خوفنا ليس من الاستغناء عن النفط بل من نضوبه

خوفنا ليس من الاستغناء عن النفط بل من نضوبه
عثمان الخويطر
صحيفة الاقتصادية – 10 مايو 2009

أطلَّ علينا من برجه العاجي ليخبرنا وبكل ثقة بأن لدينا من النفط كميات هائلة لا تنضب! ونحن نتمنى لو أن ذلك كان صحيحاً. ويستطرد صاحبنا قائلاً: إنَّ أحفادنا سيعيشون “على هذه الأرض القاحلة” مع نفط لن يجدوا منْ يشتريه! ولم يُكمل، لا ُفضَّ فوه، ليُبيِّن لنا ـ حفظه الله ـ ما البدائل الجديدة لمصادر الطاقة التي ستجعل من النفط سلعة “بايرة” خلال عقود قليلة! نحن لدينا معلومات مُؤكدة و مُوثَّقة بكميات الاحتياطي النفطي الذي تختنزه أرضنا، ونعرف مقدار ما ننتجه في اليوم والسنة، وكم من السنوات سيستغرق الإنتاج قبل النضوب حسب المعطيات الحالية. وبحكم خبرتنا ودراساتنا وعلاقاتنا المباشرة مع الأطراف المستهلكة للطاقة النفطية نعلم أنه ليس لديهم إمكانية الاستغناء عن النفط خلال المستقبل المنظور. فلماذا نترك الحقائق جانباً و نُكلِّف أنفسنا فوق طاقتها لنأتي بنبوءات ما أنزل الله بها من سلطان وغير مُؤيَّدة علمياًّ؟ والأقرب إلى المنطق وإلى الصواب هو خشيتنا من أن يأتي اليوم الذي لا نجد فيه نفطاً نبيعه.
والكل يعلم أن عدداً من الدول الغنية والمتقدمة علمياًّ تُجري بحوثاً متقدمة ومكثفة للوصول إلى إيجاد مصادر جديدة للطاقة، ليس من أجل إحلالها مكان النفط وهو لا يزال حيا ينبُع، وإنما لكي تكون في متناول الجميع عند ما لا يكون هناك ما يكفي من النفط. وعلى الرغم من امتلاكنا كميات كبيرة نسبياًّ من الاحتياطي النفطي، إلا أننا نشجع ونبارك القيام بتلك البحوث ونتمنى أن يُوفِّق الله المجتمع الدولي لإيجاد بدائل تكون متوافرة لنا ولهم عند الحاجة. وبحوث مصادر الطاقة التي تجري متابعتها في أكثر من مكان في هذا العالم الفسيح معروفة للجميع، وليس من بينها ما يبعث على أمل كبير في إيجاد مصدر واحد ينافس المصادر النفطية. ولا أحد اليوم يستطيع استغفال المجتمعات البشرية ويقول إننا على أبواب اكتشافٍ سحري سيجعل مصادر الطاقة النفطية من مخلفات الماضي. أين هي المصادر العلمية التي تثبت لنا أن العالم يوشك أن يستغني عن النفط بوجود ما هو أفضل منه؟ نحن جميعاً في هذا العصر نعيش حياتنا وسط شفافية عالمية تسودها المصالح المشتركة، فالكل يعلم ماذا يعمل الآخر والمصادر العلمية واحدة.
دعونا نعيش الواقع ونترك الأوهام والتخيلات والتمنيات، ونُحكِّم عقولنا ونتدبر أمورنا ونبني مخططات مستقبلنا على أساس علمي لا لبس فيه ولا تخمين. لقد استثمر العالم مئات التريليونات من العملات الثمينة في البنية التحتية لصناعة النفط، من بداية الاستكشاف إلى معامل الإنتاج والتكرير والنقل إلى تشييد مصانع جميع وسائل المواصلات ومحطات توليد الطاقة، وكلها مهيأة لاستخدام مشتقات النفط كوقود. وإذا لم تكن البدائل الجديدة لمصادر الطاقة من جنس وطبيعة مواد المشتقات النفطية فهذا يعني أن قسماً كبيراً من تلك المرافق المُكلفة ستُصبح دون فائدة ويستَغنى عنها العالم. من الذي يريد أن يُفرِّط بهذه الضخامة من الأموال والممتلكات وُيودُّ أن ينشئ بنية تحتية جديدة لا تقل تكلفة، إلا في الحالات الضرورية القصوى التي ينعدم فيها وجود النفط؟
نحن ولله الحمد والشكر نمتلك نسبياًّ ثروة كبيرة من الاحتياطي النفطي، مقارنة بما يمتلكه الآخرون، ولا يزال لدينا أمل كبير في أن نكتشف المزيد، ولكن في نهاية الأمر فهو قابل للنضوب. ومعظم المنتجين الآخرين يفقدون سنوياًّ نسبة كبيرة من احتياطي النفط لديهم، مع استمرار زيادة الطلب العالمي على الطاقة، مما قد يدفع الدول المستهلكة لطلب كميات أكبر من إنتاجنا. ومعلوم أنه كلما ارتفع مستوى كمية الإنتاج قلَّ عُمْر بقاء النفط، وهو ما ليس في صالح مستقبل أجيالنا. فعلى سبيل المثال، كانت الولايات المتحدة في الماضي تنتج أكثر من عشرة ملايين برميل من النفط يوميا، وفي الوقت الحاضر أقصى إنتاجها لا يتعدى خمسة ملايين برميل في اليوم. وبحر الشمال وصلت ذروة إنتاجه إلى سبعة ملايين و500 ألف برميل في اليوم، والآن لا يُنتجون أكثر من أربعة ملايين برميل في اليوم. وهناك عدة دول أخرى كانت تصدر فائضاً كبيراً من إنتاجها وأصبحت أخيرا تستورد النفط الخام  والمشتقات النفطية بعد أن انخفض إنتاجها وزاد استهلاكها المحلي. ونود أن نوضح أن تلك الدول التي فقدت المقدرة على التصدير لم يتأثر اقتصادها كثيراً عند ما نفد جزء كبير من ثروتها النفطية لأن لديهم من مقومات الحياة ومصادر الدخل ما يُعوِّض عما فقدوه. فلديهم وفرة الأمطار والأنهار والمنتجات الصناعية المتقدمة والتفوق التكنولوجي والأيدي العاملة الماهرة، وهو ما لا ليس متوافراً لدينا في دول الخليج. وهو ما يعني أن وضعنا المادي سيكون أكثر صعوبة عند قرب انتهاء عصر النفط ولو بعد عقود طويلة، إذا لم نُعِد أنفسنا من الآن لحياة ما بعد النفط.
الخطر الذي يُهدد مستقبل بلادنا ومتطلبات أجيالنا المعيشية لن يكون الاستغناء عن النفط لعدم الحاجة إليه كما يدَّعي البعض، بل الزَّهو والتفاخر بما نمتلك اليوم من الاحتياطي النفطي الكبير، والظن بأن ليس له نهاية، سواء طال عُمُرُه أم قصر، خصوصاً أننا أمة قد جُبِلت على الإسراف والتبذير في الإنفاق عند ما تتوافر لدينا السيولة المادية. والأوْلى أن نحمد الله على ما منَّ به علينا من النِّعم الكثيرة ونحافظ على هذه الثروة التي بين أيدينا وألا نفرِّط بشيء منها ُرغبة في إرضاء الآخرين أو مجاملة من أجل كسب الود، ونحن نعلم أننا أقل حظاًّ منهم في كثير من موارد الدخل كبدائل للنفط، ولا نتوقع على الإطلاق أن يهُبُّوا لمساعدتنا عند الحاجة في أي ظرف أو زمان.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*