حروب المستقبل تقتات من نضوب النفط وشح المياه

حروب المستقبل تقتات من نضوب النفط وشح المياه
بقلم المحامي ميشال فلاّح
موقع نفوذ 15 يناير 2010

في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2005 صرح عضو مجلس النواب الأميركي والمرشح السابق إلى منصب نائب الرئيس جوزيف ليبرمان، معلقاً على محاولة الشركة الوطنية الصينية شراءَ إحدى شركات النفط الأميركية الكبيرة: “نحن والصين أمتان تتبعان السياسات نفسها لشراء الشركات النفطية العالمية لضمان حاجاتنا… إذا استمرت الحال على ما هي عليه من تنافس مع الصين، فذلك قد يؤدي إلى صراع عسكري حقيقي، وليس فقط صراعاً اقتصادياً”.
تصريح ليبرمان هو أول حديث أميركي علني يصدر عن شخصية سياسية مهمة، ويهدد الصين بأن أمريكا قد تستخدم قوتها العسكرية في الصراع الدائر بين الدولتين، وذلك للسيطرة على مُلكية الشركات النفطية الكبرى لضمان الحاجة المستقبلية من النفط. مثل هذا الحديث النادر الصدور عن أي رئيس أمريكي، يسلط الضوء على أحد أهم تداعيات مشكلة نضوب النفط. لكن، ما هي علاقة موضوع الصراعات الدولية والحرب، مع موضوعي النفط ومستقبل الحياة الحضرية؟
حقيقة الأمر، أن النفط هو أحد الأسباب الرئيسية للصراعات الدولية، والمدن هي المستهلك الأكبر للنفط، وخصوصاً المدن الاميركية التي تعتمد اعتماداً كلياً على النفط. وهنا يتضح الارتباط بين المواضيع الثلاثة. ثمة ندرة في المعلومات والدراسات في اللغة العربية، التي تخص هذا الموضوع الهام، برغم أن الأدبيات الغربية المستقلة والجادة تعتبر أن علاقة نضوب النفط والحروب، وبالخصوص في الشرق الأوسط، بمثابة أمر مفروغ منه، ولا تحتاج إلى أي أدلة أو نقاش. والواقع أنه منذ بداية هذا القرن الجديد، شكل النفط القاسم المشترك لمعظم الصراعات والحروب، ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل في مناطق مختلفة من العالم.
كذلك الأمر بالنسبة إلى الغاز الطبيعي، فقد يصبح سبباً آخر للصراعات الدولية برغم أن إنتاجه واستخداماته أقل اتساعاً وأهمية من النفط. تعتمد أمريكا بشكل متزايد على إنتاج الغاز الكندي الذي بدأ ينخفض، وقد يشكل سبباً للخلاف بين الولايات المتحدة وكندا برغم أن ذلك لا يبدو محتملاً الآن. وتعتمد دول أوروبا الغربية بشكل متزايد على الغاز الروسي. وفي بداية العام 2006، قطعت روسيا الغاز لعدة أيام عن أوكرانيا التي تعتمد بدورها على الغاز الروسي، وذلك إثر خلاف حول السعر الذي تدفعه أوكرانيا ثمناً للغاز. وهذا القطع يمكن أن يمثل إنذاراً خطراً للدول الأوروبية. هل يستطيع الأوروبيون الاستمتاع بالدفء الذي يوفره الغاز لبيوتهم، وهم يعلمون أن روسيا يمكنها أن تمنع تدفقه إلى بلادهم في أي لحظة؟ وما هي خياراتهم؟ هذا هو السبب الذي يدفع أوروبا إلى الاتجاه نحو استيراد الغاز الطبيعي المسيّل من الشرق الأوسط عن طريق البواخر برغم أن هذا الغاز سيكون أغلى ثمناً من الغاز الروسي الذي يصل مباشرة بشكله الغازي عن طريق الأنابيب.

الطاقة الرخيصة
مكّنت الطاقةُ الرخيصة، الحروبَ من أن تكون أعنف وأشد وأكثر قدرة على القتل. وقد تسببت الحرب العالمية الثانية في مقتل ما لا يقل عن خمسة وخمسين مليون إنسان، معظمهم مدنيون. المعارك الكبرى التي تتحدث عنها كتب التاريخ القديم، لم تكن حساباتها تتعدى المئات من القتلى في معظمها، وبضعة آلاف في أكبرها، وغالبيتهم من المقاتلين. بينما أنتجت المصانع الأمريكية التي جُندت للإنتاج الحربي خلال الحرب العالمية الثانية، أكثرمن 250 ألف طائرة حربية، عدا الملايين من معدات الحرب والعربات والأسلحة المختلفة، هذا عدا الإنتاج الحربي البريطاني والروسي والألماني. ومثل هذا الإنتاج يحتاج إلى طاقات هائلة لم تكن ممكنة بغير وفرة الطاقة الرخيصة المتمثلة في النفط والغاز الطبيعي.
وفي العودة إلى الحرب العالمية الثانية، فإن أحد أسباب هزيمة ألمانيا فيها وانتهاء هذه الحرب على النحو الذي انتهت إليه، هو العجز في الطاقة النفطية، إذ حاولت السيطرة على منابع النفط في القوقاز لتعويض ذلك العجز، لكن لم تفلح. وفي الأعوام الأخيرة من الحرب، اضطرت ألمانيا إلى إنتاج الوقود السائل لتشغيل العربات، وذلك من خلال عملية تسييل الفحم الحجري، وهي عملية معقدة وتحتاج إلى كميات كبيرة من الفحم لإنتاج كميات متواضعة من الوقود السائل.
ولتوضيح أهمية ازدياد وفرة الطاقة الرخيصة على الجهد الحربي، يشير زيمك Ziemke إلى أن أكبر معركة بالدبابات خلال الحرب العالمية الأولى، كانت في اليوم الثامن من آب/أغسطس عام 1918، إذا اشترك فيها بحدود 600 دبابة من الجانبين. في المقابل، استخدم الاتحاد السوفياتي فقط خلال الهجوم على برلين في نيسان/أبريل عام 1945، ما يزيد على 8000 دبابة، مدعومة بأكثر من عشرة آلاف طائرة حربية وخمسين ألف مربض مدفعية ثقيل.
ويتحدث سمل Smil عن ازدياد معدل القتل في الحروب مع ازدياد وفرة الطاقة الرخيصة، إذ يشير إلى أن ذلك يمكن أن يوضح نسبة مجموع عدد القتلى من المحاربين والمدنيين لكل ألف محارب يشارك في الحرب. حتى في أعنف الحروب، لم تكن هذه النسبة تزيد على 200 قتيل لكل ألف محارب في القرون الماضية قبل وفرة الطاقة الرخيصة في القرن العشرين. وفي الحرب العالمية الأولى، ارتفعت هذه النسبة إلى 1500 قتيل من المدنيين والمحاربين لكل 1000 محارب. وفي المعارك التي دارت بين الاتحاد السوفياتي وألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، وصلت هذه النسبة إلى أكثر من 4000 قتيل من المدنيين والمحاربين مقابل كل 1000 محارب.
ويبدو جلياً تأثير الطاقة الرخيصة في الحروب، ويتمثل هذا التأثير في الدرجة الأولى في ازدياد قتل المدنيين، والقدرة على هدم المدن بشكل فعال وكبير. فسبعون في المئة من قتلى الحرب العالمية الثانية هم من المدنيين، أي ما يعادل أربعين مليون مدني قُتلوا من مجموع قتلى الحرب الذين تعدوا خمسة وخمسين مليون قتيل.

قرن الحروب من أجل الطاقة
تمثل الثروات والموارد الطبيعية دوماً أحد أهم الأسباب للحروب والنزاعات بين الأمم، وكثيراً ما تختلط مع أسباب أخرى عرقية وقومية ودينية. وفي دراسة صدرت العام 2001 للمشهد المتوقع لحروب القرن الجديد، حدد كلير Klare سببين هامين ستصدران أسباب الحروب والصراعات المتوقعة في القرن الجديد، هما النفط والماء. فمع ازدياد الطلب على النفط، وفي ظل وصول الإنتاج العالمي إلى الذروة وبدء مرحلة نضوب النفط، سيستعر الصراع للتحكم في ما تبقى من هذه الثروة الأساسية لنمو اقتصاد أي دولة. والنمو الاقتصادي هو العمود الفقري لأي اقتصاد صناعي.
أما عن الماء، فلا تخفى أهميته على أحد، وخصوصاً في ظل الازدياد المطرد لسكان الكرة الأرضية، وثبات، أو بعض الأحيان انخفاض معدلات هذا المورد الحيوي. لذا، فمصادر الماء ستشكل سبباً آخر لحروب القرن الجديد. وقد بدأت الصراعات السياسية على الماء في عدة أحواض، منها حوض نهر الفرات وحوض نهر الأردن وحوض نهر النيل. لكن هذه الصراعات السياسية غير الساخنة يمكن أن تتحول إلى صراعات عسكرية ساخنة. فجمهورية مصر العربية مثلاً، تدرب جيشها على الحرب في مناطق الغابات برغم أن طبيعة مصر والدول المحيطة بها لا تتميز بالغابات، لكن عند النظر إلى خارطة مجرى نهر النيل ومنابعه، يتضح السبب.
تجد مصر نفسها مضطرة إلى تجهيز جيشها للقتال على منابع النيل ومجراه في غابات أفريقيا، وذلك في حالة قيام أي من دول حوض النيل باستغلال مياهه بشكل أحادي الجانب، وبما يهدد مصالح مصر المصيرية في مياه النيل. بطرس بطرس غالي، الخبير في السياسة الدولية ووزير خارجية مصر الأسبق والأمين العام للأمم المتحدة الأسبق، قال إن “الحرب القادمة في منطقتنا ستكون حول مياه النيل، وليس من أجل السياسة”.
تصريحات أخرى مشابهة صدرت من قبل سياسيين في ما يخص حوض نهر الأردن وحوض نهر الفرات. لكن كلير Klare توقع في دراسته لحروب القرن الجديد (وهذا التوقع قبل حرب العراق)، أن النفط سيكون السبب الأكثر سخونة في العقود الأولى من القرن الجديد، وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط الغنية بهذا المورد الأساسي للاقتصاد العالمي.

أنواع الحروب من أجل الطاقة في القرن الجديد
يقسم هينبرغ الحروب من أجل السيطرة على ما بقي من طاقة في العالم، إلى أربعة أنواع:
النوع الأول هو الصراع بين الدول القوية المستهلكة والدول الضعيفة والغنية بالثروات. وتندرج تحت هذا النوع من الصراع، غالبية الحروب الاستعمارية التي حدثت في القرون السابقة. ويمكن في العقود الأخيرة إدراج تدخلات أمريكا في فنزويلا وكولومبيا. وها قد بدأ القرن الحادي والعشرون بحرب من أجل السيطرة على الثروات، وهي حرب احتلال العراق. وفي ظل بدء مرحلة نضوب النفط، فإن هذا المورد سيصبح أكثر ندرة وأغلى ثمناً في السنين القادمة، وسيصبح أمر نشوب صراعات وحروب بين أمريكا ودول الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، كما يرى هينبرغ، أمراً محتملاً، وذلك للسيطرة على ما بقي من النفط.
النوع الثاني من الصراع هو الحروب أو الصراعات الأهلية. وهنا، يمكن إدراج الكثير من الحروب الأهلية في بلدان غنية بالثروات، حيث تتنافس جماعات مختلفة للحصول على حصة أكبر من الثروات. مثال على ذلك، الصراعاتُ الأهلية في نيجيريا والكونغو وأنغولا والبيرو وكمبوديا. هذه الصراعات عادة ما تكون متداخلة مع صراعات دينية أو إثنية او قبلية. والصراعات الدينية او الإثنية او القبلية، عادة تبقى في حالة سبات، لكن مع ظهور ثروة ما أو مورد معين، تسخن هذه الصراعات بسبب الرغبة في الحصول على تلك الثروة، او حصة أكبر منها. وفي حالات عديدة يكون للدول الصناعية الكبرى دور في إذكاء هذه الصراعات، وإيقاظها من سباتها، وذلك بهدف تقسيم بلد ما على أسس دينية أو عرقية من أجل فصل الثروات المتنازع عليها عن الدولة الأم لتكون ضمن دولة صغيرة يسهل السيطرة عليها والتعامل معها؛ أو تقسيم الدولة الأم إلى دويلات صغيرة لتسهل السيطرة على موارد كل دولة على حدة. وإضافة إلى الأمثلة التي أوردها هينبرغ، يُمكن إضافة مثال آخر هو الحرب الأهلية في إقليم تيمور الشرقية الغني بالنفط في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، التي تمخض عنها استقلال هذا الإقليم عن دولة إندونيسيا. وقد اختلطت في هذا المثال الرغبة في السيطرة على الثروة النفطية، مع أسباب عرقية ودينية وثقافية كانت في حالة سبات، لكن مع ظهور الثروة النفطية تأججت هذه الأسباب وصحت من سباتها.
النوع الثالث من الصراعات، هو الصراع بين الدول المستهلكة. وما دامت الثروات متوفرة والعرض يوازي أو يفوق الطلب عليها، فإن آليات السوق كفيلة في تهدئة الصراع بين الدول المستهلكة، لكن عند حدوث شح في موارد ما، فإن احتمالات الصراع بين الدول المستهلكة تزداد. وتساهم آليات السوق في تخفيض الطلب عندما يشح مورد ما، وذلك من خلال ارتفاع الأسعار. وبذلك يخرج بعض الشارين المحتملين من السوق. لكن هناك أشكالاً أخرى لإخراج الشارين المحتملين من السوق، وذلك بتدمير اقتصاد الأمم المنافسة من خلال الحرب أو التخريب السري لبنيتها الاقتصادية، أو على الأقل تدمير أجزاء من بنيتها التحتية المستهلكة لنوع معين من الثروات أو الطاقة، كضرب مفاصل طرق السيارات، كالجسور والطرق الرئيسية، من أجل خفض استهلاك الوقود النفطي.
لقد كانت حاجة ألمانيا إلى مستعمرات تُجهزها بالطاقة، أحد أهم الأسباب التي أدت إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية. اليوم، تشكل الصين أكبر مستورد للنفط في العالم بعد أمريكا. وفي السنين القادمة سيأتي يوم سيصل الإنتاج النفطي إلى الذروة، وبعد تلك المرحلة، سيصبح بشكل متزايد، الإنتاج العالمي المتوفر للتصدير غير كاف لتلبية طلب الصين وأمريكا معاً. قد لا يبدو الصراع المسلح محتملاً في الوقت الحاضر، غير أن التسابق على ضمان تجهيز النفط بالسيطرة على الشركات المتعددة الجنسيات أو المحلية، قد بدأ. لقد اشترت الصين، برغم امتعاض أمريكا الشديد، عدة شركات عالمية لإنتاج النفط، بعضها في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، بأسعار تفوق القيمة الحقيقية لهذه الشركات، وذلك بفضل المخزون المالي الهائل الذي تتمتع به الصين في الوقت الحاضر، والذي نتج عن نجاح الاقتصاد الصيني وتوسعه في السنين الأخيرة.
في تموز/ يوليو العام 2005، طرحت شركة النفط الوطنية الصينية عرضاً لشراء شركة يونيكال كوبوريشن النفطية الأميركية بمبلغ 18,5 بليون دولار. ثارت ثائرة مجلس النواب الأمريكي ما حدا به إلى استخدام صلاحيات خاصة لإيقاف البيع. وتعليقاً على هذا الصراع ألقى النائب جوريف ليبرمان خطبته الشهيرة التي أشرنا إليها في مقدمة هذا الفصل، حيث هدد الصين بخطورة الصراع مع أمريكا للسيطرة على موارد النفط: هذا الصراع الذي قد يتحول إلى صراع عسكري.
لا أحد يستطيع، على الأقل في الوقت الحاضر، تخيل حرب بين الولايات المتحدة وجمهورية الصين الشعبية، وذلك لعدة أسباب أهمها امتلاك الدولتين أسلحة نووية وصواريخ عابرة للقارات. السبب الثاني والأهم، هو التبادل الاقتصادي، حيث تشكل أمريكا السوق الأكبر للمنتجات الصينية، في الوقت الذي تسد البضائع الصينية الرخيصة جزءاً كبيراً من احتياجات أمريكا إلى البضائع الالكترونية والمنزلية والملابس، وما شاكل ذلك. ويشير بعض المحللين الاقتصاديين إلى أهمية هذه البضائع في الحفاظ على معدلات تضخم متدنية للاقتصاد الأمريكي برغم الارتفاع الحاد لأسعار النفط منذ العام 2004. فخلال القرن الماضي، كانت كل زيادة حادة في أسعار النفط، كتلك التي حدثت في السبعينيات وفي أوائل الثمانينيات، تتبعها زيادة في كلفة البضائع والمعيشة والأجور في الدول الصناعية العالية الاستهلاك للطاقة، ما يؤدي إلى إرتفاع معدلات التضخم الاقتصادي. إلى أن البضائع الصينية لم تتأثر بارتفاع أسعار النفط، وذلك لوجود فائض كبير في العمالة الصينية، ما أبقى الأجور منخفضة، إضافة إلى المستوى المنخفض لاستهلاك الطاقة في الحياة الصينية.
الصراع من أجل الثروات النفطية، سيضع الدولتين الأكبر في استهلاك النفط –الولايات المتحدة والصين – في مواجهة مباشرة وغير مباشرة. لكن صراعاً عسكرياً مباشراً يبدو، على الأقل في المستقبل المنظور، أمراً مستبعداً.
ثمة عملاق آخر بدأ يظهر إلى ساحة التنافس من أجل الطاقة، هو الهند، التي بدأت تشهد ثورة صناعية واقتصادية مع بداية القرن الجديد. إن آخر أمر ترغب فيه أمريكا هو دخول الهند، بشكل كبير، معترك الصراع من أجل ما بقي من نفط وغاز في الكرة الأرضية. وقد واجه التفاق الهندي – الإيراني لتصدير الغاز الطبيعي من إيران إلى الهند عبر أنبوب يمر من خلال باكستان، معارضة أمريكية شديدة، ما أدى إلى تأخير المشروع. وبرغم ذلك، بدأ تنفيذ هذا المشروع الضخم في العام 2006. يبدو أن أمريكا قررت استخدام سياسة مختلفة مع الهند، وذلك لتقليل اندفاعة الهند نحو استهلاك المزيد من النفط والغاز الطبيعي، وهما الثروتان اللتان تعتبر أمريكا أنها أحوج أو “أحق” بالحصول عليهما. كما أنهما الهدف الحقيقي، الذي دفع الرئيس الأمريكي في شباط/فبراير العام 2006 إلى زيارة الهند، حيث كان موضوع حاجة الهند إلى مزيد من الطاقة هو أحد المواضيع الرئيسية التي بُحثت خلال الزيارة، وبخاصة تشجيع أمريكا الهند على زيادة اعتمادها على الطاقة الذرية كمصدر للطاقة الكهربائية بدلاً من الغاز الطبيعي. وفي هذا المجال، تم الاتفاق على أن تقوم أمريكا بمساعدة الهند على بناء عدد من المفاعلات الذرية العملاقة لإنتاج الطاقة الكهربائية، إضافة إلى عدد آخر من المنشآت الذرية ذات الطابع العسكري. كذلك، حصلت الهند على مساندة أمريكا في حصولها على خامات وقود اليورانيوم الضروري لإنتاج الطاقة الذرية.
لقد تمكنت واشنطن عبر هذا الاتفاق من تحقيق هدفين: الهدف الأول هو دفع الهند في اتجاه الطاقة الذرية، وبذلك تقلل من منافسة هذا العملاق الاقتصادي القادم على السيطرة ما بقي من نفط وغاز على الأرض. الهدف الثاني، تقوية موقع الهند كقوة نووية آسيوية، لتكون بذلك المُوازن الاستراتيجي للقوة النووية الصينية. والصين هي المنافس الأول لأمريكا في مجال استهلاك النفط والغاز الطبيعي.
النوع الرابع من الصراعات، هو الإرهاب. يُعرَّف الإرهاب بكونه أعمال العنف الموجهة ضد المدنيين لأسباب سياسية. وبذلك تُدرج تحت هذا التعريف أعمال المنظمات الإرهابية وأعمال المؤسسات العسكرية للدول، على حد سواء. ومصطلح الإرهاب غالباً ما يُستخدم لأغراض سياسية، حيث أصبح يُلصق بالعنف المرتكب من المنظمات، ويُستثنى منه العنف المرتكب من قبل الدول.
في السنين الأخيرة، ازدادت الهجمات الإرهابية على المنشآت النفطية من موانئ ومنشآت. إن أي تعطيل لإحدى المنشآت النفطية الهامة على مستوى الإنتاج النفطي العالمي، وفي ضل العجز العالمي في إنتاج النفط، قد يؤدي إلى رفع أسعار النفط بشكل كبير وسريع، ما قد تكون له عواقب سيئة للاقصاد العالمي بشكل عام، والأمريكي بشكل خاص، وذلك لارتباط الاقتصاد الأمريكي بالنفط، بدرجة تفوق اياً من اقتصادات الدول الصناعية الأخرى.
إن محاولة الإرهاب الدولي، مهاجمة هذه المفاصل الحيوية في الاقتصاد العالمي، إنما تدل على كون هذه الجماعات على دراية ومعرفة بمداخل الاقتصاد العالمي ومخارجه. وهذا الأمر قد يُقلق الكثيرين، إذ يدل على إمكانية هذا النوع من الصراع على الثروات، من إحداث تأثيرات مخفية في الاقتصاد العالمي، بقدرات متواضعة لأشخاص متطرفين بآرائهم، ومصممين على القيام بأعمال قد تكلفهم حيواتهم.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*