معنى نضوب النفط

معنى نضوب النفط
علي بن طلال الجهني
جريدة الحياة: 15-7-2008

على رغم كثرة ما يكتب عن النفط في كل ما ينشر وما لا ينشر، وبكل اللغات، كلما برزت أزمة حقيقية أو متخيلة، فإنه ما زالت تحيط بكثير من شؤون أسواق النفط أساطير قليلة وأوهام كثيرة. ومن هذه الأوهام التي كادت تثبت في أذهان عامة المثقفين، وبالطبع من غير المتخصصين، أن الذي يحكم عدد سنوات نضوب النفط في مكان معيّن أو في العالم أجمع هي عوامل جيولوجية بحتة. أي الظن بأنه يمكن تحديد عدد السنوات التي تسبق نضوب النفط في مكان ما أو في كل الأماكن عن طريق معرفة ما تحتويه التجويفات الأرضية من نفط في أي وقت يراد تحديدها. وهذا شيء من الحقيقة ولكنه ليس كل الحقيقة.
وقد فسّرت ذلك منذ أربع وعشرين سنة في مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» (22 -4 -1984)، تحت عنوان «أسعار النفط والاستراتيجية والنضوب». ومما ذكرته في تلك المقالة الطويلة:
– كل ما يستخرج من الأرض، ولا يأتي من السماء، لا محالة ناضب، لأن الكرة الأرضية نفسها محددة، وغير قابلة للزيادة، والذي يمنعنا من استنفاد غالبية الأشياء، التي نستخرجها من الأرض، هو ارتفاع أسعارها، حينما تتناقص الكميات التي اكتشفناها منها.
– والسبب في أن الفحم الحجري، مثلاً، لم ينضب إلى الآن، أن أسعاره بدأت تتصاعد حينما زاد الطلب عليه، وزيادة أسعاره أدت إلى البحث عن بدائل له، وبالتدريج حل النفط محله. وفي البدء كان أعلى منه سعراًً، ثم تطوّرت تقنية استخراج النفط فهبطت أسعاره، وحل محل الفحم في كثير من الاستخدامات، وحينما ارتفعت أسعار النفط في السبعينات، عاد إلى الفحم جزء من سابق مجده، فزاد الطلب عليه، وأصبح من أهم بدائل النفط.
– إن أهم ما يميّز اقتصاديات الأشياء الناضبة عن غيرها من السلع التي لا تنضب، هو أننا نتوقع أن ترتفع أسعارها باضطراد إلى أن يؤدي ارتفاع الأسعار إلى إحلال بدائل أخرى محلها. ومع أن النفط بالتأكيد مادة ناضبة، فإن أسعاره «الحقيقية» انخفضت، ولم ترتفع منذ مستهل هذا القرن إلى عام 1971 (لأن «التوقعات» عما سيتم إنتاجه متى وكيف ارادت الشركات تغيرت خوفاً من انتقال الملكية الى الحكومات كما حدث فعلاً).
– ويرجع تدني الأسعار في السابق إلى أن الشركات الغربية كانت تخشى أن ينازعها في المستقبل منازع في أحقيتها امتلاك احتياطيات النفط، وهذا دفعها إلى إغراق الأسواق، والبيع بأسعار متدنية، لأنها لم تضمن أن يبقى النفط في حوزتها في المستقبل حينما ترتفع أسعاره.
– والأسعار إذا ارتفعت بنسب كبيرة، تعجّل بـ «نضوب» النفط اقتصادياً، حتى لو كنا ما زلنا نملك مئات البلايين من الاحتياطي المثبت المعروف.
انتهى جزء مما تم نشره قبل أكثر من (24) سنة.
والسؤال، لماذا ارتفعت الأسعار بنسب كبيرة منذ 2007؟
لأسباب كثيرة، أهمها من الناحية الاقتصادية النمو المطرد في الصين والهند. فإذا عرفنا أن عدد سكان الصين بليون و 300 مليون نسمة، ومن هذا العدد الهائل ما لا يقل عن 300 مليون يعتبرون من الطبقات المتوسطة ويملك معظمهم إما سيارة أو دراجة نارية. وفي الهند يوجد ما لا يقل عن 150 مليون شخص ممن يعتبرون من الطبقات المتوسطة التي تملك أو تسعى إلى تملّك سيارة أو دراجة آلية. ولو أضفنا إلى كل هذه الأعداد ما لا يقل عن 250 مليون شخص آخر، من دول آسيا الأخرى وجنوب أميركا، من الذين تحسّنت ظروفهم المعيشية إلى درجة اعتبارهم من الطبقات المتوسطة الساعين إلى امتلاك وسائل النقل المتحركة آلياً بأنواعها كافة، لصارت زيادة عدد المستهلكين لمشتقات النفط أرباب الأسر إلى نحو 700 مليون نسمة.
لكن ارتفاع الأسعار أيضاً يؤدي إلى زيادة الاحتياطيات، لأن ارتفاعها يؤدي إلي زيادة الاستثمار في وسائل وأماكن الاستكشاف، ويجعل من المربح البحث عن مكامن النفط في أماكن مكلفة كأعماق البحار والمحيطات، كما يؤدي أيضاً إلى العودة إلى حقول قديمة لمحاولة استخراج ما بقي في مكامنها بسبب ارتفاع تكاليف الاستخراج في الماضي حينما كانت الأسعار أقل مما وصلت إليه.
وخلاصة القول تحكم النضوب، بالنسبة إلى العالم ككل مستويات الأسعار التي بدورها تحكم الاستثمار في البحث والاستكشاف في أماكن أخرى، والاستثمار في تقنيات أفضل يتم توظيفها في البحث وفي الاستخراج. ومستويات الأسعار تحكم الاستثمار أيضاً في إيجاد البدائل إما مباشرة أو الاستثمار في تقنيات الإنتاج لإنتاج السلع «المعمرة» التي تستخدم الطاقة وتحتاج إلى كميات أقل من الطاقة للاستفادة منها كالطائرات وماكينات الإنتاج في المصانع، وبالطبع السيارات والأدوات المنزلية من ثلاجات ونشافات وأفران، وهلمَّ جرّاً.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*