هل ثمة خطط وبدائل مهيأة فـي حال نضوب الوقود الأحفوري

هل ثمة خطط وبدائل مهيأة فـي حال نضوب الوقود الأحفوري
حيدر شامان الصافي*
صحيفة المدى العراقية 16\11\ 2009

من مبدأ المنطق السليم، لا يمكن أن نتصور أن العالم في يوم ما سيستغني عن النفط، سواء كمصدر للطاقة أم كمادة أولية للصناعات البتروكيماوية التي سيكون لها شأن كبير في المستقبل، ونحن نتمنى أن تكون كمية إنتاج النفط معتدلة، تُدرُّ علينا بقدر ما يصلح حالنا من دون إفراط أو تفريط، بدلا من أن نقترض من حساب الأجيال المقبلة، ونحن نعلم علم اليقين أننا لن نستطيع إعادته إليهم. ولا نضمن لهم أن يبقى نصيبهم في باطن الأرض، ونبقى نحن حماته وليس مستهلكيه، ثم إنَّ رفع الإنتاج إلى مستويات عالية في ظل أسعار النفط الجديدة والمتوقع استمرار صعودها، سيجلب إلينا دخلاً كبيراً لا ندري كيف نتصرف فيه، ولا يزيدنا إلا رفاهية. يعد النفط من أهم مصادر الطاقة في هذا العصر وتستخدم الدول النفط في كل شأن من شؤونها، فهي تستخدمه لتسيير وسائل المواصلات المختلفة ووقوداً للصناعات بأنواعها والصناعات البتروكيمائية وغيرها وهذا يعيدنا إلى القول إنه طالما أن التقنية في استخدام الطاقة الشمسية وطاقات الرياح وغيرها لتوليد الكهرباء لم تتحسن فإن الطلب على الوقود الأحفوري سيبقى على حالة في ارتفاع. إن المخاوف بشأن تراجع الفرص المتاحة أمام النفط ناشئة عن التحديات المتعددة التي تهدد النفط في جانبي العرض والطلب، ففي جانب العرض ثمة عاملان جليان هما نضوب الاحتياطات واستنزاف هذا المورد الطبيعي في نهاية المطاف، أما في جانب الطلب فإن نمو مصادر الطاقة المتجددة والبديلة والتوسع في استخدامها، نتيجة للمخاوف البيئية، يؤثران سلباً في وضع النفط. فقد أدى استخدام النفط خلال الفترة الزمنية القصيرة الماضية إلى تغيير الاقتصاد العالمي والبنى الاجتماعية والسياسية وكذلك الأساليب الحياتية للإنسان بشكل أكبر بكثير جدا ما أدى إليه استخدام أية مادة أخرى في العالم، إلا أن المصادر النفطية العالمية محدودة، وان بداية الوصول إلى ذروة الإنتاج النفطي العالمي وكذلك هبوط المخزون النفطي العالمي غير القابل للتعويض أصبحت قريبة وواضحة للعيان. بعد تعالي التحذيرات الصادرة من كل صوب وحدب بشأن قرب انتهاء عصر الوفرة النفطية، الذي بات وشيكًا، وأصبح الحديث يجري خصوصًا في الغرب بخصوص (عصر نفاد النفط)؛ وتزايد الأسئلة بشأن (عالم بلا نفط)؛ أو (عصر ما بعد النفط).. إلخ؛ شرع كثير من الدول في التكثيف من بحوثها بخصوص تنويع مصادر طاقتها غير التقليدية، وهو ما يتبدى في الجهود الحثيثة المبذولة في مجال البحث عن مصادر الطاقة البديلة كالرياح والشمس والطاقة النووية؛ والهيدروجينية؛ واستثمار الغابات وحرارة الأرض وغيرها؛ بوصفها وقودًا مستقبليًا أبديًا لا ينفد مع مرّ العصور، والعناصر الوحيدة التي لا تنتج عند احتراقها أي انبعاثات ضارة للبيئة، محدثة جميعها انقلابًا سيحدث تغييرًا جذريًا في طبيعة الأسواق المالية والظروف السياسية والاجتماعية. ظلت فكرة الاعتماد على النفط والغاز كمصدر للطاقة فكرة مطلقة وليست موضع نقاش فترة طويلة من الزمن. فالإدمان على البترول لا علاج له حسب آراء إتباع احد المدارس التقليدية للطاقة، التي ترى ان البترول هو المصدر الرئيسي والاقتصادي للطاقة ولا يوجد بديل اقتصادي له ويمكن استثماره حالياً او في المستقبل المنظور، وبالتالي سيبقى البترول سلعة مطلوبة حتى ينضب من الوجود ويجبر العالم على استخدام البدائل التي ستكون غالية الثمن بطبيعة الحال، فالثمن الباهظ لبدائل الطاقة هو العنصر الرئيسي في إبقاء الطلب على النفط مستمراً ومسيطراً على تلبية احتياجات السوق للطاقة، وبالتالي سيتابع سعر البترول ارتفاعه بشكل مستمر ومتوافق مع احتياجات العالم للطاقة و لا شيء يبرر الشعور بالأمان، فسواء عثر العالم الصناعي على بديل للنفط أم لم يعثر، فالحقيقة التي لا جدال فيها هي انه سينضب في غضون 25-50 عاماً المقبلة، الأمر الذي يعني ان الجيل الناشئ سيعيش في أواسط عمره من دون ثروة. المشكلة الحقيقية هي ما اذا كانت الدولة نفسها ستعثر على بدائل لتمويل احتياجاتها الأساسية ام لا بعد نضوب النفط. فبعد أكثر من قرن مضى على الاستكشافات النفطية أصبحت الجيولوجيا الأرضية وكذلك المكامن الرئيسة للنفط والغاز معروفة بشكل أساسي، ولم يعد هناك الكثير مما هو غير معروف، وعندما تفرغ الحقول لن يعد ينفع سوى المال لإنتاج ما تبقى منها وبصعوبة. ووفقا للتقارير النفطية فانه لم يتبق سوى ما يعادل 210 مليارات من البراميل التي يمكن اكتشافها ولكنها لم تكتشف بعد وما يعادل من 1000 مليار برميل مخزون مؤكد تحت الإنتاج، وعلينا أن نعلم بأنه لا يمكن لأي مبلغ من المال مهماً كان ضخماً إنتاج برميل واحد من النفط إذا لم يكن هذا البرميل موجوداً بالأصل. إن العراق مؤهل لخلق بدائل نظرا لما يمتلكه من ثروات طبيعية، ولكنه بحاجة إلى زمن طويل حتى يحرر إرادته، ويتخلص من مشكلاته، ويعيد بناء نفسه، ويحافظ على أمنه واستقراره، والبدء بإستراتيجية تغيير شامل من اجل قطع دابر التخلف، وعوامل نموه، وإقصاء عناصره إقصاءً كاملاً، وإعداد برامج حقيقية لتغيير وجه الحياة وأساليبها، والعمل على خلق عوامل إنتاج جديدة، ورفع مستوى الوظائف والأعمال عن طريق تعزيز الإنتاج لزيادة دخل الفرد.. والحفاظ على الثروات واستثمارها دون تبديدها، والتركيز على القطاعات غير النفطية، مثل: التجارة، الصناعة، الخدمات والسياحة لدعم استمرار نمو الاقتصاد والتشديد على ضرورة تحولات اقتصادية جذرية كي نجد جملة بدائل حقيقية بعد أن ينتهي زمن النفط تماماً. إن النفط هو الوحيد الذي يعطي اليوم قيمة لمن يملكه ويحدد حجمه في العالم، ولكن من دونه، فسوف لا يلتفت العالم نحونا أبدا، إلا إن خلقنا لأنفسنا وسائل إنتاج جديدة، ومصادر ثروات جديدة أخرى لحياتنا.. وسيلتفت إلينا العالم من جديد لو احتاج لنا ولوسائلنا وثرواتنا الأخرى مهما كانت تلك الثروات، ولننظر الى تركيا كيف استعدت منذ الآن لإيجاد بدائل ثورة ري زراعية وكذلك إيران، هي الأخرى ستصادف شبح الفراغ بعد نفاد بترولها، بالرغم من قدرتها على التكيّف مع المستقبل لثرواتها الطبيعية الأخرى، أن التطلع للحياة الكريمة ينبغي أن يصاحبها إجراءات تعمل صوب أهدافها لما بعد زمن النفط. إن على الدولة إن لم تعالج، وبجدية كبيرة، مثل هذا الموضوع الخطير .. فإنها ترتكب اكبر جناية بحق أجيالنا المقبلة التي ستواجه الحياة الصعبة مع المستقبل المجهول وستجد نفسها إزاء مجتمعات أخرى نجحت في استقطاب الفرص وخلق البدائل، ونتمنى أن يتبنى المسؤولون إجراء دراسات علمية لبحث مدى تأثير بدائل الطاقة في مستقبل الإنتاج النفطي، وهل ستسبب تحدِّياً سلبيًّاً يقلل من أهمية النفط أو أن البدائل، وهي متوافرة ومعروفة لدينا اليوم، لا تستطيع تغطية أكثر من النسبة التي سيتخلى عنها النفط وهو الأقرب للواقع؟ وإذا ثبت ذلك فلن يكون هناك مجال للقلق من تطوير البدائل، بل إنه سيخدم مصالحنا ومستقبل أجيالنا. وأخيرا وليس أخرا يبقى النفط أحد الموارد المعدنية المهمة التي تغتني بها الطبيعة، لكن بكمية محدودة وقابلة للنفاد، خاصة إذا استمر الطلب والاستهلاك في مستوياتهما الحالية، إذ يتوقع أن تنضب جميع الاحتياطات النفطية في غضون الخمسين عاما المقبلة؛ فهيمنة النفط كمصدر عالمي للطاقة قد تأثرت بعدد من التطورات في الأعوام الأخيرة، وبالنظر إلى محدودية موارده وقابليتها للنفاد، وبالنظر إلى المزايا النسبية لمصادر الطاقة البديلة.
*جامعة ذي قار/ مركز أبحاث الأهوار

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*