ماذا بعد عصر الهايدروكاربون؟

ماذا بعد عصر الهايدروكاربون؟
فهد آل ثاني (2004)

في مقولة مشهورة للشيخ أحمد زكي يماني ، بأن العصر الحجري أنتهى من دون أن تنتهي الحجارة ، وعصر النفط سينتهي من دون أن ينتهي النفط .
وفي كتابنا للجغرافيا السياسية قلنا بأن عصر النفط لن ينتهي فجأة ، وإنما يحتاج إلى ثورة كاملة في تغيير وسائل الإنتاج ، وذلك لن يحدث قبل عام 2050م .
وفي مقالة منشورة حديثاً لباتريك سيل تعزز ما قلناه ، وهو يقول : ” كيف ستكون صورة العالم بعد أربعين أو خمسين عاماً من الآن ، بعد أن ينزل النفط عن عرشه “( الحياة العدد 14442 ) 0
ويرى باتريك سيل بأن النفط العربي يواجه اليوم ثلاثة تهديدات :
1- الاستقلال السياسي للعرب مهدد بما لا يمكن تسميته بأقل من الأمبريالية الجديدة .
ونرى بأن الدول العربية فعلاً أصبحت مستعمرات أمريكية ، ولكن من نموذج استعماري أمبريالي ، يتواكب مع مفهوم العصر ، وذلك من خلال السيطرة على التالي: (أ) النفط ينتج في العالم العربي وكمية تصديره وأسعاره تحدد من أمريكا (ب) التواجد العسكري الأمريكي المباشر على الأراضي العربية ، والسيطرة الأمريكية الكاملة على المجال السيادي الجغرافي للدول العربية  (جـ) التدخل الأمريكي المباشر في تنصيب وخلع رؤساء الدول العربية ، ومن رفض ذلك بقي هو ودولته وشعبه تحت الحصار المذل .
2- ويرى سيل ، محاولة منتجي النفط في روسيا ، وبحر قزوين ، وغرب أفريقيا ،   وأمريكا اللاتينية . وذلك لإسقاط التحكم العربي بامدادات النفط .
ونحن نرى بأن هذه المحاولة فشلت بالفعل لأن مازال الوطن العربي يسيطر على 60% من احتياطيات النفط العالمي ، وكذلك مازال الوطن العربي يسيطر على 45% من السوق العالمية للنفط 0 ونضيف إلى ذلك بأن الوطن العربي يسيطر على 22% من احتياطيات الغاز الطبيعي (آل ثاني ، العالم الإسلامي ص 128 ).
لكن السؤال الذي يطرح نفسه إذا كانت الولايات المتحدة تسيطر على نفط وحكومات الشرق الأوسط ، ولكنها لم ولن تستطع أن تسيطر على شعوب الشرق الأوسط ، والملاحظة الغريبة بأن كلما تقترب أمريكا طردياً من حكام الوطن العربي ، كلما ينعكس ذلك سلبياً في العلاقة ما بين أمريكا والشعوب العربية  .
إذاً هذه القضية تمثل حلم مزعج بالنسبة لأمريكا ، فسيطرتها المكانية والسياسية والاقتصادية على الشرق الأوسط ظاهرياً ، تمثل سيطرة مطلقة ، ولكن باطنياً تمثل سيطرة هزيلة ، لأن الــ 300 مليون نسمة المكممة أفواههم في الوطن العربي ، يمثلون بركان هادئ ولكنه نشط ، وخاصةً إذا علمنا بأن معدل الزيادة الطبيعية في العالم العربي ، تعتبر من أعلى المعدلات العالمية ، وهي 5ر3% سنوياً ، وذلك يعني بأن سكان العالم العربي سيتضاعف في فترة أقل من 25 سنة ، أي في عام 2025م سيصبح سكان العالم العربي 600 مليون نسمة تقريباً  .
ولذلك فأمريكا وحلفاؤها يسعون سعياً حثيثاً بسبب الرعب السكاني الجارف في العالم العربي ، إلى إيجاد البدائل من خلال محورين :
أ – ايجاد الهايدروكاربون في مناطق خارج العالم العربي ، وأن أصاب ذلك الكثير   من المخططين الأجانب شيء من الاكتئاب لإيجاد هذه البدائل .
ب – المحاولة لايجاد مصادر بديلة عن طاقة الهايدروكاربون . وهذا يمثل التهديد   الثالث كما يقول سيل : ” يلوح في الأفق حالياً إمكان إيجاد مصدر لا ينضب  للطاقة المتجددة المستخرجة من الأكسجين الذي سيتسبب باحتضار النفط   البطئ”.
ومن هنا أتفق مع سيل بأن بالفعل الدول الصناعية بدأت تحقق نتائج طيبة في بدائل الهايدروكاربون ، ومن هنا اقتبس هذه العبارة مباشرةً من سيل وهي : ” أن الهيدروجين يمثل التهديد الأكثر خطورة على النفط ” 0 ولم يعد سراً أن الشركات الصناعية الأوربية والمعاهد العلمية المتخصصة ، تنفق أموالاً طائلة على الأبحاث الخاصة بالبدائل 0 وقرر الأتحاد الأوربي أن يكون من أهدافه المرحلية الملحة توفير 22% من الطاقة اللازمة لتوليد الكهرباء عام 2010م ، و 12% من الاحتياجات الأخرى من مصادر غير نفطية .
وانتجت جنرال موتورز سيارة ثورية تعمل على الهيدروجين ، يؤكد جيريمي ديفكين رئيس مؤسسة الاتجاهات الاقتصادية ومقرها واشنطن ” أنها ستكون النهاية للمحركات التي تعتمد على المحروقات ” ، وأخيراً يقول رينكن : ” بأن سينتقل العالم من حضارة تعتمد على النفط إلى حضارة تعتمد على الهيدروجين ” .
وفي مجموعة دراسات سابقة بالنسبة لنا ومنها : كتاب الجغرافيا السياسية ، ودراسة قراءة في الهايدروكاربون نشر ملخص لها في الراية في مطلع عام 2002م ، وستنشر بالتفصيل قريباً إنشاء اللّه في مجلة المستقبل العربي .
وركزنا خلال الدراسات المذكورة على الهايدروكاربون ، وعلى بدائله ، وذكرنا ذلك بالنسب التي أصبحت مصادر الوقود الأخرى تسحبها من الهايدروكاربون ، والبدائل منها :
1- الهيدروجين .
2- الطاقة الشمسية .
3- طاقة البخار المضغوط .
4- المولدات على السدود المائية .
5- طاقة الرياح .
6- الأمواج البحرية .
ونختم هنا الآن قائلين إلى من يهمه الأمر ، بأن التنمية موجهة إلى الاستهلاك في القطاعات الاقتصادية الثلاثة : الأولية والثانوية والخدمية 0 وساعد ذلك وجود الاقتصاد الريعي ، وخاصة في الدول النفطية النامية . ولكن أثناء هذا السبات العظيم لابد لنا من إثارة قضية مهمة ومرعبة  ؛ ماذا بعد انتهاء عصر الهايدروكاربون سواءً بالنضوب ، أو وجود طاقة بديلة ؟ 0.
ما هي الآلية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي سيعتمد عليها الاقتصاد العربي في مواجهة 600 مليون نسمة تقريباً ، بعد عام 2025م ؟  .
وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

المصدر: http://www.fahdalthani.com/Article.asp?ArticleID=44

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*