آجلا أم عاجلا.. النفط يتراجع والطاقة البديلة تتوسع

آجلا أم عاجلا.. النفط يتراجع والطاقة البديلة تتوسع
صحيفة الاقتصادية السعودية 2 يناير 2010

طرح في الأسواق كتاب جديد يمكن وصفه بأنه مهم جدا لمستقلبنا نحن السعوديين على وجه التحديد باعتبار اقتصادنا يقوم في معظمه على النفط. الكتاب يحمل عنوان ”الطوارئ طويلة الأجل: النجاة من الكوارث قريبة التكرار في القرن الحادي والعشرين”، للمؤلف جيمس كنسلتر.
يطرح الكتاب نظرية تراجع النفط (أو نفاده مستقبلا)، توسع نطاق الطاقة البديلة، وبالتالي فأن بلدا مثل المملكة العربية السعودية – كما يشير المؤلف – يجب عليها مناقشة هذه القضية الآن، وهو يعتقد أنه يجب على العالم في المقابل إعادة هياكل اقتصاده – كل دولة على حدة – استعدادا لحقبة ما بعد النفط.
لقد شهد الأطفال الذين ينشأون ويترعرعون في القرن الحادي والعشرين إشارات أكثر نحو الفشل الإنساني الكارثي، على نطاق عالمي، بأكثر مما شهده معظمنا خلال فترات حياتنا. وقد شهدوا هجمات إرهابية مروعة، وحروباً ارتكبت خلالها الجرائم، ورأو الدمار الذي ألحقناه ببيئتنا، وشهدوا الارتفاع الصاروخي لأسعار الموارد، ولتكاليف معيشتهم. وعلى الرغم من كل ذلك، فإن جيمس كنستلر، مؤلف كتاب ” الطوارئ طويلة الأجل: النجاة من الكوارث قريبة التكرار في القرن الحادي والعشرين”، يقول إن هؤلاء الأطفال لم يروا سوى قمة الجبل الجليدي.
إن الكوارث التي يشير إليها كنستلر تتضمن كل ما ذكر أعلاه بالطبع، ولكن أعظمها وأشدها في نظره سوف يكون عدم استعدادنا لمواجهة فترة ما بعد النفط. ويظهر في كتابه أن عالمنا اليوم، وطريقتنا في الحياة، قائمان، بصورة تكاد تكون كاملة، ”على منتج هو بمثابة المعجزة، ومتعدد الاستعمالات”.
وتعتمد الزراعة الحديثة، وصناعة الأدوية، والتصنيع، ونقل البضائع والأشخاص،بل وحتى إنتاج الأشكال الأخرى من الطاقة، بصورة شديدة على النفط ومشتقاته، حيث لا يمكن أن نعمل دونه.
ويعتقد كنستلر أن ”ثروة الوقود الأحفوري كانت صفقة تحدث لمرة واحدة، وأن الفترة التي تمتعنا بها كانت حقبة شاذة بين حقب التاريخ. وكما كانت الحياة، والإنتاج في القرن الثامن عشر يعتمدان على العبيد، فإن عالمنا الصناعي الحديث معتمد تماماً على مصدر طاقة رخيص، وكفء هو النفط الذي يمكننا من الاستمرار في الحياة بمستوى قريب من المستوى الحالي.
إن مستقبل الطاقات البديلة للنفط أشد كآبة مما نحب أن نعتقد، حيث يقول المؤلف ”استناداً إلى كل ما نعرفه في الوقت الراهن، فإنه لا يوجد أي مزيج مما يسمى بمصادر الوقود البديلة يمكن أن يتيح لنا المحافظة على نمط الحياة اليومية كما هو في الولايات المتحدة، وبالطريقة التي اعتدناها وفقاً لنظام النفط”. ولقد استغرقت الطاقة الموجودة في النفط ملايين السنين لكي تتكون، وبالتالي فإنه ليس بمصدر الطاقة الذي يمكننا استبداله ببساطة حين ينتهي.
إن الوضع الذي نعيشه في أيامنا هذه بألا نعير سوى قليل من الاهتمام للتغيرات الرئيسية المقبلة التي سوف تؤثر في حياتنا، هو بمثابة ” مشي أثناء النوم نحو المستقبل”. وبسبب شدة اعتيادنا أمور الحياة بالطريقة التي نعيشها، حيث نرى الصناعة، والإنتاجية، والتكنولوجيا تنمو بوتيرة عالية للغاية، فإننا، كما يقول المؤلف، نواجه صعوبات في إدراك أو قبول حقيقة أن النفط هو الذي يجعل كل ذلك ممكناً. ونظراً لأن إنتاج النفط سوف يتراجع خلال السنوات الأربعين المقبلة، فإن النظام الكامل الذي تقوم عليه حياتنا سوف يشهد تغيرات سريعة.
يتناول كنستلر الفوضى الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية التي سوف تبرز امتداداً من انهيار الأنظمة الحالية الاقتصادية، والصناعية، وصولاً إلى حروب الموارد التي لا تُستثنى منها البلدان الأعلى تطوراً، مثل الولايات المتحدة. والواقع أن ” جميع المشروعات البشرية سوف تتراجع بتراجع توافر النفط”. وقليلون هم المستعدون لمواجهة نتائج مثل هذه التحديات. وكما يلاحظ كنستلر، فإنه ” لم تغامر أي جهة عليا في الحكومة الاتحادية الأمريكية في القول إننا نواجه نضوباً نفطياً بحلول منتصف هذا القرن، ناهيك عن الاستعداد لعواقب ذلك”.
بغض النظر عن توقعاتنا وميولنا تجاه المستقبل، لا يستطيع أحد أن ينكر أنه عاجلاً وليس آجلاً، فإن إنتاج النفط سوف يتراجع. ولا يمكننا أن ننكر كذلك أن من شأن ذلك أن تكون له عواقب واسعة النطاق لا تعوضها الطاقات البديلة في المستقبل المنظور. والأمر منوط بنا جميعاً بناءً على ذلك لكي نبدأ التفكير بشكل أكثر جدية بشأن الكيفية التي سوف نعيش ونخطط بها حياتنا دون جنون النفط، وأنظمة التجارة، والتصنيع، والزراعة التي ترافقه. وبالنسبة لبلد منتج للنفط كالسعودية، فإن هذه قضايا غاية في الأهمية يجب مواجهتها بالذات من قبل اللجنة الاقتصادية في المجلس الاقتصادي الأعلى.
لقد تم منحنا فرصة لصنع بداية جديدة، وتعديل هياكل اقتصادنا ومجتمعنا لمواجهة تحديات المستقبل. وبعدئذ فإن ذلك ما يجب عليه فعله، آخذين في الحسبان سيناريوهات ربما لم نكن نرغب في تصديقها أو مواجهتها قبل سنوات قليلة مضت. وربما يتضح أن كتاب الطوارئ طويلة الأجل بالنسبة لمستقبل عالمنا واقتصادنا، هو بمثابة كتاب أصل الأنواع Origin of Species الذي ألفه تشارلز داروين بالنسبة لفهمنا للتطور.
ثمة شك قليل بأننا سوف نعيش خلال الأعوام الأربعين المقبلة في حقبة تراجع إنتاج النفط، ومع ذلك فإن الصناعة العالمية والسكان ما زالا ينموان سريعاً. وعلينا أن نستغل الوقت المتاح لدينا لإعادة التفكير بالطريقة التي يعمل بواسطتها مجتمعنا، وبنيتنا التحتية، واقتصادنا، وكل ناحية أخرى من حياتنا اليومية. وإننا محظوظون من حيث إنه ما زال هناك أساس تقليدي لطريقتنا في الحياة، على النقيض من المناطق الأمريكية التي وفقاً لكونستلر تعتمد بقوة على النفط، بحيث إنها لن تتمكن من التأقلم مع التغييرات التي يحدثها تراجع إنتاج النفط.
الأمر المهم هو أن كونستلر توقع بدقة أزمة القروض العقارية المقدمة إلى ضعاف الملاءة، وما تبعها من الانهيار المالي عامي 2007 و2008 في كتابه. وكتب عام 2005 قائلاً: ”بحلول الوقت الذي تقرأ فيه هذا، فمن المحتمل للغاية أن فقاعة الإسكان سوف تكون وصلت إلى نهاية مؤسفة”. وكتب أن الفشل المحتمل لمؤسسات مثل فاني ماي، وفريدي ماك، ”يمكنه أن يحدث بسهولة شلالاً من الإخفاقات التي ربما تعرض التمويل العالمي إلى الخطر”.
لا يمكن المبالغة في التأكيد على صدى وأهمية كتابه وتداعياته. وربما لا نتفق جميعاً على العواقب، ولكن حان الوقت بالنسبة إلينا لكي نتوصل إلى اتفاق بشأن النهاية الوشيكة لحقبة النفط التي اتاحت لنا العيش في ثراء وإنكار، دون الاستعداد لما سوف يأتي بعد ذلك. وحان الوقت الآن بالنسبة إلينا للبدء بالتفكير بالطريقة التي سوف نتكيف بها مع عالم متغير، وإصلاح مجتمعنا، واقتصادنا، وبنيتنا التحتية، وتعليمنا.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*