أدعو الله أن يطيل عمر البترول

د. سليمان بن عبد الله المهنا أبا الخيل
صحيفة الاقتصادية 12\7\2010

“الله يطيل عمر البترول” لا أفهمها بالعفوية والبساطة التي تلقاها الكثير عندما سمعها شعب المملكة عبر شاشات التلفاز والفضائيات من خادم الحرمين الشريفين في لقائه للطلبة السعوديين. ولا أحسبها كلمة عابرة نتبسم ونسر لوهلة عند سماعها من شخصية متواضعة قريبة من القلب وتذهب أو يطويها النسيان، بل هي رسالة “mission” فيها العمق الاقتصادي وبعد الرؤية السياسية والاستراتيجية البارعة والذكية في المحافظة على مكتسبات الدولة والشعب السعودي بل العالم بأسره، واستثمار المخزون النفطي الاستثمار الأمثل، إضافة إلى الإشارة إلى التوجيه للتحول والتغيير إلى الأفضل – بإذن الله -، والتفكير في البيئة والحلول المستدامة بشكل أكثر جدية وحزم من ذي قبل. فلقد مل العالم هذا الاستنزاف الجائر للنفط واستخدامه بطريقة أقرب للفوضى وبدون نظر للمستقبل، وحفظ للثروة التي حبانا الله بها، وزيادة أثر ذلك في البيئة وتلوثها وتبعات ذلك من آثار التغير المناخي السريع وزيادة الآثار والأحداث الصحية السلبية العالمية.
كما أني لا أفهم قول خادم الحرمين الشريفين – حفظه الله – “أوقفوا التنقيب عن البترول” بالعزم الفعلي على وقف زيادة المخزون الاستراتيجي للمملكة، والذي – بحمد الله – يعد مخزوناً استراتيجياً للعالم بأسره، ومنطلق قوة عالمية تحتفظ المملكة بها عن غيرها من الدول. بل هي رسالة أخرى للفت النظر والتوجيه المناسب في وقته المناسب إلى الاهتمام بمصادر الطاقة البديلة المستدامة أو كما يطلق عليها بـ “الخضراء”، وعدم التعلق بالنفط كمصدر للطاقة واستثمار البترول في إنتاج البتروكيماويات والبلاستيك والمنتجات التي يمكن تدويرها وإعادة الاستفادة منها ليمتد نفعها إلى الأجيال القادمة.
هذه الرسائل الرائعة في أسلوبها ومضمونها والتي سبقها عدد من الرسائل المماثلة للتغيير والتجديد الموجهة للمجتمع، والتي تجسد عمق وبعد نظر القيادة وتعد سابقة وأسلوبا حضاريا تميزت به هذه المرحلة من تاريخ المملكة، وهذا ما ننتظره ونتوقعه دائماً من قائد فذ كالملك عبد الله – حفظه الله. لم تكن تلك المقدمة المهمة والقصيرة إلا حجر زاوية آثرت أن أضعه أمام القارئ الكريم كي أثري هذه المناسبة، وأوضح ملامح هذه الرسائل وعمق معانيها وبعد مقاصدها، وأثر ذلك علينا كبلد منتج رئيس للنفط ومنتجاته البتروكيماوية، والتي يعتمد الدخل القومي عليه بشكل رئيس، ويعد المحرك الأساس للتنمية الداخلية، وفي الوقت ذاته ممد للعالم بالطاقة والوقود كما هي رؤية ورسالة “أرامكو السعودية”.

ذروة المخزون النفطي Peak Oil
إن كمية النفط الموجودة على هذه البسيطة لا شك أنها محدودة، وبهذا يمكننا القول والجزم بأن النفط سائر إلى النضوب لا محالة, وهذا أمر مستقر ويقين يعرفه ويقره المختصون وعلماء البترول بلا استثناء. ولكي نقرب للقارئ الكريم الصورة فإن المخزون العالمي يتأثر بالزيادة أو النقص ليس لوجود مصدر إمداد طبيعي كالماء مثلاً والذي له دورة سريعة نسبياً يتأثر بها مخزون الماء الجوفي السطحي في منطقة ما, طبعاً إذا افترضنا أن لمخزون الماء الجوفي مدد وتأثر مباشر بمصادر وحركة المياه الخارجية, والصحيح أن المخزون العالمي للنفط يتأثر بزيادة الاكتشافات فقط، لأن الدورة الزمنية التي يتكون فيها البترول كبيرة وليس بالإمكان ملاحظة زيادة المخزون الناتجة عن تكون النفط في أعماق الأرض بمقاييسنا الزمنية القصيرة، وعليه فنحن نعمل جاهدين لزيادة هذا المخزون بزيادة استكشافات النفط الموجود والمحدود، وهذا ما أشار إليه خادم الحرمين الشريفين في رسالته “أوقفوا التنقيب عن البترول”. وذلك كناية عن اليأس المؤقت في البحث عن كميات نفط تجعلنا نستكين ونركن إليها فلا نبحث في المصادر الأخرى للطاقة والأكثر ملائمة لهذه المرحلة.
اصطلح علماء البترول على نموذج يصف هذا التغير في المخزون وسمي Peak Oil وهذا المصطلح يمثل بالمنحنى الطبيعي شكل الجرس (الشكل 1) Bell Curve ويمثل هذا المنحنى ثلاث مراحل أساسية، المرحلة الأولى هي الزيادة المطردة والتي تعني أن الاستكشاف أكبر من الإنتاج، والمرحلة الثانية وهي رأس الجرس وتعني التوازن بين المستكشف والمنتج، أما المرحلة الأخيرة فهي مرحلة النضوب وهي أن المنتج أكبر من المستكشف. حيث قام الباحث والخبير الاقتصادي كنج هوبرت Hubbert’s M. King بالتنبؤ بنضوب النفط في الولايات المتحدة الأمريكية بعد عام 1970، وفعلاً تحقق ذلك في أزمة الطاقة العالمية الأولى (الشكل 2).
وهناك دراسة أخرى شملت الدول المنتجة غير دول “أوبك” اتضح أن رأس الجرس لمنحنى الإنتاج سيكون في عام 1990 والذي سيعقبه مرحلة النضوب وقلة إنتاج النفط (الشكل 3). أما بخصوص دول “أوبك” فهناك عدد من التكهنات غير المستندة لمعلومات دقيقة والتي في معظمها غير متفائلة، ولكن الجميع مجمع على أن نضوب النفط العالمي معتمد بشكل رئيس على المعلومات والمخزون النفطي السعودي, ولن أتطرق لمناقشة وتحديد عام محدد، بل المؤكد أن هذا لن يكون بعيداً خصوصاً إذا استمر الحال كما هو وفي ظل التزام المملكة بسقف الإنتاج الكبير الحالي.
ما زال النفط يشكل المصدر الرئيس للطاقة عالمياً، وربما لسوء الحظ أو لحسنه لا نعلم، لا يوجد بديل منافس في ظل الأسعار المتواضعة الحالية، وهنا قد نقول إننا محظوظون في كون العالم لا يستغني عن ثرواتنا النفطية لتوليد الطاقة أو استخدامات النقل، كما يمكن القول بأننا غير محظوظين ونخسر الفرص أكثر في هذه الحالة لأن العالم يشتري ثرواتنا بأسعار زهيدة وبكميات كبيرة، مقابل استخدامها استخدامات غير مهمة أو غير ضرورية، والتي من الممكن استخدام بديل عنها وحفظها لإنتاج منتجات استهلاكية أعلى قيمة، وهنا نسهم بزيادة قيمة المخزون النفطي الذي لدينا وقيمته المضافة.
وسيستمر الوضع على ما هو عليه وخاصة في ظل النمو المذهل لبلدان مثل الصين والهند وغيرهما، وذلك حسب تقارير وكالة الطاقة الدولية الخاص بتوزيع مصادر الطاقة ونسبة مشاركة النفط كوقود عالمي مع المصادر الأخرى، مثل الوقود النووي وبدائل الطاقة المتجددة والذي يفيد بأن مشاركة النفط والغاز كوقود لن تتغير على المدى القريب. ويعزى السبب إلى الصعوبات المستمرة التي تواجه عمليات تطوير مصادر الطاقة البديلة، إضافة إلى بطء الانتقال من مرحلة الاقتصاد المبنى على الطاقة النفطية، إلى مرحلة جديدة تحل فيها الطاقة البديلة محل النفط وحساسية ذلك الانتقال في اعتماد الصناعة وجوانب الحياة الإنتاجية والخدمية التي تتطلب مصادر إمداد آمنة ومستمرة للطاقة. كما أن من أهم الصعوبات هو رخص وتعدد أشكال المنتجات النفطية مقارنة مع مصادر الطاقة الأخرى، مؤكدة أن العالم سيبقى معتمداً على النفط كمصدر للطاقة بشكل أساسي في المستقبل المنظور.
إذاً وفي هذا الوضع فإن إطالة عمر البترول ليس أمراً سهلاً، بل معادلة صعبة يبدأ تحقيقها برفع الوعي العالمي للإحساس بقيمة هذه الثروة الناضبة أولاً، والتحول إلى بدائل أخرى عن النفط في استخدامات الطاقة والمواصلات, وهنا تأتي أهمية رسالة خادم الحرمين في التوقف عن الاستكشاف، بل وبالوعي العالمي لأهمية هذا الخام كما ألمح إليه الملك عبد الله، حيث إن زيادة المخزون العالمي لا يعني شيئا بل مزيداً من الهدر لهذه الخام المهم الحيوي، وزيادة الاتكالية عليه، في حين أهمية البحث عن بدائل خاصة بإنتاج الطاقة والمواصلات.

الإنتاج وإدارة المخزون
قد تكون حقبة الإنتاج النفطي بصورته البسيطة قد انتهت وربما منذ زمن، وبدأ تناقص معدلات الإنتاج من بعض الحقول العملاقة على مستوى العالم، وأصبح ظاهرة وصار التحدي يكمن في حل مشكلات الإنتاج وصعوبته، وعليه زادت أهمية إدارة المكامن النفطية لتعزيز المردود النفطي من الاحتياطي الجيولوجي للمكامن إلى أكبر حد ممكن، والعمل على زيادة المؤشرات الإنتاجية للمكمن النفطي.
قد يكلف برميل النفط قيمة برميل آخر لإخراجه، هذه مقولة أكيدة في بعض حقول النفط العالمية، وربما تكون تكاليف الإنتاج أقل أو أكثر، وهذا بالطبع يرجع لعوامل كثيرة جداً. أما بخصوص تكاليف الإنتاج الحالية في المملكة فهي أقل من هذا بكثير وأرجو ألا نصل لهذه المرحلة في وقت قريب, ولكن هذا ليس محل بحث واهتمام في معرض الحديث عن رسالة خادم الحرمين الشريفين والدعوة إلى إطالة عمر البترول, ولعل من أهم الأمور التي يعرفها المختصون في الإنتاج وإدارة المخزون أو إدارة المكامن النفطية أن الإنتاج الجائر “السريع” يسبب قصر عمر المكمن، ويعرضه لضعف الإنتاج، بل إن الطرق السريعة لإنتاج النفط تقلل من نسبة الاستفادة من محتوى النفط الجيولوجي الموجود في المكمن، وقد يصبح من المستحيل استمرار الإنتاج لأسباب سوء إدارة الإنتاج. وهنا لا بد من التخطيط طويل الأمد واستخدام التقنية المناسبة لزيادة الإنتاج وتحسينه ورفع مردود الطبقات المنتجة ومعرفة آلية عمل وسلوك المكامن وخصائصها الفيزيائية والجيولوجية ومواصفات النفط الفيزيائية والكيميائية وحركة السوائل في الوسط المسامي، وآليات الدفع التي بموجبها يتم إنتاج النفط وتتبع تاريخ أداء المكمن النفطي وماضيه لتوقع مستقبل أدائه وتحسين إنتاجيته. كما أن من الأهمية بمكان تحديد شبكة الآبار المثلى الكفيلة بشمول كامل مساحة الحقل وزيادة كفاءته. وعند الحاجة يمكن استخدام طرق الإنتاج المعزز المتقدمة Enhanced Oil Recovery أو طرق أخرى مناسبة لظروف المكمن.
وفي معرض حديثنا عن رسالة خادم الحرمين الشريفين فإن هذه الرسالة قد تكون موجهة بأكثر خصوصية للشركات المنتجة للنفط كشركة أرامكو السعودية. وتعد شركة أرامكو السعودية من أكبر الشركات الواعية التي تولي هذا الأمر جل اهتمامها، ولكن تكمن المشكلة في ظروف الإنتاج والتزام المملكة بسقف إنتاج يضمن معادلة العرض والطلب، ويضمن القيمة المناسبة للبترول في السوق النفطية العالمية.
وفي الختام أرى أنه من الأهمية بمكان تأسيس معهد دراسات اقتصادية بترولية يهتم بنشر رسالة خادم الحرمين الشريفين إلى العالم، والمساهمة في توعية الشعوب بأهمية هذا الخام الناضب وضرورة تحول العالم إلى مصادر أخرى للطاقة والمواصلات غير النفط. إن المستفيد من تحقق هدف تلك الرسالة ليس محدوداً بالشعب السعودي فقط بل العالم بأسرة وخاصة الأجيال القادمة، والتي من حقها علينا أن نبقي شيئا لهم ولا نبالغ في الإسراف وتبذير تلك الثروة. كما أن على وسائل الإعلام الأخذ بزمام المبادرة ونشر رؤية ورسالة خادم الحرمين الشريفين إلى العالم.

كاتب واستشاري هندسي

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*