إذا كنا أكبر منتجي وخازني النفط في العالم.. فما حاجتنا إلى النووي؟!

إذا كنا أكبر منتجي وخازني النفط في العالم.. فما حاجتنا إلى النووي؟!
د. رضا عبد السلام
الاقتصادية 7-1-2009

ذكرت في مقالي الأول ضمن هذه السلسلة الخاصة باستخدام المصدر النووي في توليد الطاقة خليجياً وسعودياً (14 ذو الحجة 1429هـ) أن هناك اهتماما خليجيا واضحا بالمصدر النووي واستخداماته وخاصة استخدامه في توليد الطاقة الكهربائية. أوضحت أننا سنحاول التعرف على عدد من القضايا التي يثيرها هذا الموضوع وفي مقدمة تلك القضايا؛ وكمدخل مهم مسألة دواعي ومبررات وحجج توجه دول المجلس ومنها السعودية لاستخدام المصدر النووي في توليد الطاقة.
فربما يتساءل البعض عن جدوى دخول دول المجلس في عالم صناعة الطاقة النووية، وهي أكبر منتج ومصدر للنفط والغاز في العالم!.. ولديها احتياطيات من النفط والغاز تكفيها لعقود قادمة، فلم الدخول في صناعة ليس لنا فيها أي ميزة أو خبرات سابقة؟! وللإجابة عن هذا التساؤل، معروض أدناه عدد من المبررات نحسبها تستدعي شروع دول مجلس التعاون في الإعداد من الآن للدخول في مشروع خليجي لتوليد الطاقة من مصادر نووية، وذلك على النحو التالي:
* نؤكد بداية أنه ليس مقصدنا هو أن تصبح دول المجلس دولا مُصنِعة للمحطات النووية، أو أن تتحول كلياً – وعلى المديين المتوسط والبعيد – إلى الاعتماد على المصادر النووية في توليد الطاقة، ولكن المقصد هو أن تُعِد دول المجلس من الآن ليكون الخيار النووي أحد مكونات منظومة توليد الطاقة الكهربائية في المستقبل، فالتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى يحتم الأخذ بالخيارات المتاحة كافة ومنها الخيار النووي، شأننا في ذلك شأن باقي الأمم، فالتقنية النووية شأنها شأن أي تقنية لها ما لها وعليها ما عليها، ولكن تبقى خيار جدير بالاهتمام بدليل تنامي الاهتمام العالمي بها وخاصة من قبل الدول النامية وحديثة التصنيع، على النحو الذي سنعرض له في هذه السلسلة.
* إن التنمية المستدامة لدول مجلس التعاون تحتم استعداد دول المجلس من الآن لمواجهة تحديات المستقبل. فالتنمية المستدامة تعني الارتقاء بالمستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للأجيال الحاضرة، دون اعتداء على احتياجات الأجيال المستقبلية. نعم، تنعم دول مجلس التعاون حالياً بالوفرة والرفاهية، ولكن التنمية المستدامة تعني أن تنعم الأجيال المستقبلية أيضاً من أبناء دول الخليج بمستويات اقتصادية واجتماعية وبيئية لا تقل عن تلك التي تنعم بها الأجيال الحالية، خاصة أنه من المؤكد أن النفط الذي يشكل ركيزة التنمية والرفاهية في دول المجلس لا بد لبئره أن تنضب يوماً ما. ولهذا فإن استدامة عملية التنمية تقتضي الاستعداد من الآن لمواجهة تحديات عصر ما بعد النفط. فباستدامة الطاقة يمكن ضمان استدامة عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
* إن دول مجلس التعاون تستهلك في إنتاج الطاقة الكهربائية، وفي تحلية المياه مئات الملايين من براميل النفط والغاز سنوياً، خاصة بالنسبة لمحطات توليد الكهرباء، أو محطات تحلية المياه المنفصلة. وإذا استمر الوضع على ما هو عليه لعقود قادمة، فسيتضاعف استهلاك دول المجلس من ذلك المصدر الناضب، وفي ذلك إهدار لمورد اقتصادي نادر، ومن ثم فهو ليس باستثمار أمثل من المنظور الاقتصادي البحت. فالأفضل هو تعظيم القيمة المضافة Value Added من النفط والغاز بمزيد من عمليات التصنيع، من خلال صناعات البتروكيماويات وغيرها، مع تصدير تلك المواد المصنعة، وهو ما يضمن أيضاً إطالة عمر هذا المصدر في دول الخليج، ومن ثم إطالة عمر صناعة البتروكيماويات، وفي الوقت نفسه تعظيم المردود الاقتصادي من المصدر الأحفوري.
* إن من مزايا الاستعداد لاستخدام الطاقة النووية، وفتح هذا القطاع أمام الاستثمار الخاص أن يتم تخفيف الضغط على ميزانية الدولة، باعتبار أن هذا القطاع يحظى بدعم حكومي سخي، لتصل الكهرباء للمصانع والمستهلكين مدعومة وبأقل من تكلفة الإنتاج، ولهذا نسمع كثيراً عن مشكلات تواجه شركة الكهرباء السعودية أو الكويتية…إلخ. فقطاع الكهرباء السعودي – على سبيل المثال – يستحوذ على نحو 10 مليارت دولار سنوياً من مخصصات الإنفاق العام، ولا يختلف الوضع في باقي دول المجلس عن نظيره في السعودية. وترتب على الدعم الكبير للكهرباء خلال العقود الماضية الإسراف في استهلاك الطاقة، وخاصة من قبل المستهلكين في المنازل. فعلى سبيل المثال، تستحوذ أجهزة التكييف على أكثر من 60 في المائة من الطاقة الكهربائية المستهلكة في المباني. ولهذا لا نعجب أن حصة الفرد الخليجي من الكهرباء المستهلكة هي الأعلى عالمياً، وربما يفسر هذا بطبيعة الجو شديد الحرارة في دول المجلس.
* إنه في ظل إعمال خيار التوليد من مصادر نووية يتوقع خفض سعر الخدمة للمستهلكين، أو على الأقل تخفيف العبء على الموازنة العامة التي تقدم دعماً سخياً للكهرباء فقد ترتب على التوسع في استخدام الطاقة النووية في توليد الكهرباء انخفاض تكلفة فاتورة الكهرباء على المستهلكين في بلدان مثل إسبانيا وفرنسا، ومن ثم الارتقاء بمستوى رفاهية الفرد، كما أن في خفض تكلفة فاتورة الكهرباء على المصانع، خفض في تكلفة الإنتاج، وهو ما سينعكس بدوره على الميزة النسبية والقدرات التنافسية للصناعات والصادرات الوطنية الخليجية.
* إن صناعة الطاقة من مصادر نووية تعتبر صناعة شأن غيرها من الصناعات، وذات ربحية عالية، ودخلت المجال التجاري (فالمغرب تستورد الكهرباء من إسبانيا التي تستورد الكهرباء المولدة نووياً من فرنسا). ففرنسا تُصدر الكهرباء سنوياً لدول الاتحاد الأوروبي بقيمة 4.5 مليار يورو، ومن ثم يمكن لدول المجلس تحقيق استثمار أفضل لرؤوس الأموال (العامة والخاصة) بالاستثمار في هذه المحطات النووية وتصدير الفائض الكهربي سواء إلى دول الجوار العربية، أو إلى دول آسيا وإفريقيا، خاصة في ضوء التطور التقني وشبكات الربط الكهربي التي ستيسر من بلوغ هذا الهدف.
* كما ينبغي ألا نتجاهل البعد الاستراتيجي والأمني لاقتناء التقنية النووية، نظراً لأن قيام مشروع نووي خليجي للأغراض السلمية سيسهم وبشكل غير مباشر في تحقيق توازن استراتيجي في المنطقة، يعكس الوزن الحقيقي لدول مجلس التعاون، خاصة في ضوء التحديات الجسام التي تشهدها المنطقة.
* تصنف دول مجلس التعاون (مؤشر التغيرات المناخية Global Climate Changes Index) ضمن أعلى الدول تلويثاً للبيئة عالمياً، نتيجة لحرق ملايين البراميل (نحو 4 ملايين برميل يومياً) من النفط والغاز لتشغيل محطات التكرير ومحطات توليد الكهرباء ومحطات تحلية المياه المنفصلة. وبالتالي سيضمن إنتاج واستهلاك دول مجلس التعاون للطاقة النووية انخفاض الانبعاثات الغازية الملوثة، ومن ثم ضمان حماية البيئة والمواطن الخليجي من الأمراض البيئية، حيث سيترتب على الاعتماد بشكل ما على الطاقة من مصادر نووية تجنب ملايين الأطنان من تلك الانبعاثات، وبالتالي يضمن لدول مجلس التعاون استدامة عملية التنمية من المنظورين البيئي والاجتماعي.
* إن دول المجلس تنعم في الوقت الراهن بفوائض مالية كبيرة تحققت على أثر تعافي أسعار النفط خلال السنوات الماضية، وتبحث عن فرص استثمارية مربحة. وقد عكفت دول المجلس طوال العقود الأربعة الماضية على استثمار جانب كبير من تلك الفوائض في أذون الخزانة الأمريكية وغيرها من الاستثمارات الخارجية التي يقل عائدها حالياً عن 4 في المائة سنوياً، هذا ناهيك عن مخاطر تركز تلك الاستثمارات في الغرب الذي يتخذ موقفاً معادياً في الوقت الراهن تجاه الصناديق السيادية والصناديق العربية على وجه الخصوص. ولهذا فإن الفرصة مهيأة الآن لدول المجلس لاستثمار جانب من تلك الفوائض في إنشاء البنية الأساسية لمشروع خليجي للطاقة النووية.
* إن صناعة الطاقة النووية وُلِدت من جديد منذ مطلع الألفية، وأفاق العالم على أهمية الاستثمار فيها، ولهذا وخلال الفترة من عام 2000 وحتى 2006 تضاعف عدد الدول المهتمة بصناعة الطاقة النووية السلمية، ودول مجلس التعاون ليست أقل من باقي دول العالم حتى تبقى معزولة وبعيدة عن عالم هذه الصناعة، خاصة أن دولاً صغيرة مثل الأردن وفيتنام، وحتى اليمن تستعد بجدية للدخول في عالم هذه الصناعة, فمواكبة التطور والتنمية المستدامة تتطلب مجاراة التطورات التقنية. وفي المقابل، فإن عدم استخدام دول المجلس لهذه التقنية سيجعلها تتخلف عن الركب، خاصة في ظل زيادة معدلات التيقن Certainty من مستقبل صناعة الطاقة النووية، باعتبارها المَعين الذي لا يمكن أن ينضب (ربما على المديين القصير والمتوسط) مقارنة بالمصادر الأحفورية، نقصد هنا النفط تحديداً.
* إن دول المجلس (وفي مقدمتها السعودية) لديها طموحات كبيرة للتوسع الصناعي، ولديها استراتيجيات صناعية بعيدة المدى، إلا أن التوسع الصناعي يتطلب في المقام الأول توافر الطاقة الكهربائية التي تشغل آلات المصانع. ولكن قطاع توليد الكهرباء يواجه حتى في الوقت الراهن مشكلات ارتفاع تكاليف الإنشاء والتشغيل وتباطؤ النمو وتصاعد الأحمال والأعطال، والانقطاع المتكرر الذي يجبر عديدا من المصانع على التوقف، والعمل في ساعات محددة من اليوم، أو العمل من خلال نظام النوبات، وهو واقع لا يضمن مستقبلا زاهرا للقطاع الصناعي الذي وضعت له استراتيجيات طموحة، أو التنمية المستدامة بوجه عام. ولهذا فإن الطموحات الكبيرة تتطلب أيضاً خطوات وجهودا كبيرة وجريئة، ومحطات الطاقة النووية – وفقاً للرأي المروج أو الداعم لها – تضمن تلبية واستقرار طلب الصناعة على الكهرباء، ومن ثم توسعها واستدامتها. لا شك أن الانقطاعات التي تحدث ليس سببها نقص في الوقود الذي يغذي المحطة، وإنما بسبب الضغط على مفاتيح أو صناديق التوزيع، ولكن دخول التقنيات النووية يفترض أن يقلل من تلك المشكلات، هذا ناهيك عن الاستثمار الأمثل للنفط والغاز الذي يحرق في محطات الكهرباء القائمة أو التي ستنشأ مستقبلاً لتلبية الطلب المتنامي.
* تضمن محطات الطاقة النووية الدخول بقوة وثقة في مشروعات صناعية كبرى، بعد أن ثبت أن توافر المفاعلات النووية الحديثة يشجع التوسع الصناعي، حيث يمكن مد الخدمة لأي موقع على أراضي دول المجلس، بما يمكن من عملية إعادة توزيع النشاط الصناعي على مختلف أراضي دول المجلس، ويحقق بالتالي التنمية الإقليمية والشاملة والمستدامة.
* وأخيراً فإن استخدام وتطوير دول مجلس التعاون لهذه التقنية المتقدمة سيخلق أجيالاً جديدة من العلماء والخبراء المتميزين في هذه الصناعة، وهو ما سينعكس في النهاية على عملية التنمية في دول المجلس وتحديداً التنمية الاجتماعية، خاصة في ضوء توسع تطبيقات الطاقة النووية لأغراض أخرى غير إنتاج الكهرباء، مثل استخدامها في الطب والزراعة، وحفظ الأغذية والصناعة وتحلية المياه والسفن والفضاء…..إلخ، وإلا ستبقى دول المجلس حبيسة وضعها التقليدي؛ أي دول مستوردة للتقنيات كافة بما فيها تطبيقات التقنيات النووية. وبهذه الطريقة تضمن هذه الصناعة تكامل حلقات التنمية المستدامة (الاقتصادية والاجتماعية والبيئية) في دول مجلس التعاون. وفي الوقت نفسه ستكون هناك فرصة للتفكير بجدية في طاقة الاندماج النووي باعتبارها طاقة آمنة ونظيفة وتتماشى مع المدة الزمنية للتشييد، فبعد نحو 20 عاماً ستكون تجارية، ولذا يجب من الآن تدريب المتميزين من الجامعيين في دول المجلس على هذه التقنيات الجديدة والواعدة.
إذاً، علينا ألا نعجب عندما يثار الحديث عن الطاقة المولدة نووياً في بلاد النفط، وذلك لأن استدامة التنمية تتطلب الإعداد من الآن لعصر ما بعد النفط ولضمان إنجاز الأهداف الطموحة اقتصادياً واجتماعياً وبيئياً وصناعياً. يتضمن المقال التالي إن شاء الله عرضاً لأبرز التطورات في عالم صناعة توليد الكهرباء من مصادر نووية وأبرز اللاعبين واللاعبين الجدد ودلالات تلك التحولات بالنسبة لدول مجلس التعاون، والله الموفق..

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*