لا تُلهينا رفاهيتنا عن مستقبل الأجيال

لا تُلهينا رفاهيتنا عن مستقبل الأجيال
عثمان الخويطر
الاقتصادية – 25 اكتوبر 2009

نكاد نجزم أن التغيير المعيشي والاجتماعي الذي فجأة نقل حياة شعوب دول الخليج من فقر مُدقع وغياب تام للتعليم الحديث خلال العقود القليلة الماضية إلى ما وصلت إليه اليوم من رفاهية وانتشار مُذهل للمرافق التعليمية المختلفة خلال فترة قصيرة، لم يحظ به على الإطلاق أي شعب من شعوب العالم على مدى التاريخ. فقد كنا إلى ما قبل 60 عاماً نعيش حياة مُتواضعة جداًّ، دون كهرباء تُضيء لنا ظلام الليل ولا أدوات منزلية مُستوردة ولا وسائل نقل ُمريحة. وكان فيها كثير من شح المعيشة، حتى أن كثيراً من الأسر كانت لا تجد ما يسد رمق جوع أبنائها لعدة أيام. وكانت المدارس لا وجود لها، إلا من عدد ضئيل من الكتاتيب التي كانت تُعلم مبادئ تلاوة القرآن الكريم، وذلك لفئة قليلة من أفراد المجتمع. وكان محيط حياتنا آنذاك هادئا وخاليا من الصخب والأصوات المزعجة التي نعيشها اليوم، التي مصدرها في الغالب وسائل النقل الحديثة والمعدات الميكانيكية التي لم تكن تعرفها بيئتنا القديمة، حيث كنا نركب الدواب الأليفة عند الحاجة، مثل الجِمال والحمير.
وفي يوم من الأيام، استيقظنا على طبول اكتشاف النفط في بلادنا، ولم نكن نعلم في أول الأمر أهميته في حياتنا، وسط ممانعة عنيفة من بعض أوساط المحافظين في المجتمع الذين كانوا قد توسلوا إلى جلالة الملك عبد العزيز ــ رحمه الله – طالبين منه أن يطرد الفنيين الأجانب الذين حضروا من أجل اكتشاف وإنتاج هذه الثروة النفطية الهائلة، التي غيرت مجرى حياتنا من حال إلى حال في غضون سنوات قليلة. والله سبحانه أعلم كيف يكون عليه وضعنا لو لم يمنحنا هذه النعمة ويوفقنا لاكتشافها واستغلالها.
وأصبحنا بين يوم وليلة نُنعت بالأثرياء لما يُدرُّه علينا النفط من دخل وفير. فصرنا نمتطي أفخر وسائل النقل ونستورد جميع ما نحن في حاجة إليه من الملبس والمأكل والأثاث الفاخر وأدوات الترفيه المختلفة، ونحن، بطبيعة الحال، لا نصنع شيئاً من ذلك. بل تمادينا في توسيع سياحتنا إلى مُختلف أقطار الأرض، نُبذِّر مالنا هنا وهناك ونتمتع بطبيعة لم تكن مخلوقة لنا. والأدهى من ذلك أننا تحولنا إلى أمة مُستهلِكة وغير مُنتجة، نعتمد في جميع شؤون حياتنا على الخدم والخادمات والعمالة الأجنبية ونُربي أبناءنا على الكسل والخمول، إلا منْ هدى الله. وهو عكس ما كانت عليه حالنا أيام الشح وقلة ذات اليد، عندما كنا نعيش من كسب أيدينا ويخدم بعضنا بعضا.
وحالنا التي نعيشها اليوم، في شبه غفلة عن نوائب الدهر، لن تدوم لنا طويلاً. فالنفط ثروة ناضبة وكميته محدودة. فهو إذا وفى لن يُغطِّي أكثر من أربعة أجيال، مضى منها اثنان وبقي جيلان والعمر يمر مرَّ السحاب. فماذا يا ترى أعددنا لما بعد النفط، ونحن المسؤولون عن مُستقبل أولادنا وأحفادنا؟ لا نرى إلا تدهوراً في طبيعة حياتنا وتماديا في إسرافنا الذي تغذيه وفرة دخلنا غير المُقنَّن. نُغدق على أبنائنا مُنذ الصغر حتى أنشأنا جيلاً مُتواكلاً ينام وقت النهار ويفيق طوال الليل، ويبحث عن الرفاهية أينما وُجدت وعن الكراسي الدوارة إذا اضطُرَّ إلى العمل. ونحن لا نتحدث هنا بصيغة التعميم، ولو خَلِيت لخربت، فالبلد لا تخلو من الجادِّين الذين يُدركون أهمية العمل والاعتماد على النفس ويرسمون طموحاتهم بأيديهم ويُحققونها بمجهودهم، بارك الله فيهم وأكثَّر من أمثالهم.
ونقول أيضا لا بأس من التمتع بنعمة الإيمان والأمن والرخاء وكثرة الأموال في حدود معقولة، بعيداً عن الإسراف الذي نهى الله عنه. ولكن يجب ألا ننسى أن لكل شيء نهاية، وسيأتي اليوم الذي يقل فيه الدخل بعد أن يكون عدد السكان أضعاف العدد الحالي، مما يزيد أمور الحياة صعوبة، ربما لا تقل حدة عن تلك التي كنا نعيشها قبل عصر النفط. وهذا يستدعي من الجيل الحاضر أن يبدأ بتخطيط علمي سليم لما سيؤول إليه مصير الأجيال المقبلة. والتخطيط المطلوب بطبيعة الحال ليس كالخطط الخمسية التي نمارسها اليوم لكل خمس سنوات. بل علينا أن نتصور الوضع الاقتصادي والاجتماعي في هذه البلاد خلال الـ 50 والـ 100 عام القادمة في ضوء ما نعرفه الآن من احتمال نضوب للنفط وهو المورد الوحيد لأبناء هذا الوطن، وما البدائل؟
نحن نعلم أن من بين مصادر الطاقة غير النفطية التي في متناولنا، الطاقة الشمسية المتوافرة بغزارة في جميع أنحاء الجزيرة العربية، وهي كفيلة بأن تكون مصدر رزق وفير إن نحن أتقنا صناعتها وتعلمنا أسرار تقنيتها وقمنا ببناء مرافقها بأنفسنا. ولكن ذلك يتطلب وجود المراكز البحثية والمؤسسات التعليمية التي تخلق من شبابنا رجالاً مهرة وتُبرزُ جيلاً جديداً يتوق إلى العمل المثمر، وليس إلى الرخاوة والخمول. وهذا يتطلب من كل أب وأم ومُدرِّس ومُدرِّسة أن يتفهم صعوبة ظروف الحياة المقبلة ويُعد شباب وشابات المستقبل لمواجهتها، بدلاً من الانتظار إلى زمن المباغتة. ونقولها صراحة، إذا لم نستطع بناء مستقبلنا بأيدينا وبنات عقولنا وبمجهودنا خلال العقود المتوالية المقبلة فقل علينا وعلى أجيالنا السلام. ويجب أن يكون في علمنا أننا لم نتحرك بعد في الاتجاه الصحيح، ولا نزال نعتمد اعتماداً كلياًّ على دخل النفط الذي يأتينا دون أي مجهود يُذكر. ونحن اليوم وبحسن نية نهتم كثيراً بتلبية رغبات العالم بتزويدهم بأكبر كمية ممكنة من النفط، ربما تزيد على حاجتنا للدخل المعقول، ولا نحسب لمتطلبات أجيالنا الذين هم أحوج من غيرهم للاستفادة من هذه الثروة الناضبة.
ورغم وضوح الرؤية ومعرفتنا بمستقبل مصدر دخلنا وبطبيعة بلادنا الصحراوية، فإن المرء لا يلاحظ اهتماماً بما يجب اتخاذه نحو المستقبل بين عامة الشعب ولا حتى النخبة وكبار المسؤولين، وهو أمر لا يدعو إلى الارتياح.

* عثمان الخويطر: نائب رئيس شركة أرامكو سابقاً.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*