتقة من النفط.
وسيكون البرد قارصا للغاية في تركيا بعد أن تنعمت بالدفء لأكثر من قرن في ظل أسعار النفط الزهيدة، وستعاني الدول النامية بشكل خطير بسبب عدم مقدرتها على تحمل أسعار الطاقة الباهظة.
وبسبب دخول العالم في أسوأ ركود له منذ عقود وتراجع الانتاج الصناعي وحجم التجارة بشكل كبير وبالتالي الطلب على النفط، انخفضت اسعار النفط بشكل حاد منذ الصيف الماضي، لكن ما يدعو للحيرة هو أن سعر البرميل الذي انخفض في بداية العام لأقل من 40 دولارا ارتفع مرة أخرى إلى 81 دولارا الأسبوع الماضي، وهو الأعلى منذ بداية العام الحالي.
هناك عدة أسباب محتملة لذلك مثل استمرار انخفاض قيمة الدولار وتزايد عدد المضاربين الذين يعتقدون أن تعافي الاقتصاد سيرفع من أسعار النفط، أو يمكنك اللجوء دائما إلى نظرية العرض والطلب، فالطلب انخفض بشكل كبير ولكن الامدادات لم تعد كما كانت من قبل.
وبالفعل عندما ننظر إلى الرسوم البيانية الخاصة بأسعار النفط ونحذف منها فترة وصولها الى الذروة في العام الماضي إلى مستوى 150 دولاراً وانخفاضها الشديد إلى 35 دولاراً هذا العام، سنجد أن اسعار النفط في تزايد بمعدلات ثابتة منذ عدة عقود والسؤال هنا لماذا ترتفع اسعار النفط؟
صدر منذ فترة تقرير متميز باسم «دفن الرؤوس في الرمال» لمؤسسة «غلوبل ويتنس» يتحدث بعمق عما يحدث للامدادات النفطية التي كانت اول من نبه الى احتمال حدوث حروب بسبب الالماس.
واستغرق التقرير عامين لاصداره بناء على تحليل توقعات وكالة الطاقة العالمية التي تعترف فيها للمرة الاولى ان الامدادات النفطية بدأت في التضاؤل بالرغم من تزايد الطلب بوتيرة سريعة من دول مثل الهند والصين. واكدت الوكالة في السابق ان انتاج النفط لن يصل الى الذروة قبل حلول 2030 على اقرب التوقعات، والآن ترى اننا اصبحنا اقرب الى هذه النقطة. واظهرت احصائيات الوكالة امكانية حدوث فجوة بين الطلب والعرض في عام 2015 تصل الى 7 ملايين برميل يوميا، وهذا يمثل ما نسبته 8 في المائة من الطلب العالمي المتوقع حينها (91 مليون برميل يوميا).
وحذر تقرير «غلوبل ويتنس» من نمو الفجوة بسبب ارتفاع الطلب في ظل استقرار الامدادات العالمية في الفترة من 2005 – 2008، فما المصدر الجديد للنفط الذي سيغطي الفجوة؟!
وركز التقرير على مسألة حاجة العالم الى انفاق 450 مليار دولار سنويا من اجل البحث عن حقول نفطية جديدة يحتمل ان يكون فيها مخزون.
ويرى التقرير انه يجب على الحكومات الاعتراف بانها تجاهلت هذه المشكلة وعدم امتلاكها لخطط بديلة.

انخفاض الانتاج
وهناك دول بحاجة بالتأكيد الى اكتشافات جديدة، فعلى سبيل المثال انخفض انتاج بريطانيا الى النصف خلال العقد الماضي، وتتوقع وكالة الطاقة العالمية ان ينخفض الانتاج من كل الحقول المنتجة حاليا بهذا القدر نفسه ابتداء من الآن وحتى 2020.
وتحذر الوكالة من ان العالم بحاجة الى الحصول على 64 مليون برميل اضافي بحلول 2030، وذلك يعادل 6 اضعاف انتاج السعودية الحالي، وهو ما يصعب تحقيقه بالنظر الى الاكتشافات النفطية الحديثة التي وصلت ذروتها في عام 1965. ثم استطاع الانتاج العالمي في 1984 تخطي مستوى انتاج الاكتشافات الجديدة.
ويوضح تقرير «غلوبل ويتنس» ان هناك اربع قضايا اساسية في صناعة النفط اصبحت جلية منذ عقد مضى على الاقل، انخفاض الانتاج، وتضاؤل الاكتشافات الجديدة وزيادة الطلب، وعدم وجود مشروعات كافية مطروحة للتنفيذ.
صحيفة الغارديان.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*