صعوبات الوصول للاحتياطات النفطية تهدد إمدادات الشركات الكبرى

صعوبات الوصول للاحتياطات النفطية تهدد إمدادات الشركات الكبرى
الاقتصادية 7\9\2008

في الوقت الذي تحقق فيه الشركات النفطية الكبرى أرباحا قياسية بسبب ارتفاع الأسعار خلال الفترة الماضية، إلا أن متاعبها بدأت تظهر جلية فيما يتعلق بتراجع في حجم إنتاجها يفاقم فيه صعوبة وصولها إلى مناطق الاحتياطيات النفطية الضخمة والمنافسة الشرسة التي بدأت تجدها من الشركات النفطية سواء على مستوى الدول المنتجة نفسها، أو من دول مستهلكة لها شركات نفطية تعتبر أداتها في تأمين احتياجاتها النفطية مثل الصين والهند.
خلال الربع الثاني من هذا العام حققت أكبر ست شركات نفطية في العالم أرباحا صافية بلغت 45.6 مليار دولار، ويرتفع الرقم إلى 88.9 مليارا ليغطي النصف الأول من العام كله (انظر الجدول). والشركات هي: “إكسون موبيل”، وهي أكبر شركة يتم تداول أسهمها في البورصة، “كونوكو فيليبس”، “شيفرون تكساكو”، وثلاثا أوروبية، هي: “رويال داتش شل”، “توتال”، و”بي. بي”.
لكن في الوقت نفسه شهد إنتاج هذه الشركات اليومي تراجعا بأكثر من 600 ألف برميل إلى نحو 16.4 مليون برميل يوميا، ومع أن هذا التراجع لا يشكل نسبة كبيرة مقابل حجم الاستهلاك العالمي الذي يقارب 87 مليونا، لكنه بما أنه تراجع لأربعة أرباع العام بصورة متصلة، كما تقول دراسة لـ “باركليز كابيتال”، فإن هذا التطور يعتبر مؤشرا على المتاعب التي تعانيها هذه الشركات التي سيطرت في وقت من الأوقات على الحصة الأكبر في السوق، وذلك قبل أن تتحرك الدول المنتجة لبسط سيطرتها على ثروتها النفطية من خلال شركاتها الوطنية.
وفي الوقت الذي تشهد فيه الحقول التي تتمتع فيها بحرية الحركة مثل بحر الشمال إلى حالة من التراجع المنتظم، فأكبر خمس شركات كانت تنتج قبل عقود ثلاثة نصف الإنتاج العالمي، بينما لا يزيد إجمالي إنتاجها في الوقت الحالي عن 13 في المائة، ولهذا بدأت هذه الشركات تعيد تدوير أرباحها عبر شراء أسهمها، وهي الظاهرة التي تفاقمت بصورة واضحة في السنوات الأخيرة. فالأرقام الخاصة بأكبر خمس شركات توضح أنها قامت في 1994 بإنفاق 3 في المائة فقط على إعادة شراء الأسهم و15 في المائة على الاستكشاف، وتغير الوضع في العام الماضي لتحوز عمليات إعادة شراء الأسهم على ما نسبته 34 في المائة و6 في المائة فقط على عمليات التنقيب والاستكشاف. ويرجع هذا إلى صعوبة وصول هذه الشركات إلى مناطق ذات احتياطيات، الأمر الذي دفع كريستوفر دي مارجري المدير التنفيذي لشركة “توتال” الفرنسية إلى القول إنه ستكون هناك صعوبة في رفع الإنتاج العالمي من النفط إلى ما يزيد عن 95 مليون برميل يوميا بعد عام 2020.
ويعود هذا من جانب إلى الظروف السياسية والبداية بعمليات التأميم والسيطرة على الصناعة النفطية من خلال تأسيس ودعم الشركات الوطنية مثل “أرامكو”، وشركة النفط العراقية أو الإيرانية مع البروز الأخير لشركة “غازبروم” الروسية، التي تعتبر الأكبر في ميدان الغاز الطبيعي على نطاق العالم، وهو التطور الذي انطلق بصورة واضحة إبان الأزمة النفطية الأولى في عقد السبعينيات، واكتسب له شحنة إضافية أخيرا بسبب سياسات فنزويلا وبوليفيا، وما أطلق عليه نمو الوطنية النفطية، بل وحتى الأقطار التي تسمح للشركات الأجنبية بالعمل فيها، أصبحت تستغل وضع صعوبات الوصول إلى مناطق الاحتياطيات لإعادة التفاوض على الاتفاقيات المبرمة مثلما حدث أخيرا مع شركة “بي. بي” في روسيا، إذ أصرّ الشركاء الروس الأربعة على تغيير مدير الشركة الأمريكي روبرت دودلي بعد أن قامت السلطات الروسية بسحب تأشيرة إقامته، وبموجب الاتفاق الذي توصلت إليه “بي. بي” مع شركائها الروس بتعيين مدير يتحدث الروسية ويتفهم الثقافة الروسية وطرح نسبة 20 في المائة من أسهم الشركة على الجمهور الروسي، فإن “بي. بي” أصبحت في الموقف الأضعف، لكنها وافقت على هذه الإجراءات كي لا تفقد موطئ القدم الذي حصلت على الساحة الروسية.
وتبدو الخطوة مفهومة في إطار ما أعلن أواخر الشهر الماضي من توقيع شركة النفط الوطنية الصينية اتفاقية مع العراق أعلن عنها الأخير بقيمة ثلاثة مليارات دولار، وهو أول عقد توقعه الحكومة العراقية مع شركة أجنبية منذ الغزو الأمريكي قبل خمس سنوات. العقد يستمر لفترة 20 عاما ويبدأ بإنتاج 25 ألف برميل يوميا تتصاعد إلى 125 ألفا، وهو تجديد للاتفاق الموقع مع النظام العراقي السابق عام 1997 ويغطي منطقة في محافظة واسط جنوب العراق وبالقرب من الحدود مع إيران.
واستغلت الحكومة العراقية الاتفاق للإشارة إلى أنها تأمل أن يسهم في تبديد الشائعات حول سيطرة الشركات الأمريكية على الوضع النفطي في البلاد، فالشركات الأمريكية حصلت على عقود صغيرة في مجال الخدمات، وهي تنتظر وفي إطار 35 شركة بما فيها أسماء ضخمة مثل “إكسون موبيل”، “رويال داتش شل” و”بي. بي” ترسية عقود في مختلف هذه المجالات خلال فترة الثمانية عشر شهرا المقبلة.
الشركة الصينية تعتبر أكبر شركة في العالم تترابط عملياتها في ميداني النفط والغاز، واتفاقها الأخير مع العراق يعزز وجودها في 26 دولة حول العالم تتوزع بين منظومة متنوعة من كندا إلى أذربيجان، إلى السودان، أنجولا، مينامار، عمان، سورية، تايلاند، وتركمانستان. ولم يقتصر النشاط على العمليات النفطية المباشرة، ففي أبريل (نيسان) الماضي أعلن صندوق استثمارات صيني عن تملك نسبة 1.6 في المائة من شركة “توتال” الفرنسية، وهي رابع أكبر شركة نفط في العالم.
وبصورة موازية لكن بحجم أقل تتحرك شركة النفط والغاز الهندية التي قامت الشهر الماضي بشراء شركة أمبيريال البريطانية للطاقة بعد دفع مبلغ 2.6 مليار دولار، وذلك في مسعى لتعضيد جهودها في تأمين مصادر الطاقة. فالهند تستورد ثلاثة أرباع احتياجاتها من النفط من الخارج، والشركة تنشط بصورة رئيسية في بعض المناطق السيبيرية وبعضها يحتاج إلى تطوير. وبلغ متوسط إنتاج الشركة العام الماضي 150 ألف برميل يوميا، ويتوقع أن يرتفع بنحو 100 ألف إضافية في المستقبل القريب. وتدير الشركة الهندية 35 مشروعا في 17 دولة حول العالم تتوزع من إفريقيا كما في السودان، إلى كولومبيا في أمريكا اللاتينية.
عملية شراء شركة أمبيريال البريطانية لم تخل من رمزية في التحولات التي تشهدها الصناعة النفطية، بل والساحة العالمية عموما، خاصة وتمثل تعميقا لخطى بعض الشركات الهندية في شراء حصص أو تملك بعض الشركات البريطانية بالكامل، من أبرزها خطوة شركة تاتا للسيارات تملك شركتي “لاندروفر” و”جاغوار”. وهذا العام وحده وقبل إبرام صفقة أمبيريال قامت شركات هندية بتملك أو شراء حصص في 26 شركة بريطانية بقيمة بلغت 3.8 مليار دولار، فيما اعتبر ضربة معاكسة لتاريخ التملك البريطاني للعديد من الأصول الاقتصادية الهندية خلال الفترة الاستعمارية.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*