العرب بلا بدائل بعد زمن النفط!

العرب بلا بدائل بعد زمن النفط!
سيّار الجميل
جريدة إيلاف الإلكترونية 14 ابريل 2009

متى يختفي النفط؟
لقد كان من حسن الحظ، أن نناقش في الاجتماع الأخير لهيئة دراسات المستقبل المنعقد في روما يوم 23 ديسمبر 2008، التفكير لما بعد زمن البترول، ونحن نستمع إلى الزميلة د. يوشي شاكا التي قالت في ” تقريرها ” الخطير الذي أعده خبراء يابانيون مؤخرا، ذلك أن النفط سينفذ مع العام 2069، إذا استمر معدل استخدامه، كما هو عليه اليوم، ولكنه سيختفي مع العام 2050 إذا ازدادت معدلات المحروقات نسبة لزيادة السكان على وجه الأرض! إن العالم منشغل بمصيرنا، والعرب غير مكترثين أبدا لما سيؤول إليه حالهم. وثمة من يريد أن يقدّم مشروعات ذكية لكل مجتمعاتنا ودولنا، ولكن السلطات العربية منشغلة بنزاعاتها وانقساماتها ويا للأسف الشديد. إن أمن المنطقة كله سيكون مهددا مع توالي الأيام، إن لم تؤسس بدائل حقيقية! ربما سيكون البرميل الأخير من النفط عراقيا، وبالرغم من أن العراق مؤهلا لخلق بدائل نظرا لما يمتلكه من ثروات طبيعية، ولكنه بحاجة إلى زمن طويل حتى يحرر إرادته، ويتخلص من مشكلاته، ويعيد بناء نفسه، ويحافظ على أمنه استقراره.

الأسئلة الصعبة
ينبغي أن يسأل العرب أنفسهم جملة أسئلة، وهم يواجهون المستقبل بلا أية أدوات، ولا أية استراتيجيات، ولا أية مشروعات، خصوصا وان عصر النفط قد بدأت نهايته التاريخية: ماذا أعددنا من خطط واستراتيجيات، يصل أمدها إلى العام 2050 م؟ كيف ستواجه الأجيال العربية القادمة مصيرها من دون ثروات نفطية؟ أين ذهبت مليارات الدولارات من العوائد النفطية العربية على امتداد نصف قرن مضى؟ هل تحققت أية ثورة إنتاجية عربية، زراعية كانت، أم صناعية، أم تعليمية تنموية؟ ما دور السياسات والشعارات التي راجت على مدى خمسين سنة مضت من دون أي نتائج تذكرنا بالحد الأدنى، مقارنة بمجتمعات أخرى في العالم بدأت مشروعاتها من بعدنا، وقد تفوقت علينا تفوقا مخجلا لنا؟ منذ خمسين سنة ونحن نسمع بالتنمية العربية وتهيئة المستقبل للأجيال المقبلة.. فأين الخلل بعيدا عن العواطف السياسية، والانتماءات الإيديولوجية، والنوازع الدينية؟ واليوم، ثمة مليارات عربية مجمدة، وثمة صرف وتبديد للأموال في غير محلها، وثمة انسحاق للبنية النفطية العراقية منذ العام 1991 ولم تعد حتى الآن! وثمة صعود ونزول في أسعار البترول..

ضرورة التحولات
إن بعض الزعماء العقلاء يدركون حجم الخطر القادم، بل ولديهم بعض الأفكار عن تحديات كبرى لا قبل لنا بها ستواجهنا شئنا أم أبينا.. ولكن هل بإمكانهم أن يبقوا ضمن الأطر التي هم فيها؟ وهل ينفع ما يمكن فعله؟ هل الأمر ينحصر بمسألة إصلاحات شكلية لا نفع فيها أبدا؟ ألا يقتضي الأمر البدء بإستراتيجية تغيير شامل من اجل قطع دابر التخلف، وعوامل نموه، وإقصاء عناصره إقصاء كاملا، والبدء ببرامج حقيقية لتغيير وجه الحياة العربية وأساليبها.. والعمل على خلق عوامل إنتاج جديدة، ورفع مستوى الوظائف والأعمال عن طريق تعزيز الإنتاج لزيادة دخل الفرد.. والحفاظ على الثروات واستثمارها دون تبديدها، والتشديد على ضرورة تحولات اقتصادية جذرية كي نجد جملة بدائل حقيقية بعد أن ينتهي زمن النفط تماما! إن مجتمعاتنا قاطبة، تعيش مشكلات لا حصر لها، وليس للدولة أن يكون لها مخرجا، إلا بإيجاد حلول واقعية لتلك المجتمعات التي أصبحت عالة على الدول، ليس في مجالات مهام الدولة الأساسية كالقضاء، والعدالة، والأمن، والدفاع، بل حتى في مرافق أخرى تتصل بالتربية والتعليم والصحة والخدمات.

الوعي بالتناقضات
إن مشكلة الوعي بمخاطر زمن ما بعد النفط لا تكمن عند الدول حسب، بل أنها كامنة في كل مجتمعاتنا التي تعّود أبناؤها الكسل، والتواكل، والعجز، والبطالة المقنعة، والهروب من المسؤولية، وانعدام الإخلاص في العمل.. ولقد كانت سياسات الدول العربية قاطبة وراء هذه الحالات بأشكال مختلفة. إن شعور المجتمعات بالإحباط كونها اعتمدت على الدول في توفير كل الفرص، ولما كانت الدول عاجزة عن دفع المجتمعات، نتيجة سوء التكوين التربوي، واستسهال الحياة والاستخفاف بها، فضلا عن امتلاك الدول والحكومات لوسائل الإنتاج.. إضافة إلى إخفاق التجارب الاشتراكية في أهم الدول ذات الكثرة السكانية، مثل مصر، والعراق، والجزائر، وسوريا.. قد خلق تناقضات لا حصر لها أبدا اليوم، فكيف ستغدو هذه التناقضات بكل تفاقمها بعد خمسين سنة من اليوم، وقد رحل زمن النفط من دون رجعة؟

إجراءات التغيير: ضرورة واقعية
إن الطموحات التي يتحدث بها الزعماء، وهم يمنّون شعوبهم بالتطلعات والحياة الكريمة ينبغي أن تصاحبها إجراءات تعمل صوب أهدافها لما بعد زمن النفط.. إن النفط هو الوحيد الذي يعطي اليوم قيمة لمن يملكه ويحدد حجمه في العالم، ولكن من دونه، فسوف لا يلتفت العالم نحونا أبدا، إلا إن خلقنا لأنفسنا وسائل إنتاج جديدة، ومصادر ثروات جديدة أخرى لحياتنا.. وسيلتفت إلينا العالم من جديد لو احتاج لنا ولوسائلنا وثرواتنا الأخرى مهما كانت تلك الثروات!
إن أي دعوة للتغيير وإيجاد بدائل إنتاجية جديدة، لا يعد ترويجا لأفكار غير واقعية، كما يقول بعض سدنة شركات البترول العربية اليوم والذين يضحكون على حكومات الدول وعلى أنفسهم عندما يقولون بان الوضع القائم والمستقبلي ” مطمئن “!! يقول رئيس شركة أرامكو السعودية عبد الله جمعة ذلك، ويضيف بأن الاعتماد على البدائل الجديدة للبترول هو أمر ” غير واقعي “. وبالرغم من كونه كشف أن الدول العربية ” تختزن نحو 65 في المائة من الاحتياط العالمي المثبت من المصادر التقليدية، وأنها تؤمن نحو 30 في المائة من الإمدادات العالمية، في حين أن بدائل البترول ليست جاهزة تماماً “. انه هنا يخدع كل من يسمعه، وهو لا يدرك بأن العرب ليس باستطاعتهم اليوم الاعتماد على البدائل الجديدة، ولكن باستطاعتهم التفكير بما يمكن عمله من اجل درء أخطار المستقبل المهولة..

الطاقة: أمن قومي يخص مستقبل الأجيال
وإذا كان قد استشهد بمعلومات حديثة ـ كما يزعم ـ، وأنها من ( مركز أبحاث ) من دون أن يذكر اسم المركز، ولا أين نجد تقاريره، فانه يدّعي بأن المعلومات تخبرنا بأن العالم ” لم يستخرج حتى الآن سوى 10 في المائة من الثروة البترولية الإجمالية من المصادر التقليدية وغير التقليدية” ( كذا ). وذهب يؤكد أن الثروات البترولية ” تكفي العالم مئة سنة وقد تصل إلى مائتين”، هكذا، وكأنه يتكلم عن شيء ملموس وموثوق منه ليطلق عليه مئة ومائتين سنة!. وعليه، إذا كان رئيس شركة أرامكو يروّج لمثل هكذا أقاويل لا نعرف مصدرها، فان رئيس لجنة الطاقة في البرلمان المصري محمد أبو العينين قال بأن الدول المتقدمة ” نظرت إلى الطاقة كأمن قومي يمس مستقبل الأجيال”، وخالف ما طرحه رئيس ” أرامكو” في قضية نضوب النفط، إذ أكد أن هذا القرن هو ” نهاية النفط والغاز الطبيعي، وبالتالي علينا التفكير في بدائل الطاقة الحقيقية، وبناء تكنولوجيا عربية منها”. فيما أقر نائب رئيس شركة (شل) العالمية جون ميلز، بأن الطلب على الطاقة ” يتزايد”، مشيراً إلى أن المصادر التقليدية ” ستعاني من المشاكل المعقدة بسبب هذا التسارع”. وأكد أن نهاية هذا القرن ” ستشهد نقصاً في استخدام الطاقة”. وطالب بأن ” يكون استخدامنا للطاقة فاعلاً قبل عام 2050″.

جرس انذار متأخر
وأخيرا أقول: إن السؤال الذي يستلزم على كل عربي أن يسأله ويحاول أن يجيب عليه، هو: كيف سيكون العرب في العام 2050؟ وماذا تهيئ من مستلزمات حتى يومنا هذا؟ وهل ثمة مشروعات مستقبلية لإيجاد بدائل حيوية وحقيقية تقي بلادنا ومجتمعاتنا مشكلات ومعضلات لا قبل لأولادنا وأحفادنا مواجهتها؟ إنني أناشد السلطات العربية قاطبة بأن تضع هذه ” الحقائق ” نصب أعينها، وان تتأكد من صحة ” التقارير” التي يقدّمها لهم من له مصالح خاصة، يقدّمها على المصالح العليا للمنطقة بأسرها.. وإذا كانت تركيا تستعد منذ الآن لإيجاد بدائل ثورة ري زراعية، فان إيران، هي الأخرى ستصادف شبح الفراغ بعد نفاذ بترولها، بالرغم من قدرتها على التكيّف مع المستقبل لثرواتها الطبيعية الأخرى.. إن البلدان العربية قاطبة إن لم تعالج، وبجدية كبيرة، مثل هذا الموضوع الخطير.. فإنها ترتكب اكبر جناية بحق أجيالنا القادمة التي ستواجه الحياة الصعبة مع المستقبل المجهول.. وستجد نفسها إزاء مجتمعات أخرى نجحت في استقطاب الفرص وخلق البدائل، في حين أن العرب سيجدون أنفسهم فجأة على هامش الزمن، وهم يعانون من خواء الإنتاج، وتبدد المدخولات وانعدامها، وهم يعانون من مشاكل المياه والطاقة.. وتحديات المجهول الأخرى. انه جرس إنذار متأخر اقرعه لكل الناس من اجل التفكير الجاد بخلق البدائل الحقيقية.. ومن أجل البدء بمشروعات تنموية جادة.. وان يحافظوا على ثرواتهم وأموالهم، إذ كفاهم تبديدا لها.. فهل من مجيب؟ إنني اشك في ذلك!

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*