النفط .. لا ننسى نصيب الأجيال

النفط .. لا ننسى نصيب الأجيال
عثمان الخويطر
صحيفة الاقتصادية – 10 أغسطس 2008

عندما تمت اكتشافات (الحقول) جديدة، قلت لهم خلوه في الأرض لأولادنا وأولاد أولادنا، هم بحاجة له ونحن عندنا خير (ولله الحمد). الجملة السابقة ليست من إنشائي ولا من بنات أفكاري، فقد تفوَّه بها ذلك الرجل العظيم والأب الحنون، ذو البصيرة الثاقبة والنظرة البعيدة، وهو يستشعر ما سيؤول إليه مصير الأجيال القادمة من أبناء هذه الصحراء، ويشاهد نظرات العالم المتعطش للطاقة نحو ثروتنا الناضبة ويطلبون منا كل يوم المزيد. إنها كلمات ذلك الإنسان الطيب، خادم الحرمين الشريفين، الملك عبد الله – حفظه الله وأطال في عمره على خير عمل صالح. وماذا نريد أفضل من هذا التوجيه الصريح والمنطق السليم ومن أعلى سلطة في البلاد؟
ولكن مشكلتنا تأتي من الذين يطلبون منا أن نمدهم بكل ما يحتاجون إليه من الطاقة، وبكميات كبيرة، لا تتناسب مع حاجتنا من الدخل المعقول، وهؤلاء، لا يودون لنا ولا لأجيالنا الخير ولا يهمهم إلا مصالحهم الذاتية. ولذلك فمراعاة مصالحنا الحالية والمستقبلية يجب أن تكون نابعة منا نحن أصحاب الشأن.
ومن اللافت للنظر أن جميع دول الخليج تتسابق إلى رفع إنتاجها من النفط إلى أعلى مستوى لأسباب يصعب إيجاد تفسير لها، على الرغم من علمهم أن ذلك سيعجِّل بنضوب الاحتياطي النفطي لديهم، وليس في الأفق ما يبشر بوجود أو بقدوم مصدر ثابت من مقومات الحياة على ظهر هذه الصحراء. ومن المؤكد أن الزيادة الفاحشة في الدخل القومي، على حساب المستقبل، ستزيد من الرفاهية القاتلة التي تعيشها معظم شعوب بلدان الخليج.
ولا جدال في أننا جزء من هذه الأمم التي تعيش على سطح الأرض، ويهمنا أن نكون في سلام ووئام مع الشعوب كافة، وأن نحسن التعامل معهم، ولكن لا يجوز أن يكون ذلك على حساب مصالحنا الخاصة ومستقبل بلادنا وأجيالنا. ومهما قيل عن (ضخامة) الاحتياطي النفطي الذي تمتلكه دول الخليج، فهو لا يعدو عن كونه مادة ناضبة يجب ألا نفرط فيها، ونحن لا نعلم ما ذا يخبِّئ لنا القدر. وإذا ارتفع دخلنا كثيراً بسبب ارتفاع الأسعار والمبالغة في زيادة الإنتاج، أصبح كثير من شعوب العالم يصوِّبون نظراتهم نحونا، فمنهم منْ يريد مقاسمتنا ما نحصل عليه على هيئة مساعدات مجانية وشبه مجانية. وطرف آخر ينصحنا بأن نستثمر ما يزيد على حاجتنا في بلدانهم، وهم أكثر منا مالاً وأحسن أحوالاً. ولعلنا نتذكر تصريح السيِّد براون، رئيس وزراء بريطانيا، حينما كان منذ عدة أيام مشاركاً في ندوة مستقبل الطاقة في مدينة جدة، عند ما اقترح أن تستثمر دول الخليج جزءاً من أرباحها (الكبيرة!) في مجال الطاقة المتجددة في بلده بريطانيا. منطق غريب وعجيب، يصعب هضمه واستيعابه!
وهل يقصد دولته أننا لا نحسن التصرف في أموالنا ولا كيف نستثمر فائض دخلنا، وأننا بحاجة إلى نصائحه؟ ألا يظهر من تصريحه أو، إن شئتَ، صراحته، أنه يغبطنا على ما نحصل عليه من مبيعات النفط بعد ارتفاع الأسعار؟ وأين هذا من المبالغ الضخمة التي تحصل عليها بريطانيا ودول أوروبية أخرى من الضرائب على المشتقات النفطية التي تُستهلك في بلدانهم، ومن الوضع الاقتصادي المتميز والثابت عندهم؟ أما نحن، فمهما بلغ دخلنا من النفط القابل للنضوب، فإن له نهاية، ونرجو الله أن يمد في عمره. ولعل السيد براون يريد أن يذكرنا بأنه قد حان الوقت الذي يجب أن نفكر فيه باستثمار ما يزيد على حاجتنا في مجالات الطاقة البديلة، ولكن في بلادنا حتى نكتسب الخبرة العملية والتقنية ونبني بسواعد أبنائنا البنية التحتية اللازمة لمصادر الطاقة المتجددة التي سنكون أحوج من غيرنا لوجودها وتطويرها، إلى جانب ثروتنا النفطية التي سنفقدها في يوم ما. ولا نبالغ إذا قلنا إنه لو كانت الطاقة المتجددة متوافرة لدينا اليوم ومتيسرة الاستعمال، لأسرعنا إلى استخدامها، على الرغم من وجود ثروتنا الحالية بكميات كبيرة نسبياًّ. وربما لا يعلم الكثيرون أننا نستهلك من الطاقة داخل المملكة ما يعادل أكثر من مليوني برميل من النفط يومياً، وهو من أكبر معدلات الاستهلاك في العالم بالنسبة إلى عدد السكان. ويزيد الطلب محلياً على المحروقات سنوياً بنسبة كبيرة وغير طبيعية، نظرا لتدني أسعار الوقود واتساع مساحة المملكة، إلى جانب وفرة الدخل انعكاسه على عدد المركبات التي تسير على الطرق، ونمو الشبكة الكهربائية والمرافق الأخرى المستهلكة للطاقة.
وكما ذكرنا في مقال سابق، (“الاقتصادية” 1 تموز (يوليو) 2008) فلا بد لنا من أنْ نشجع البحث عن مصادر جديدة ومتجددة للطاقة حتى لا نقع في فخ “الزهو “بما لدينا من الاحتياطي النفطي الكبير وننسى أن لكلِّ ناضبٍ نهاية. والآن هو أفضل وقت بالنسبة لنا للشروع في دراسة وتنفيذ بعض المشاريع التي تتعلق بإيجاد مصادر متجددة لتوليد الطاقة، فالمال ولله الحمد متوافر والتقنية معروفة، وهذا سيمنحنا سبقاً في تطوير وتحسين الأداء للمرافق الجديدة. ولعلنا نبدأ بالمشاريع ذات الفوائد المزدوجة مثل توليد الكهرباء وتحلية الماء من البحر باستخدام الطاقة الشمسية لكثرة فوائدها. فتلك المرافق ستمدنا بطاقة كهربائية كبيرة وكميات من المياه المحلاة التي نحن بأشد الحاجة إليها اليوم، إضافة إلى إيجاد فرص عمل كبيرة لأبنائنا.
ويؤكد كثير من المهتمين بمصادر الطاقة المتجددة أن تكلفة توليد الكهرباء وتحلية ماء البحر بواسطة الطاقة الشمسية، أصبحت على مسافة قريبة من منافسة مصادر الطاقة الأخرى، بما فيها المشتقات النفطية. وإذا أخذنا في الاعتبار احتمال ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية جديدة، وهو أمر وارد، فلا شك أن أي خطوة في اتجاه الاستثمار في الطاقة الشمسية ستكون مربحة وفي الاتجاه الصحيح.
وربما يتساءل الكثيرون لماذا علينا ونحن أصحاب الاحتياطي النفطي الكبير، أن نبادر بالاستثمار في مجالات الطاقة المتجددة، ولدينا من النفط ما يكفي لعشرات السنين؟ وهو تساؤل في محله. ولكن الكثيرين أيضا ربما لا يدركون أننا في هذا الوقت الذي نشهد فيه ارتفاعا كبيرا في الدخل القومي يزيد على حاجتنا سنضطر إلى استثمار جزء من الدخل إما خارج البلاد، تحت طائلة مخاطرة جسيمة، وإما في مشاريع غير ذات فائدة على المدى الطويل. أما ممارسة الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة التي سيؤول إليها العالم في المستقبل القريب، فسيضعنا ذلك في المقدمة من حيث اكتساب الخبرة والتقدم التكنولوجي الخاص باستخدام الطاقة الشمسية التي يتفق الكثيرون على أنها سوف تلعب دورا بارزاً في إمداد أهل الأرض بكميات كبيرة من الطاقة التي يحتاجون إليها، وهي المصدر الوحيد المتوافر للجميع والذي لا يُخشى من نضوبها.
* عثمان الخويطر: نائب رئيس شركة أرامكو اهندسة البترول والحفر سابقاً.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*