وماذا بعد نضوب النفط؟

وماذا بعد نضوب النفط؟
جيمس جوردان وجيمس باول (2004)

هل راودك يوماً التساؤل عما سيكون عليه الحال في إنتاج النفط العالمي بعد نصف قرن مثلاً؟ دعنا من الأرقام الخاصة بحصص الإنتاج المحددة من قبل منظمة الأوبك ولنراجع ما اصطلح على تسميته بنظرية الذروة.
وذروة هيوبرت ليست مكاناً، بل هي مفهوم طرحه عالم الجيولوجيا كينج هيوبرت قبل أكثر من نصف قرن ويمكننا من خلاله تفسير الكثير من الأحداث التي تدور في عالم النفط اليوم. يقول هيوبرت اأنه عند نقطة معينة، سيصل إنتاج النفط في العالم إلى الذروة، بعدها سيبدأ في التراجع بمعدلات منتظمة بغض النظر عن الطلب عليه. وفي عام 1956، تنبأ هيوبرت أن إنتاج النفط في العالم سيصل إلى تلك الذروة عام 1970 ليبدأ بعدها في التراجع، وصدقت تنبؤاته وكان هذا ما حدث.
واليوم، يبدو أن إنتاج النفط في العالم، والذي يبلغ نحو 80 مليون برميل يومياً، قد وصل إلى الذروة. وبقراءة واقعية في الإحصاءات، يقول الواقع أن الإنتاج التقليدي من النفط في العالم قد وصل بالفعل إلى تلك الذروة وأخذ يتراجع. فمقابل كل عشرة براميل يتم استخراجها، لا يتم اكتشاف سوى أربعة براميل جديدة. وبدون مصادر أخرى كالغاز الطبيعي، كان يمكن لإنتاج النفط أن يصل إلى معدلات قياسية منذ سنوات عديدة.
ويوافق خبراء النفط على أن هذا الطرح محتوم ولا يمكن تفاديه. فالنفط في النهاية مصدر طبيعي من مصادر توليد الطاقة، يمكن أن ينضب، ويقول الخبراء أن الكميات التي تم استخراجها من النفط في العالم إلى الآن تصل إلى نصف الاحتياطيات العالمية. لا يجادل أحد من الخبراء في وصول إنتاج النفط إلى الذروة، لكن الجدل يدور فقط حول التوقيت.
يتوقع المتشائمون أن يحدث هذا بحلول عام 2010، ويقول المتفائلون قليلاً ان الإنتاج سيصل إلى الذروة في غضون ثلاثين أو أربعين عاماً من الآن. لكن غالبية الآراء ترجح الوصول إلى تلك الذروة في فترة تتراوح بين عشر وعشرين سنة. لكن في خضم تقديراتهم وتحليلاتهم، أغفل الخبراء ثلاث مسائل هامة وهي؛ تأثير تراجع الإنتاج العالمي من النفط على المجتمعات، والوسائل التي يمكن اللجوء إليها للتقليل من آثاره، والوقت الذي يجب عنده أن نتحرك للبحث عن حل للمشكلة.
لسوء الحظ، تجاهل أهل السياسة وصناع السياسات نظرية هيوبرت ولم يعدوا أي خطط للإجابة عن التساؤل الذي طرحناه، ماذا بعد نضوب النفط؟
لا أظن أحداً يغفل الأهمية التي يمثلها النفط في العالم. تخيل لو نضب النفط اليوم بشكل مفاجئ. ستكون أولى الآثار بالطبع هو توقف كافة وسائل المواصلات من حافلات وشاحنات وطائرات وسفن وقطارات. وبدون الأسمدة الطبيعية والمبيدات الحشرية المصنعة من مشتقات النفط، ستتعرض الصناعات الغذائية لمشكلات كبيرة. هذا إلى جانب سقوط الملايين من سكان المناطق الباردة فريسة للبرد القارس.
لكن لحسن الحظ، لا يتنبأ هيوبرت في نظرية الذروة بنضوب النفط بشكل مفاجئ. لكنها تقول انه سيشهد تراجعاً منتظماً بمرور الوقت. لكن بسبب عدم قدرة الإنتاج على الوفاء بالطلب العالمي على النفط، سيستمر الارتفاع في أسعار الخام في التصاعد، الأمر الذي سيؤثر بالسلب على الاقتصاديات العالمية ومستويات الحياة. وبدأ المواطن العادي في العالم اليوم يشتكي من ارتفاع سعر غالون البنزين إلى 3 دولارات للبرميل. لكن التوقعات تقول انه في فترة التراجع بعد ذروة هيوبرت، سيبدو سعر 7 دولارات للبرميل منخفضاً. هل سيكون علي دفع 150 دولاراً لملء خزان الوقود في سيارتي؟ إنه بالفعل مبلغ كبير.
والسؤال الآن، كيف يمكن تقليل تأثيرات تراجع الإنتاج العالمي من النفط. قد تؤدي المناقشات ونتائج الأبحاث في التوصل إلى حل. يمكن لاستخدام مقاييس حساب الأبعاد الأميركية (كالميل) أن يؤدي إلى خفض استخدام الأميركيين من النفط بمقدار 20 بالمائة أو أكثر. كذلك يمكن للحقول الجديدة التي يتم اكتشافها أن تساعد في خفض الأسعار. لكن كل هذا يبقى خفضاً محدوداً.
يقول التاريخ انه لم يتم العثور على حقل عملاق جديد في السعودية، أكبر منتج للنفط في العالم، خلال السنوات الثلاثين الماضية. وتبدو كل هذه الحلول كالمسكنات التي يكتبها الطبيب لتسكين آلام المريض، لكن أزمة الذروة التي تنبأ بها هيوبرت تبدو واقعة لا محالة. وحتى مع قيام الولايات المتحدة بتخزين النفط، فإن الدول الأخرى لا تفعل ذلك.
العالم بحاجة إلى حل عملي على المدى البعيد لأزمة الذروة. العالم بحاجة إلى استحداث تقنيات جديدة، خاصة في قطاع المواصلات الذي يعتمد – في الولايات المتحدة مثلاً – على النفط بنسبة الثلثين. ومن الحلول المقترحة توليد الوقود من الفحم، أو توليد الهيدروجين من الطاقة النووية ومصادر الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى ضرورة التحول إلى استخدام وسائل المواصلات التي تستخدم الكهرباء. لكن قبل التفكير في التحول إلى هذه المصادر البديلة للنفط، يجب أولاً محاولة حل المشكلات التي تعوق الوصول إليها، كالتكلفة المرتفعة لمعالجة الديزل والعوائق البيئية التي تجعل من استخراج الفحم أمراً صعباً، ومنها على سبيل المثال الانبعاثات والإشعاعات الملوثة. وعلى الرغم من أن الهيدروجين الذي يتم استخراجه باستخدام الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة نظيف بيئياً، لكن لا يمكن تجاهل المشكلات الفنية العديدة المصاحبة لاستخراجه.
قد يكون التوجه الأفضل هو استخدام الطاقة الكهربية في وسائل المواصلات. لكن تحويل نصف الشاحنات والسيارات الشخصية إلى استخدام الطاقة الكهربية يتطلب زيادة في توليد الطاقة الكهربية بمقدار عشرة بالمائة. الطاقة الكهربية مصدر نظيف للطاقة وغير ملوث للبيئة.
مع تراجع انخفاض النفط، يمكن اللجوء لعدد من وسائل المواصلات التي تعمل باستخدام وسائل الطاقة المتجددة لتعويض النقص. لن يكون استخدام وقود الهيدروجين حلاً عملياً، لكن يمكن باستمرار الأبحاث عليه الوصول إلى تحقيق نتيجة علمية طيبة.
أياً كانت التكنولوجيا – غير النفط – التي تثبت صلاحيتها، يجب الإسراع بإدخالها في نظام المواصلات. لقد تطلب الأمر عقوداً من الزمن لتحويل الأجيال الأولى من السيارات والطائرات إلى وسيلة مواصلات فعالة، وعقود أخرى لإنشاء شبكة مواصلات وطنية. لا أظن أنه بإمكاننا الجلوس لعقود أخرى في انتظار وقوع كارثة الذروة التي تنبأ بها هيوبرت. يجب أن نبدأ دون إبطاء في البحث عن حلول وتكنولوجيات جديدة تحسباً للانخفاض المتوقع في إنتاج النفط، ويجدر بنا أن نفعل ذلك سريعاً، لأننا إن تباطأنا، سيكون علينا مواجهة تراجع كبير في الاقتصاد ومستويات الحياة.

جيمس جوردان: يعمل كمستشار لسياسات الطاقة والبيئة وعمل سابقاً كمدير لبرنامج الطاقة
في القوات البحرية. جيمس باول: هو كبير العلماء في مختبر بروكهافين الوطني سابقاً.
خدمة واشنطن بوست ولوس أنجلوس تايمز – خاص بـ (الوطن العمانية)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*