لابُدَّ من حل للاستهلاك الكبير للوقود

لابُدَّ من حل للاستهلاك الكبير للوقود
عثمان الخويطر
الاقتصادية – 21 يونيو 2009

تحدث عدد من الكُتاب والمُتخصصون في الاقتصاد والطاقة خلال الأسابيع الماضية عن موضوع مهم للغاية، وهو ارتفاع استهلاك الطاقة في المملكة إلى درجة تضعنا من أكبر المستهلكين في العالم بالنسبة لعدد السكان. وكل قدَّم رؤيته للحلول التي يراها مناسبة من أجل تحقيق الهدف المنشود، وهو تصحيح الوضع القائم ووضع حدِّ لكي لا يصل بنا الأمر في المستقبل إلى استهلاك معظم إنتاجنا من النفط والغاز محلياًّ. وقد تفاعل القراء مع ما طرُح من آراء واقتراحات، مع ميل الأغلبية إلى معارضة أي زيادة في الأسعار، وهو أمر طبيعي أن يعارض المواطن المساس بشيء يعتبره من المكتسبات التي كانت قد مُنحت له من ولي الأمر. وكانت حجة الذين يفضلون رفع مستوى الأسعار أن الموسرين وكبار المستهلكين الذي يستفيدون من التخفيض الكبير في أسعار المشتقات النفطية أكثر بكثير من الفئة المستهدفة وهم ذوي الدخل المحدود الذين هم في حاجة ماسة إلى المساعدة، وهم محقين في ذلك.
والمهم في الموضوع هو أن نعترف أن لدينا ظاهرة خطيرة يجب أن نجد لها حلاًّ مناسباً في الوقت المناسب قبل أن تستفحل وتقضي على نسبة كبيرة من دخلنا. فنحن نخشى أن نجد أنفسنا بعد سنوات، قلَّت أو كثُرت، وقد استولى استهلاكنا المحلي المتزايد مع زيادة عدد السكان على أكثر من نصف إنتاجنا من النفط. ونعلم أنه ليس بمقدورنا أن نأتي بحلول سحرية نستطيع أن نطبقها اليوم وينخفض الاستهلاك. بل نحتاج إلى بناء خطط واستراتيجيات طويلة المدى من أجل أن نضع حدًّا للنمو غير الطبيعي في استهلاك الطاقة.
وأهم أسباب ارتفاع مستوى استهلاك المحروقات في المملكة يعود إلى عاملين رئيسيين:
الأول: بُعد المسافات بين المدن والقرى واتساع المدن الرئيسة وعدم وجود وسائل نقل عام مناسبة، مما يتطلب من المواطن قطع مسافات طويلة يومياًّ فيستهلك الكثير من الوقود، إضافة إلى مئات الألوف من المركبات الكبيرة التي تجوب الطرق وهي مُحملة بالأحمال الثقيلة.
الثاني: هو أننا بطبيعتنا قد جُبلنا مع توافُّر المادة على الإسراف في كل شيء من أمور حياتنا، من المأكل والمشرب والملبس وكذلك وسائل النقل التي لم يُراعى في تصميمها اقتصاد الوقود.
ومع اعتقادنا أن رفع أسعار الوقود الذي لا يرغبه الكثيرون ليس هو الحل الأمثل ولكنه جزء من الحل، لأن المواطن الذي لا يتحمل ارتفاع التكلفة سيضطر إلى تغيير نوع المركبة التي يستخدمها إلى حجم أصغر وإلى ماركة مصممة لاستهلاك أقل من الوقود. ولكن هناك في نظرنا ميادين أخرى من الممكن أن نتطرق إليها بعيدة عن حياة المواطن المباشرة. فقد اقترح أحد الإخوان بأن تتحمل جميع المؤسسات الحكومية، بما في ذلك البلديات، دفع تكاليف الطاقة الكهربائية ووقود المركبات التي تعمل تحت مسؤولياتهم وإضافة تلك المصاريف ضمن ميزانياتهم السنوية، وهو مطلب وجيه. وربَّ سائل يقول: ما الفرق بين أن تدفع الدائرة الحكومية من ميزانيتها التي تحصل عليها من وزارة المالية أو أن تدفع وزارة المالية التكاليف رأساً بالنيابة عن المؤسسات؟ والجواب هو أن إدارة المؤسسة ستكون مضطرة إلى إقناع مؤسسة الميزانية عن طريق إثبات حاجتها لكل ريال تريد صرفه على مستلزماتها من الوقود والطاقة الكهربائية وتحسب لتلك المواجهة ألف حساب، وهذا مما يُحفز المسؤولين على الاقتصاد في الاستهلاك، بدلاً من رمي الكرة في ميدان وزارة المالية التي ليس لديها إشرافاً مباشراً على الاستهلاك. ونظن أن ذلك سيُؤدي في النهاية إلى مراقبة الاستهلاك بدقة.
وهناك مجال أوسع لتخفيض استهلاك الوقود على الطرق العامة، وهو الحد من حركة الشاحنات الثقيلة التي يبلغ عددها مئات الآلاف، وإذا استمر نموها فسوف تصل المليون، فهي سلسلة تسير على الطرق ليس لها طرف. وقد نما عدد تلك المركبات وترعرع تحت ظل عدم وجود شبكة خطوط حديدية في أنحاء المملكة، وإلى درجة ما لقصور في سياسة ومخططات سكة الحديد القديمة الموصلة بين الرياض والمنطقة الشرقية، التي لم يكن من أولوياتها نقل المواد الثقيلة الواردة عن طريق ميناء الدمام وتسليمها في ميناء الرياض الجاف، وكذلك العكس، مما كان يتطلب ترتيبات خاصة تجعل نقل سكة الحديد أيسر وأفضل من استخدام الشاحنات. بل تركوا تلك المهمة لمركبات النقل الكبيرة. وهذه الشاحنات دون شك تستهلك كميات هائلة من الوقود، ويتطلب تشغيلها أيضا توفير مئات الألوف من العمالة الأجنبية التي مضارها أكثر من نفعها. أما تدميرها للطرق وتأثير عوادم احتراق الوقود داخل محركاتها في البيئة وخطرها على سلامة السير فحدِّث ولا حرج. ولكننا هنا بصدد محاولة توفير الوقود الذي تستهلكه، وهذا لن يأتي في يوم وليلة. فنحن نتمنى أن يكون ضمن الخطط الطموحة التي تتبناها الدولة والمتمثلة في إنشاء شبكة متكاملة من الخطوط الحديدية التي ستربط مدن المملكة من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، أن يكون من أهداف هذا المشروع العصري المتميز تحويل نقل الأحمال الثقيلة من المركبات إلى عربات السكة الحديدية كما هو معمول به في معظم بلاد العالم. فإلى جانب توفير ملايين البراميل من الديزل الذي هو هدف استراتيجي والاستغناء عن عدد كبير من العمالة الوافدة، فإنه سيحفظ لاقتصادنا بلايين الدولارات من النقد الذي ندفعه اليوم قيمة لشراء تلك الشاحنات. وإذا لم نستدرك الأمر من الآن وسمحنا لاستمرار الوضع الحالي الذي يزداد سوءاً مع مرور الوقت، فنخشى أن تُؤدي تلك العوامل مجتمعة إلى حدوث ما يشبه كارثة متعددة الجوانب اقتصادياًّ واجتماعياًّ وبيئياًّ.
وبما أن توليد الطاقة الكهربائية التي نستهلكها تستخدم كميات كبيرة من الغاز والمشتقات النفطية، فنرجو أن يكون ذلك دافعاً لنا للبدء في استخدام الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء التي سنؤول إليها عاجلاً أم آجلاً، وفي الوقت نفسه، نعمل على توفير كماًّ كبيراً من الوقود.
وأود أن أضيف عاملا مهما في سبيل محاولة تخفيض استهلاك الوقود، وهو ضرورة توعية أفراد المجتمع بفوائد الاقتصاد في الاستهلاك وعواقب الاستمرار على النمط الحالي وعدم المبالاة.
* عثمان الخويطر: نائب رئيس شركة أرامكو سابقاً.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*