هل بدأ العالم يفيق من غفوته؟

عثمان الخويطر
الاقتصادية 23\5\2010

المُتتبع لتطورات مستقبل الطاقة النفطية خلال السنوات القليلة الماضية قد يلحظ التغير السريع الذي طرأ على نظرة المختصين بأمور الطاقة والمتابعين لها حول حقيقة مدى دوام المستوى الحالي للإنتاج لضمان عدم حدوث نقص في الإمداد مع الاستمرار في زيادة الطلب المتنامي على مصادر الطاقة. وكنا في الماضي القريب نسمع تصريحات من هيئات ومؤسسات دولية ونقرأ الكثير من التقارير التي يُحاول أصحابها أن يوهموا مجتمعاتهم بألا يقلقوا من قرب بدء نضوب مصادر النفط، وذلك لأسباب معظمها سياسية وليست علمية. ومثل تلك الادعاءات التي لا تستند إلى معلومات صحيحة ودقيقة ومُوثقة تُسبب ضرراً فادحاً لمستقبل مصادر الطاقة ولدرجة الاستعداد لعصر ما بعد النفط. ونحن نعلم أن لا أحد من السياسيين، وخصوصاً في الدول الغربية، يود التحدث عن المصير القاسي الذي ينتظر العالم عند ما لا يكون هناك قدر كافٍ من الطاقة يُلبِّي مُتطلبات النمو الاقتصادي والمعيشي للشعوب كافة.
ولأول مرة في عصر النفط تعترف الولايات المتحدة بأن هناك احتمال حدوث نقص في الإمدادات النفطية خلال السنوات القليلة المقبلة ابتداء من عام 2011م، وهو أمر خطير إذا علمنا أنه من شبه المستحيل أن تجد الدول المستهلكة في غضون وقت قصير من مصادر الطاقة المتجددة ما يُعوِّض أي قصور ناتج عن الانخفاض المُتوقع في إنتاج النفط في ظل الانتعاش الاقتصادي وزيادة الطلب على الطاقة. فقد أدلى بهذا التصريح المفاجئ جْلِنْ سويتنام، وهو الخبير المسؤول عن السوق النفطية في إدارة باراك أوباما، أثناء مقابلة صحافية معه، مما يعني أن على الحكومة الأمريكية والشعب الأمريكي أن يجدا حلاًّ سريعاً قبل وقوع أزمة في مصادر الطاقة النفطية، وهي على الأبواب حسب تقديراتهم وتوقعاتهم. ولكن ما سيُثير الدهشة لدي الكثيرين هو أن هذا الرجل، الذي كان أيضاً مسؤولاً عن شؤون الطاقة في حكومة جورج بوش السابقة، كان قد صرح في عام 2008م بأن كميات إنتاج السوائل النفطية ستستمر في الارتفاع حتى بلوغ الذروة في عام 2030م، ومن ثم تُحافظ على مستواها حتى عام 2090م، أي لمدة 60 عاماً، وهو كلام أقل ما يُوصف به أنه بعيد كل البعد عن الواقع وعن المنطق السليم. ولا نعلم من أين أتى الرجل بتلك المعلومة ومن أي مصدر استقى أرقامه التي بنى عليها رؤيته السابقة؟ وكيف استطاع تمريرها، سواء كان هناك منْ صدَّق كلامه أم لم يُصدقه أحد؟ كما هو مُوضح في الرابط الآتي:
http://petrole.blog.lemonde.fr/2010/03/25/washington-considers-a-decline-of-world-oil-production-as-of-2011/.
ويا سبحان الله، هذا التغيُّر الكبير في تقييم سويتنام لمستقبل الإنتاج النفطي في غضون عامين من عمر الزمن الذي لا يستند إلى أي معلومات جديدة، يؤكد أن أفكاره وتنبؤاته السابقة كانت مُسيَّسة أكثر من كونها تعكس موقفاً مُحايداً. وهل كان القصد من إعطاء معلومات مغلوطة خلال حكم المحافظين آنذاك ربما لخدمة مصالح شخصية أو دعايات انتخابية؟ وكم من مؤسسة وهيئة حكومية، داخل الولايات المتحدة وخارجها، بنت خطط مستقبلها واستراتيجياتها على أساس تلك التنبُّؤات المُضللة. وفي ظل حكومة باراك أوباما التي تنتهج سياسة أكثر انفتاحاً ومعاملات أكثر شفافية، عاد ْجلنْ سويتنام إلى قول الحقيقة وبين بكل وضوح أن العالم يقترب من وصول ذروة إنتاج النفط وذلك في حدود مدة لا تتجاوز بضع سنوات. وبعد زمن قصير، وليس 60 عاماً كما ذكر في تقريره عام 2008م، سيتناقص الإنتاج العالمي، وتزداد بطبيعة الحال الفجوة بين الإمداد والطلب، مما يُحتم وجود بدائل جديدة لمصادر الطاقة قبل أن يُصاب المجتمع الدولي بالهلع. ومما يؤيد ما ذكره سويتنام، ما توصلت إليه وكالة الطاقة الدولية في تقرير لها صدر العام الماضي، وهو عضو فيها، يُشير إلى احتمال حدوث انخفاض كبير في إمدادات سوائل الوقود ابتداء من نهاية عام 2012م http://www.eia.doe.gov/conference/2009/session3/Sweetnam.pdf، إن لدى العالم اليوم وغداً ما يكفي من مؤشرات الأزمات المالية والنقدية التي تُلوِّح بحدوث كوارث اقتصادية مُخيفة يصعب التغلب عليها والانفكاك منها في وقت قد يتعرض خلاله لشحٍّ في إمدادات الطاقة النفطية الرخيصة التي بنى عليها الحضارة الحديثة واكتسب منها الرفاهية التي يعيشها اليوم. ونحن نُشاهد في الوقت الحاضر تحرُّكات إيجابية ولكنها بطيئة من قِبل المستهلكين والمنتجين الرئيسين لم نكن إلى عهد قريب نسمع عنها، وذلك من أجل العمل على بناء مرافق توليد الطاقة البديلة التي سيستغرق تنفيذها سنوات طويلة حتى تكون جاهزة لتدخل حيز التنفيذ. ومن المحتمل ألا تكون المرافق الجديدة مُتكاملة وكافية في المراحل الأولى لتغطية النقص المُتوقع في إمدادات المشتقات النفطية قبل حلوله، وهو ما نخشى حدوثه. ونود أن نؤكِّد أن إيجاد بدائل مُتجددة لمصادر الطاقة من الممكن استخدامها إلى جانب مصادر الطاقة النفطية، وعلى وجه الخصوص، لتوليد الطاقة الكهربائية وتحلية المياه المالحة، هو لصالح الدول المنتجة للنفط قبل مصالح المستهلكين، لأننا كمنتجين نريد أن يمتد عمر ثروتنا النفطية إلى أطول فترة ممكنة حتى نكون قد وصلنا إلى الاكتفاء الذاتي من مصادر الطاقة البديلة. ومهما كانت مصادر الطاقة المتجددة ومدى توافرها وبأي ثمن تكون تكلفتها فلن تستطيع أن تؤدي جميع خصائص المشتقات النفطية الفريدة التي تكيَّف العالم مع استخداماتها المتنوعة والتي أصبح لا غنى لنا عنها. وهذا أيضا من الدوافع المهمة التي تجعلنا نحُثّ العالم على توفير المصادر النفطية من أجل بقائها لقرون وليس لعقود من الزمن لاستمرار استخدامها كمواد أولية في المصانع البتروكيماوية التي تُمدنا بمنتجات أصبحت جزءا لا يتجزأ من الحياة البشرية.
ومن اليوم، ولاحقاً، ستشهد سوق ساحة مصادر الطاقة تنافساً محموماً بين الدول لمحاولة كسب الوقت قبل أن يحل الزمن الذي لا يجدون فيه ما يُغطي احتياجاتهم من الطاقة، وهو أمر حتمي سواء كان ذلك على الأبواب أو بعد فترة وجيزة قد لا تمهلهم كثيراً. وسيحاول كل فريق الحصول على مصادر الطاقة التي يرى أنها مناسبة لظروفه وبيئته ومقدرته العلمية والتقنية. فنحن في منطقة الخليج ليس أنسب لنا من استمطار الطاقة الشمسية المتوافرة في بلادنا، ولسهولة وسرعة بناء مرافقها ومقدرتنا على تشغيلها وصيانتها. وهناك منْ سيلجأون إلى بناء المزيد من المرافق النووية على الرغم من تعقيداتها وخطورتها وضبابية الحصول على وقودها بسهولة خلال عمرها الافتراضي، يُساعدهم على ذلك خبراتهم وتَمكُّنهم من تقنياتها، إلى جانب مصادر الطاقة الأخرى الثانوية مثل طاقة حركة الرياح والسوائل البيولوجية التي تعتمد على الإنتاج الزراعي، الذي لا أحد يود التوسع فيه نظراً لتأثيره السلبي في المصادر الغذائية.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*