انعدام الثقافة النفطية بين المواطنين

انعدام الثقافة النفطية بين المواطنين
عثمان الخويطر
صحيفة الاقتصداية – 17 مايو 2009

على الرغم من أن بلادنا ـ الله يحفظها ـ تُعد أكبر منتج للنفط في العالم وأرضنا تحتضن أكبر احتياطي من النفط، و اقتصادنا الوطني يعتمد بنسبة كبيرة على مدخولنا من إنتاج النفط، إلا أن ما يُطلق عليه “الثقافة النفطية” بين عامة أفراد الشعب تكاد تكون معدومة. وإذا علمنا أن النفط هو مادة ناضبة وله أجل محدود، تتضاعف أهمية معرفة مستقبله ومدة الاعتماد عليه، وماذا بعده، خصوصاً إذا انعدم وجود ما يمكن أن يقوم مقامه كمصدر للدخل، كحالنا نحن على ظهر هذه الصحراء المباركة. وقد سبق أن تطرق إلى هذا الموضوع بعض الإخوان من المتخصصين في صناعة واقتصاديات النفط وأكدوا أهمية وضرورة نشر هذه الثقافة في المجتمع.
والثقافة النفطية التي ندعو إلى نشرها هي مادة سهلة ومن الممكن تبسيط دراستها لغير المتخصصين، حيث تشمل دراسة أصل وجود النفط وتكوينه في مكامنه تحت أعماق مختلفة من الأرض ومركباته المكوَّنة من الغازات والسوائل وُطرُق اكتشافه ثم إنتاجه وتحويله إلى عمليات التكرير ووسائل النقل التي تًوصله إلى المستهلك في جميع أنحاء العالم. ولكن الثقافة النفطية التي نود أن يُلمَّ بها المواطن لا تقتصر على معرفة أصل تكوين المواد الهيدروكربونية، وهو الاسم الأشمل للنفط، ومراحل الإنتاج. فهناك التسويق والمنافسة بين المنتجين الآخرين ومستقبل مصادر الطاقة بوجه عام وتأثير المصادر البديلة على مستقبل النفط، وأسعار النفط الحالية والمستقبلية، والعوامل السياسية التي غالباً ما تلعب دوراً إيجابياًّ أو سلبياّ لرفع أو خفض الأسعار، وكلها أمور جوهرية بالنسبة لنا كمواطنين لارتباطها المباشر بمستقبلنا.
ونظراً لطبيعة السياسات الدولية والعوامل الكثيرة التي تلعب دوراً بارزاً في توجيه المصالح المختلفة لكل دولة، فقد تميزت الصناعة النفطية بعدم الشفافية فيما يتعلق بالاحتياطي الثابت وجوده وتكاليف الإنتاج والمشكلات الفنية التي قد يتعرض لها الطرف المنتج، وتقدير نسبة الاستخلاص الكلية، وهي أعلى نسبة من الممكن إنتاجها من الاحتياطي النفطي التي يحتوي عليها الحقل قبل بدء الإنتاج. فلو مثلاً فرضنا أن حقلاً جديداً كان يحوي، حسب التقديرات الأولية مليار برميل من النفط الخام، فإن ما يمكن إنتاجه بالطرق التقليدية الحالية من هذه الكمية خلال عشرات السنين حتى يوشك على النضوب يتراوح بين 30 إلى 70 في المائة من المليار برميل، وذلك حسب طبيعة الصخور الحاملة للنفط والضغط داخل المكامن وعوامل جيولوجية أخرى. أما الباقي فيظل ملتصقاً بجدران المسام “الميكروسكوبية” لطبقات تلك الصخور ويصعب جذبه منها. ويأمل مهندسو مكامن النفط أن يجدوا في المستقبل طرقاً اقتصادية تساعد على زيادة الكمية المُنتجة عن طريق عوامل مساعدة مثل ضخ مواد كيماوية أو غازات إلى قاع آبار النفط. وصعوبة إنتاج نسبة أكبر من السوائل النفطية، يعود إلى كون الصخور الحاملة للنفط تقع على أعماق تزيد على ستة آلاف قدم تحت سطح الأرض، حيث يكون من المُكلف وربما المستحيل الوصول إليها عن طريق حفر الأنفاق كما يستخرجون الفحم الحجري، وإلا لأمكن هرس الصخور ونقلها إلى سطح الأرض واستخلاص كمية النفط المتبقية. ونشر الثقافة النفطية بين المواطنين لا يكفي أن يكون محصوراً بإلقاء المحاضرات ونشر المقالات في الصحف والمجلات. إذ لا بُدَّ من إضافة هذه المادة المهمة إلى المواد الدراسية في المراحل المتوسطة والثانوية، حيث يقوم بتدريسها مُعلمون مُؤهلون نسبياًّ.
وما نشاهده اليوم من الإسراف المخيف الذي نمارسه في حياتنا من أكل وشرب ووسائل مواصلات واستهلاك مفرط للطاقة ورفاهية تكاد تدمِّر مستقبل أجيالنا، كل ذلك نتيجة عدم إدراكنا أن مصدر ثروتنا “المؤقتة” هو مَعين ناضب. وقد يتساءل الكثيرون عن وقت نضوب النفط، وهو أمر قد يختلف عليه حتى المختصون. و لكن مهما اختلفت الآراء والتنبُّؤات، فإن احتياطي النفط الموجود في العالم سيبدأ في غضون سنوات قليلة في الهبوط، وهو أمر طبيعي إذا لم تُكتشف روافد جديدة من حقول النفط. ولعله من المناسب أن نذكر هنا أن استعمالنا لكلمة “نضوب” هو مجازي ولا يُقصد بها النضوب الكامل ونهاية عصر النفط. فالنفط باق إلى عقود طويلة، ولكن كمية الإنتاج ستقل بالتدريج عن إنتاج اليوم مع مرور الوقت. وستواجهنا نحن مواطني دول الخليج تحديات كبيرة إذا بدأ يقلُّ الدخل، ونحن لا نزال على وضعنا الحاضر من انغماس شديد في الحياة المُرفهة ومن اعتماد شبه كلي على هذه الأموال التي تنهمرُ علينا دون أي مجهود نبذله، فما علينا إلا أن نفتح صنابير آبار النفط ويتدفق بالكميات التي نريدها. فحريٌّ بنا أن نكون أكثر واقعية ونحاول أن نوازن بين حياتنا اليوم وبين ما سيؤول إليه مصير أجيالنا في المستقبل، وهذا لا يتأتى إلا من خلال معرفة مستقبل مصدر ثروتنا التي هي أيضا ثروتهم. ومما يجعل وضع الأجيال المقبلة أكثر حرجاً من الوجهة الاقتصادية، كون الانخفاض المتوقع في الدخل العام ربما يتناسب عكسياًّ مع عدد السكان في المستقبل الذي يتضاعف كل 30 سنة.
والمعلومات التي نقترح إضافتها إلى المناهج الدراسية لا تشمل النظريات المعقدة ولا المعادلات الرياضية والمسائل الفنية، بل فقط شرح مُبسَّط وشيِّق لمعلومات نكاد نجزم أنها ستفيد الطلاب وتزيد من وعيهم وثقافتهم الاقتصادية. وهي حتماً لن تكون أقل أهمية من بعض المواد الدراسية التي تُقدم للطلاب والطالبات ضمن البرنامج الدراسي العام، مثل دراسة الجغرافيا والتاريخ والعلوم الاجتماعية والتربية الوطنية. ومن الضروري أن تكون المادة الجديدة إجبارية وليست اختيارية، و لكنها لا تكون مرتبطة بالنجاح حتى لا يتضايق منها الطالب، ويكون الغرض الرئيس من تقديمها هو لإحاطة الطلاب والطالبات وهم أجيال المستقبل بمستقبل اقتصاد بلادهم.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*