متى ينضب النفط؟

متى ينضب النفط؟
دبي: يزن نعمة
مجلة صانعوا الحدث 31\1\2009

من هي الدول التي لديها أكبر احتياطي من النفط في العالم، ومن هي الدول الأكثر استهلاكاً، وكم لدينا من الوقت قبل نفاد هذه المادة قبل أن نعتمد على الطاقة البديلة بشكل كامل؟
قد لا تكون كمية النفط الموجودة في باطن الكرة الأرضية مشكلة في الوقت الحالي لتلبية الطلب، فيؤكد توني هاورد، رئيس شركة “بي بي” البريطانية، أحد أكبر شركات النفط في العالم، أننا لن نعاني من نقص كميات النفط، ويدعم أقواله بالنتائج التي توصلت إليها دراسة إحصائية مهمة قامت بها الشركة ونشرتها في يونيو الماضي، ويقول هاورد إن كمية النفط المكتشفة حتى اليوم تكفي البشرية لمدة 42 عاماً، إذا بقيت نسبة الاستهلاك على وضعها الحالي، وقد أكدت الدراسة أن البشرية استهلكت حتى اليوم حوالي التريليون برميل نفط، وأن تريليون برميل جاهز للاستخراج، فيما من الممكن استخراج تريليون ثالث إذا ما تم الاستثمار والعمل بشكل صحيح لاستخراجها.
إلا أن المشكلة التي صورها هاورد بهذه البساطة، لها تداعيات أخرى وعقبات كثيرة، ومن المستبعد أن يكون رجل النفط هذا بجاهل لهذه المشكلات، إلا أن هدفه من هذه التصريحات قد يكون توسيع أعمال شركته. فيلوم هاورد السياسات الضعيفة، ويقول إن شركات حكومية تتحكم بثمانين بالمئة من احتياطي النفط في العالم، وتقف الحكومات في وجه الشركات الخاصة، كشركته، التي يترأسها، وتمنعها من التوسع في الاستخراج. كما يعتبر هاورد أن الوصول إلى استخراج 100 مليون برميل نفط أو أكثر من الاحتياطي العالمي أمر سهل، مع أن هذه قفزة كبيرة من معدل الإنتاج الذي يصل إلى 82 مليون برميل يومياً، وهو أمر لا يتفق عليه الكثير من رجال النفط الكبار، وعلى رأسهم رئيس شركة توتال الفرنسية، كريستوف دو مارجيري.
ومن أهم المشكلات التي تتناقض مع هذه التصريحات، هي أن استخراج التريليون الثاني والثالث لن يكون بالسهولة نفسها كاستخراج التريليون الأول، مما يعني استثمارات بحجم قد لا يكون المستثمرون على استعداد للمخاطرة به، خصوصاً في ظل أسعار النفط المتبدلة بطريقة يتفق الجميع على أنها غير منطقية، وفي ظل أحد أخطر الأزمات الاقتصادية التي يشهدها الاقتصاد العالمي في تاريخه. وهو الأمر الذي أضعف من ثقة المستثمرين في جميع المجالات. وعلى سبيل المثال، كندا هي صاحبة ثاني أكبر احتياطي للنفط في العالم، بسبب الرمال النفطية في هذه الدولة، وتمثل أهم احتياطي مثبت بعد المملكة العربية السعودية، ويقدر بـ 178.8 مليار برميل، حسب “فاكت بوك”، إلا أن استخراج النفط من الرمال يتطلب تقنية عالية وتكاليف تفوق بكثير تكاليف استخراج النفط السائل العادي.
بالإضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من التراجع في الطلب على النفط بسبب الأزمة الاقتصادية، إلا أن جميع المؤشرات تدل على أن استهلاك النفط سيزداد بشكل كبير في المستقبل، ومع أن الاستهلاك في الدول الغنية انخفض بنسبة واحد بالمئة، كالولايات المتحدة التي انخفض فيها الاستهلاك بنسبة 0.1 بالمئة، والاتحاد الأوروبي بنسبة 2.6 بالمئة، بسبب ارتفاع الأسعار والضرائب والتوعية البيئية ومصادر الطاقة البديلة، إلا أن الاستهلاك ازداد بنسبة أربعة بالمئة في الدول النامية، وذلك لأن اقتصاد الدول النامية ينمو بشكل أسرع من الدول المتقدمة، فازداد الاستهلاك في الصين بنسبة 4.1 بالمئة، وفي الهند بنسبة 6.7 بالمئة، ومن المتوقع ازدياد الطلب على الطاقة بشكل هائل في السنوات القادمة في هذين العملاقين الآسيويين، وسيشكل نسبة 47 بالمئة من نسبة زيادة الطلب في العالم حتى عام 2030م، وقد توقع تقرير خبراء منظمة “إينرجي إنفورماشين أدمينستراشين” التابعة للحكومة الأمريكية، أن الطلب على النفط في الصين سينمو بنسبة مئة بالمئة قبل عام 2030م، وقد شهدت الدول التي تدعم أسعار الوقود أكبر نسب زيادة في الاستهلاك، ومن أهمها دول الخليج، التي تشهد بالإضافة إلى انخفاض أسعار الوقود نهضة اقتصادية هائلة تتطلب طاقة كبيرة. ففي المملكة العربية السعودية، ازداد الاستهلاك بنسبة 7.2 بالمئة، وفي الإمارات بنسبة 7.7 بالمئة، وفي قطر بنسبة 21.7 بالمئة، وهو أعلى نسبة زيادة في الاستهلاك في العالم، وقد ضغطت الحكومات الغربية على دول الخليج مؤخراً لرفع الدعم عن الوقود، لتخفف من الطلب، وتساعد على تخفيض الأسعار، إلا أن هذه الدول رفضت ذلك، مؤكدة أن الذي يدفع الأسعار للارتفاع هو الأسواق المالية وليس زيادة الطلب. وهذه الأرقام حسب تقرير شركة “بي بي”.
توقع عدد من المؤسسات النفطية انخفاض الطلب بنسب صغيرة بعد زيادة الأسعار، ففي تقريرها السنوي الذي نشرته “أوبك” في فترة وصول أسعار النفط إلى 147 دولاراً، أعلنت المؤسسة أن توقعاتها للطلب العالمي على النفط ستقتصر على 113.3 مليون برميل في اليوم في عام 2030م، في الوقت الذي توقعت وصول الطلب إلى 117.6 مليون برميل في تقرير العام السابق.
يذكر أن تقرير “بي بي” يعتمد على الإحصائيات التي تتقدم بها الدول، والتي قد تكون مختلفة عن الواقع. ففي الكويت، في عام 2006م، أعلنت المصادر الرسمية للدولة أن حجم احتياطي الكويت هو 99 مليار برميل، أي حوالي 10 بالمئة من حجم الاحتياطي العالمي، إلا أن “بيترول إنتليجينس ويكلي” المجلة المتخصصة في مجال النفط، حصلت على معلومات من مصدر داخلي في شركة النفط الكويتية صرح بأن احتياطي النفط الكويتي المؤكد يبلغ 48 مليار برميل نفط فقط. وإذا كان هذا المقال صحيحاً، فسنجد تضارباً كبيراً في أرقام الاحتياطيات في العالم. كما ذكرت بعض الدراسات بأن الاحتياطيات العالمية المؤكدة ليست 1200 مليار برميل، كما هو معلن رسمياً، بل 780 مليار برميل. وترى هذه الدراسات أن الخطأ في التقدير يخص الدول الخمس الأولى في احتياطي النفط، والتي تعلن عن امتلاك 710 مليار برميل، في حين أنه لا يتوفر لديها إلا 340 مليار برميل. فمثلاً الاحتياطيات السعودية “حسب هذه الدراسات” 181 مليار برميل، والاحتياطيات الإيرانية 44 مليار برميل، في حين أنها في التقرير الذي أصدرته “بريتيش بتروليوم” فالسعودية تمتلك 264 مليار برميل تقريباً، وإيران 138 مليار برميل تقريباً.
والكويت هي صاحبة رابع أكبر احتياطي في العالم، إذا استثنينا كندا، وتأتي بعد المملكة العربية السعودية، التي تمتلك تقريباً خمس احتياطي العالم، 246.2 مليار برميل، تليها إيران في المركز الثاني بـ 138.4 مليار برميل، ثم العراق بـ 115 مليار برميل، وتأتي الإمارات في المركز الخامس بـ 97.8 مليار برميل، ثم فنزويلا 87 مليار برميل، ثم روسيا 79 مليار برميل، ثم ليبيا 41.5 مليار برميل، ثم كازاخستان 39.8 مليار برميل، ثم نيجريا 36.2 مليار برميل.
أما على صعيد الاستهلاك، فتبقى الولايات المتحدة بالمركز الأول، وبفارق كبير عن أي بلد آخر. إذ بلغ معدل الاستهلاك 20.69 مليون برميل يومياً، وهو ما يعادل 23.9 بالمئة من الاستهلاك العالمي، ويعادل ضعف معدل الاستهلاك في الصين والهند مجتمعتين، ويذكر أن الولايات المتحدة تستورد الغالبية العظمى من نفطها، على الرغم من امتلاكها لاحتياطي يقدر بـ 29 مليار برميل. وفي عام 1981م أصدر مجلس الشيوخ الأمريكي قانوناً يمنع استخراج النفط من الشواطئ الأمريكية، لما قيل وقتها إنه لأسباب بيئية، ولعدم التسبب بضرر هذه الشواطئ. على الرغم من اعتقاد الكثيرين أن هذا القانون يرجع لسببين، الأول هو التكلفة العالية لاستخراج النفط في الحقول الأمريكية، والثاني سياسي، بهدف الحفاظ على النفط الأمريكي إلى وقت الحاجة إليه بعد نفاد النفط من بقاع الأرض الأخرى، ولكن في نهاية شهر سبتمبر الماضي، ألغي هذا القانون، وستبدأ الولايات المتحدة من جديد باستخدام نفطها، بالإضافة إلى أن أسعار النفط المرتفعة اليوم تسمح للاستثمار في استخراج النفط الأمريكي، إذ أصبح استخراجه ضرورة أمنية، ومن ضمن إستراتيجية يتفق عليها مجلس الشيوخ تنص على التقليل من الاعتماد على نفط الشرق الأوسط.
تأتي الصين في المرتبة الثانية بالنسبة للاستهلاك، وقد ازدادت نسبة الاستهلاك في الصين بمعدلات هائلة بسبب عدد السكان الكبير، والصناعات المزدهرة، بالإضافة إلى الصحوة الاقتصادية التي تشهدها البلاد، فبعد أن اقتصر معدل الاستهلاك في عام 1980م على 1.694 مليون برميل في اليوم، وصل في عام 2007م إلى 7.85 مليون برميل في اليوم، أي ما يعادل 9.3 بالمئة من الاستهلاك العالمي. أما الهند، التي تشهد بدورها نمواً اقتصادياً هائلاً، فقد بلغ معدل الاستهلاك فيها في عام 2007م إلى 2.74 مليون برميل، بعد أن اقتصر المعدل على 0.643 مليون برميل في اليوم في عام 1980م. وتأتي الهند في المرتبة الرابعة عالمياً بالنسبة لاستهلاك النفط، بعد اليابان التي تستهلك 5.8 بالمئة من النفط في العالم، بمعدل وصل إلى 5.05 مليون برميل في اليوم في عام 2007م.
وقد بدأت الصين والهند بالبحث عن مصادر مضمونة لنفطهما لضمان الطاقة التي تشغل المحرك الاقتصادي وتدفع به إلى الأمام، فأبرم البلدان عدداً من الاتفاقيات والمعاهدات والعقود مع الدول المنتجة والمصدرة للنفط، وقد قوت كل من الصين والهند علاقاتهما مع أكبر مصدر للنفط وصاحبة أكبر احتياطي للنفط في العالم، المملكة العربية السعودية، وكانت السعودية أكبر مصدر للنفط إلى الصين خلال العام الماضي، حيث صدرت أكثر من 20 مليون طن من الخام السعودي، وشكل ذلك حوالي 14 بالمئة من واردات الصين النفطية، كما قوت الصين والهند من علاقاتهما مع إيران، التي تعتبر رابع أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم، وقد صرح مسؤول إيراني في قطاع النفط مؤخراً، أن بلاده تعتزم زيادة الصادرات إلى الصين والهند، اللتين تحققان نمواً متسارعاً، وقد تخفض الإمدادات لمشترين آخرين.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*