مستقبل النفط ومستقبل الوطن؟!

مستقبل النفط ومستقبل الوطن؟!
د. صنهات بدر العتيبي
جريدة الرياض 11 يوليو 2008

يقال إنه في الأمور الاستراتيجية لا يوجد شيء اسمه “مزحة” أو “إدعاء” أو “مكابرة” بتصور أن شيئاً لن يحدث، فقد يحدث بأبسط مما نتصور؟! على سبيل المثال، قبل عدة شهور كان القول بأن سعر النفط سيصل إلى 150دولاراً يعتبر ضرباً من الخيال أو “المزح الثـقيل”؟! واليوم لم يبق إلا أربعة دولارات رخيصة (ثمن ساندويتـش برجر) ليحدث ما لم يمكن تصوره من قبل؟! صراحة إذا كان هناك من يقول إن سعر النفط سيصل إلى أكثر من 200دولار فصدقوه وإذا ظهر من يدعي أن النفط سينضب بحلول عام 2060م، فجهزوا العدة لنضوب النفط!!
المقولة الأولى تـفسيرها يكون بفهم دور المضاربة المسعورة في القفز بسعر البرميل ليصل إلى سعر برميل ذهب وقد يصل سعر النفط إلى 300أو 400دولار بأبسط الطرق (لا يهم) خاصة إذا كان المضارب سيكسب من وراء ذلك ثروات ؟! وقد يتذكر المواطن العادي الذي لا يفهم سر المضاربة كيف ارتفع سعر سهم (طيـبة الذكر) بـيشة إلى أكثر من 7000ريال رغم انه لا يسوى أكثر من 7ريالات؟! هذه هي المضاربة وهذا ما تصنعه خاصة مع دخول اشتقاقات مالية واستثمارية معقدة إلى عملية المضاربة مثل الخيارات والمستقبليات (إذا صحت الترجمة) وغيرها.
نعود إلى المقولة الثانية (نضوب النفط) هذه مقولة تصل درجة الجدية فيها إلى 1000درجة فهرنهايت ونحن في عز الصيف؟! أمامنا 50سنة فقط لتـتوقف الطفرة النـفطية وتبدأ (الفكرة)؟! سنكون في موقف لا نحسد عليه وقد ينطبق علينا المثل الذي يتحدث عن شخص كان يملك ثروة خرافية ولكنه استهلكها ولم يخلق منها (صندوقاً للأجيال) أو (بنية صناعية تحتية) أو (بـيئة معرفية منـتجة) ولا حتى (صندوق سيادي) فذهبت ثروته أدراج الرياح لأن الثروة السائلة (الورق) تذهب بأسرع مما أتت به؟! والعبر من التاريخ لا تخفى على أحد؟!
مستـقبل الوطن يُـبنى اليوم على فرضية أن النـفط سلعة لا تـنضب؟! وهذا ما لا يصدقه (عقل) فما هي الإستراتيجية المناسبة لمواجهة ما تحمله المقولة الثانية من مخاوف حقيقية على مستـقبل الاقـتصاد الوطني برمته؟! يجب التعامل مع النـفط على أنه سلعة تؤسس الاقـتصاد الصناعي أو المعرفي أو المهني أو العلمي الذي يصدر سلعا أخرى غير النـفط فـتختفي للأبد فكرة أن اقـتصادنا يعتمد على النـفط (Oil Based Economy) الطريقة الوحيدة لبناء اقـتصاد منـفصل عن النـفط ستكون باستـغلال عوائد النـفط الهائلة لتأسيس انـفصالية اقـتصادية عن النـفط نفسه؟!
فكرة نضوب النـفط تـثير الكثير من المخاوف خاصة الخوف من نضوب الطفرة النـفطية ولكن يجب أن لا يكون الحال هكذا!! الدنيا من حولنا تقول إن هناك دولا ومجتمعات خلقت وصنعت طفرات وطفرات من (غير النـفط)! فلا يجزع المتـشائمون!! علي سبيل المثال، اليابان برعت في صناعة السيارات رغم أنها أقل الدول ربما في خامات الحديد والمعادن ولكنها صنعت الماطور المعجزة!! والهند أصبحت مرجعية في تـقنية المعلومات وتلك ميزة تـنافسية لم تأت من السماء ولكن صنعتها العقول فأخرجت الهند من عباءة الفقر والجوع والمرض!! وهناك من يقول إن صناعة الماركات (العطور والساعات والأزياء وغيرها) تحقق لاقتصاديات فرنسا وايطاليا طفرات متوالية وتدخلهم معترك التـنافسية الدولية على أسس راسخة. وهناك مجتمعات أخرى برعت في التـقنية والبحوث والتطوير وصناعة الشركات العملاقة العالمة وهذه جوالاتكم في جيوبكم تخبركم عن “نوكيا” وكيف تـقود الاقـتصاد السويدي إلى طفرة تـقنية لا تجارى.
الفكرة بـبساطة أن اقـتصادنا يجب أن ينـتهي من فكرة الاعتماد على ميزة نسبـيةcomparative advantage تخرج من الأرض (الثروة النـفطية كما هي) فيصدر النـفط في براميل ولكن لابد من الالتـفات إلى فكرة “الميزة التـنافسية” للاقتصاد والمجتمع على المدى الطويل competitive advantage والتي تـشير إلى ضرورة بناء الاقتصاد بالتركيز على عدد المجالات المحددة تُـخلق منها مرجعية ثابتة ويصنع تخصص مدروس لا يمكن نقله أو تـقليده بـسهولة وتعطي دفعة مستمرة للنمو والرخاء الاقـتصادي.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*