النفط سينفد بسرعة أكبر مما نتوقع

النفط سينفد بسرعة أكبر مما نتوقع
بقلم : د. محمد إبراهيم السقا*
جريدة القبس الكويتية 19-8-2009

النفط سينفد في أحد الأيام من تاريخنا، هذه حقيقة يجب ألا نغفل عنها أو نتجاهلها أو نؤجل النظر فيها. من المؤكد أن هذا اليوم سيأتي علينا، من المؤكد أيضا أن ذلك اليوم ليس في السنة الحالية أو المقبلة، ولكنه سيحدث في سنة ما مقبلة من تاريخنا المقبل في المستقبل وهنا، في الكويت. المدة الزمنية التي تفصلنا عن هذه السنة ليست بعيدة -كما يظن البعض- تنبؤاتي أن هذه السنة ستحدث في حياة من يولدون اليوم قبل أن يصلوا إلى سن التقاعد، هذه حقيقة مؤكدة، مرة أخرى هذه حقيقة مؤكدة، فما استعداداتنا لهذا اليوم؟ الإجابة ببساطة شديدة: «صفر».
في مقابلة مع صحيفة الإندبندنت البريطانية توقع الدكتور Fatih Birol الاقتصادي بهيئة الطاقة الدولية أن يبدأ العد العكسي لإنتاج النفط في العالم في عام 2020، أي أن ذروة الإنتاج العالمي من النفط ستتحقق في ذلك العام، بعدها يأخذ دور النفط في العالم في التراجع، وبالتالي يبدأ العالم يتهيأ لنفاد النفط كمصدر رئيسي للطاقة في العصر الحديث، وذلك من خلال البحث عن بديل آخر لتوليد الطاقة.
ماذا تعني عبارة ذروة الإنتاج العالمي من النفط؟ إنها ببساطة شديدة تعني أن العالم سيواجه اختلالا جوهريا في موازين الطلب والعرض من النفط، ذلك أن الطلب المتزايد على الطاقة لن يتم الوفاء به ببساطة من خلال زيادة المعروض من الإنتاج النفطي، وذلك لبدء تراجع القدرات الإنتاجية النفطية في العالم. ويستند توقع الدكتور بيرول على أساس أن احتياطيات النفط في العالم تتراجع حاليا بمعدلات أعلى مما كان متوقعا مسبقا، ومن ثم جاءت التنبؤات التي قام بها بيرول مختلفة عن معظم التنبؤات السائدة حاليا، التي كانت تتوقع أن يبدأ العد العكسي لإنتاج النفط في العالم في سنة 2030، لذلك يحاول بيرول في المقابلة أن يدق ناقوس الخطر للعالم لكي يستعد بشكل أكبر لنفاد النفط، وأن يبدأ خطط الاستعداد لتوفير بدائل الطاقة النفطية بصورة أسرع وبشكل أكثر جدية حتى يتجنب العالم الآثار الكارثية لنفاد النفط، بصفة خاصة على أسعار النفط. بالنسبة لي لا أرى فارقا زمنيا كبيرا بين أن يصل الإنتاج العالمي للنفط إلى قمته في 2020 أو في 2030، أنا انظر بمنظار زمني أطول، أنا أنظر في إطار المدى الزمني لدولة هي الكويت، ووفقا لهذا المنظار فان عشر سنوات هي لحظة زمنية قصيرة جدا في تاريخنا.
من وجهة نظر بيرول، فان اختلالات الطلب والعرض في السوق العالمي للنفط ستدفع بأسعار النفط إلى الارتفاع لمستويات عالية قد تهدد عملية استعادة النشاط الاقتصادي من الأزمة الحالية في العالم بسرعة وبأمان. ولتوضيح ذلك يعرض بيرول سيناريوهين لتوازنات الطلب والعرض من النفط، الأول يقوم على أنه في حالة ثبات الطلب العالمي على النفط عند مستوياته الحالية فإن العالم سيحتاج في المستقبل أربع دول جديدة تنتج من النفط ما يعادل إنتاج المملكة العربية السعودية، أما إذا استمر الطلب العالمي على النفط في التزايد، فان العالم سيحتاج ست دول نفطية جديدة تنتج من النفط ما يعادل إنتاج المملكة من الآن وحتى عام 2030. من الناحية المادية، فان احتمال تحقق سيناريوهات العرض هذه يعد مستحيلا، أخذا في الاعتبار مستويات الاحتياطي المحدود من النفط في العالم. غير أنه تنبغي الإشارة إلى أن البعض يرى أن عملية التنبؤ بالنقطة الزمنية التي يصل فيها إنتاج النفط إلى القمة غير صحيحة، حيث يصعب من الناحية العملية التنبؤ بها، لأن هناك درجة كبيرة من عدم التأكد المتعلقة بحجم الاحتياطيات العالمية من النفط، ما يجعل من المستحيل من الناحية الفنية القيام بذلك.
وفقا لبيرول، فان الاحتياطي العالمي من النفط يتراجع حاليا بحوالي 7% سنويا، ماذا يعني ذلك؟ إن ذلك يعني أن هناك مشكلة عرض خطيرة يمكن أن يواجهها العالم في المستقبل القريب إذا صدقت هذه التنبؤات، وستدفع هذه الاختلالات بسعر النفط نحو السماء، ويتوقع بيرول أن سعر النفط ربما يصل إلى 200 دولار في 2013، أعلم أن البعض سيسر لهذه الأخبار السعيدة عن أسعار النفط، ولكن هذه التوقعات لا تسرني، لأنها ببساطة شديدة تعد بمنزلة إعلان بداية النهاية للحقبة النفطية في الكويت، وبداية حقبة جديدة لن يكون فيها النفط هو مصدر الدخل.
عزيزي القارئ.. أتدرك الآن لماذا أنادي من وقت لآخر بأن نفيق من ثباتنا العميق وأن ننتبه بصورة أكبر إلى مستقبلنا واستمرار وجودنا في هذا البلد؟! ماذا نحن فاعلون بعد أن ينفد النفط؟ سؤال سألته على الملأ أكثر من ألف مرة، بالنسبة لي هو سؤال المليار دولار، الذي -للأسف- لا أجد عليه إجابة حاليا، ومما يثير دهشتي البالغة أنه لا أحد يفكر -مجرد يفكر- في أن يحاول أن يجد إجابة له، لا أحد!!
هل لأنه ليست هناك إجابة جاهزة لهذا السؤال؟ أم لأن الموضوع أصعب من أن نجد له إجابة؟ أم أن لدينا خططا استراتيجية سرية لا يجوز الكشف عنها حول استعداداتنا لهذا اليوم؟! أم لأننا ببساطة حزمنا حقائبنا ودبرنا أمورنا وحجزنا تذاكرنا على أول طائرة لنغادر الكويت في هذا اليوم؟! لا أرى أي مشكلة بالنسبة لمن يستطيعون تأمين حياة لهم ولأسرهم خارج الكويت، مشكلتي الأساسية هي فيمن لا يستطيعون، وليس لديهم الإمكانات المادية لكي يقوموا بذلك، أو ليست لديهم القدرة التنافسية في أن يجدوا عملا يوفر لهم دخلا كريما خارج الكويت، ماذا سيفعل هؤلاء؟ سؤال أوجهه لمن يستعدون للمغادرة: هل سنتركهم وراءنا هكذا ليواجهوا مصيرهم بأنفسهم؟ أم ماذا؟ متى نتوقف عن هدر ثروتنا النفطية في تمويل استهلاكنا الترفي، لنعيش يومنا فقط، ونستغل هذه الثروة في إيجاد بديل آخر للدخل غير النفط؟! سؤال بسيط ما زال ينتظر الإجابة، ولكن للأسف ليس هناك وقت كاف للإجابة.
* أستاذ الاقتصاد – جامعة الكويت

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*