نهاية عصر البترول ؟

نهاية عصر البترول ؟
مايكل كلير -30-6-2008

الحقيقة والعواقب في آخر أيام النفط الرخيص
على وجه السرعة التأم المؤتمر العالمي بشأن النفط في جده ، العربية السعودية يوم 28 يونيو ، وحاول كبار المسئولين في الدول المنتجة والمستهلكة من أنحاء العالم إيجاد مجموعة مؤتلفة من الحلول التي ستخلصنا إلى حد ما من الأزمة الحالية لأسعار الطاقة التي تحلق في السماء .
لكنها كلها تعتمد على الافتراض بأن الأزمة يمكن حلها من خلال الخلطة المناسبة من الإجراءات وبالتالي إعادة بيئة من النفط الرخيص والوفير — افتراض متصدع بشكل أساسي . دلائل متزايدة توحي أن هذه ليست مجرد أزمة عابرة . إنها بداية نهاية عصر البترول .
كيف يمكننا أن نعرف أن عصر البترول يقترب من نهايته ؟ مؤشران رئيسيان يخبرانا بأنه كذلك .
الأول :كثير من الحقول العملاقة التي أشبعت عطشنا الضخم لسنوات كثيرة تشهد إنتاجاً ضعيفاً .
الثاني : على الرغم من أن معظم المنتجين ينفقون أموالاً أكثر كل سنة من أجل اكتشاف مخزونات جديدة إلا أنهم يعثرون على نفط أقل وأقل . أي من هذين العاملين يعتبر سبباً مهماً للقلق إلا أن خلطة منهما تعتبر مميتة .

الاعتماد الخطر
أشخاص قليلون يدركون كم أصبحنا معتمدين على عدد صغير من حقول الماموث لإنتاج حصة الأسد من البترول المستخرج يومياً . على الرغم من أن العالم يحتوي على عشرات الآلاف من الحقول العاملة ، فقط 116 منها – كل واحد ينتج أكثر من 100000 برميل يومياً – كلها ما عدا عدد لا يتجاوز عدد أصابع اليد تم اكتشافها قبل ربع قرن ومعظمها تظهر علامات ضعف القدرة .
بالإضافة إلى ذلك ، بعضاً من أكبر الحقول في العالم – بما في ذلك حقل الغوار في العربية السعودية وبرقان في الكويت وكانتارل في المكسيك وساموتلور في روسيا – يبدو أنها الآن في طور الانحطاط أو على وشك أن تصبح كذلك .
الانحطاط في هذه الحقول العملاقة يمثل قضية ضخمة . لتعويض إنتاجها المفقود لا بد من زيادة في الإنتاج في آلاف من الحقول الصغيرة وليس هناك أي دلائل على أن هذا محتمل ولو بشكل ضئيل .
علامات انحطاط الحقول الكبرى بدأت في التراكم هذا الربيع عندما أعلنت المكسيك أن إنتاج حقل كانتارل انخفض بحوالي 416000 برميل يومياً ، 25 % من الإنتاج خلال عام 2007 .
على الرغم من أن شركة بيميكس التي تملكها الدولة كان بإمكانها تعزيز الإنتاج في عدد من الحقول الأخرى إلا أن الانحطاط في حقل كانتارل كان مهماً جداً حتى أن المكسيك سجلت انخفاض مقداره 9 % في إجمالي الإنتاج للربع الأول عام 2008 مقارنة بعام 2007 .
هذه علامة مشئومة للبلاد التي كانت قبل سنة ثاني أكبر مورد للبترول الخام في أمريكا . علامة مشابهة أتت هذا الربيع من روسيا ، التي كانت حتى وقت قريب نجماً صاعداً في عالم النفط . منذ اكتوبر الماضي انخفض الإنتاج هناك بنسبة 2 % تقريباً وليس هناك أي تلميح إلى أن الإنتاج سيتعافى في المدى المنظور .
أكبر لغز هو حالة حقل الغوار . هذا الحقل السعودي — إلى حد بعيد الأكبر على مستوى العالم — يساهم بـحوالي 7 % من الإمدادات العالمية . المسئولين في العربية السعودية يؤكدون على أن الحقل في هيئة جيدة وقادر على إنتاج ما يقارب 5 مليون برميل يومياً بشكل مستمر لسنوات .
لكن كثير من المحللين المشككين ، بمن فيهم مستثمر هوستون المشهور ماثيو سيمونز ، يعتقدون أن حقل الغوار في آخر مراحله وأنه سيدخل في مرحلة الانحطاط في القريب العاجل .
في كتابه ” الفجر الكاذب في الصحراء ” الذي صدر عام 2005 ، اقتبس سيمونز أقوالاً من أوراق علمية تظهر أن ضغط الحقل في الغوار يتم المحافظة عليه صناعياً من خلال الاستخدام الكثيف لحقن الماء – تقنية لا يمكنها أن تستمر إلى ما لا نهاية وعادة ما يتلوها انحطاط سريع في الإنتاج .

تكهنات رهيبة
من أجل تقدير أفضل لحالة أكبر الحقول في العالم تقوم وكالة الطاقة الدولية بعمل مسح لـ 400 من أكبر الحقول . على الرغم من أن المسح لن يتم نشره حتى نوفمبر ، إلا أن مسودات مبكرة من التقرير تسربت في صحيفة الوول ستريت جورنال — والتقديرات ليست واعدة .
وقالت الصحيفة في تقريرها في مايو ” المرقاب الرئيسي للطاقة في العالم يحضر لتخفيض حاد في توقعاته لإمدادات النفط ” ، ” التحول الذي يعكس تشاؤماً يزداد عمقاً بشأن ما إذا كان بإمكان شركات النفط الاستمرار في التماشي مع الطلب المزدهر ” .
النتائج الأكثر إقلاقاً في تقرير IEA ، طبقاً لأولئك الذين شاهدوا المسودات الأولية ، هي أن معدل النضوب في حقول النفط الموجودة مثل كانتارل والغوار وبرقان هي أعظم بشكل كبير مما كان معتقداً . بكلام آخر ، نحن نتجه لأن نصبح بدون مخزونات نفط معروفة بمعدل أعظم مما كان مفترضاً . فيث بيرول ، خبير اقتصادي كبير في وكالة الطاقة الدولية ، قال في مقابلة مع الصحيفة ” هذا وضع خطير ” .
بإمكاننا أن نعيش مع انحطاط هذه الخزانات العظيمة إذا كان لدينا بعض الثقة بأن خزانات جديدة ستكتشف طوال الوقت لتعويض كل تلك التي بلغت الآن نهاية إنتاجها الوفير .
لكن هذه ليست الحالة . وبغض النظر عن الزيادة الحادة في الانفاق على الاستكشاف والتطوير إلا أن معدلات اكتشاف خزانات جديدة تتناقص بثبات خلال الـ 30 عام الماضية .
طبقاً لفيلق المهندسين التابع للجيش الأمريكي فإن آخر عقد تجاوزت فيه الاكتشافات الجديدة معدلات الاستخراج من الحقول الموجودة كان عقد الثمانينات في القرن الماضي . منذ ذلك الحين أصبحنا نستهلك أكثر مما نكتشفه – نمط يمكن أن يؤدي فقط ، في النهاية ، إلى استنزاف كامل لمخزونات النفط العالمية المعروفة .

اكتشافات جديدة قليلة
حقل عملاق واحد تم اكتشافه خلال الـ 25 عاماً الماضية – حقل كاشاجان في قطاع البحر الأسود في كازاخستان – وقد تحول إلى كارثة غير كاملة . بمخزونات قدرت بـ 7 – 13 بليون برميل من النفط وسوائل الغاز الطبيعي ، حقل كاشاجان كان يتوقع في الأساس أن يدخل مرحلة الإنتاج عام 2005 بتكلفة 50 بليون دولار أمريكي .
نتيجة للمخاطر البيئية والتدخل الحكومي والمجادلات بين أعضاء الكونسوريتوم الذي ألقي على عاتقه تشغيل الحقل ، أصبح من المخطط له الآن ابتدأ ضخ النفط من الحقل في عام 2011 وبتكلفة 135 بليون دولار على أقل تقدير .
شركة بيتروبراس التابعة للبرازيل أعلنت مؤخراً عن اكتشاف كمية كبيرة مشابهة في المياه العميقة للأطلنطي ، حوالي 150 ميل قبالة شاطئ ريو دي جانيرو . وعلى الرغم من أنه واعد جداً إلا أن حقل توبي سيأخذ سنوات كثيرة للتطوير وسيتطلب تقنية أكثر تطوراً وأكثر كلفة من التقنيات الشائعة الاستخدام في الوقت الحالي .
هذه الاكتشافات الجديدة ربما تضيف مليون أو مليوني برميل من النفط يومياً للإنتاج في عام 2015 وما بعدها لكن عند تلك النقطة فإن الإنتاج من حقول النفط الموجودة من المرجح أن يكون أقل مما هو عليه اليوم . لا أحد يمكنه توقع كم سيكون بالضبط الإنتاج الجمعي في أنحاء العالم في ذلك الوقت .
لكن محللين أكثر وأكثر يصلون إلى الاستنتاج بأن الإنتاج التقليدي ( أي السائل ) للنفط سيبلغ الذروة عند حوالي 95 مليون برميل في اليوم في الفترة من 2010 – 2012 وبعدها سيبدأ في الانحدار الغير قابل للانعكاس .لذا فإن إضافة ملايين قليلة من براميل النفط من كاشاجان أو توبي لن يغير هذا الاتجاه .
هناك ، بطبيعة الحال ، كلام كثير حول مصادر النفط ” الغير تقليدية ” الأخرى : الخزانات الغير معزولة في المناطق البرية في الاسكا والرف القاري الخارجي لأمريكا ورمال القارة الكندية وصخور الطين الصفحي في جبال الروكي .
صحيح أن هذه التوقعات العديدة – إذا أثمرت وبغض النظر عن التكاليف الضخمة والمخاطر البيئية المتضمنة – قد تضيف ما بين 750000 برميل يومياً ( في حالة نفط الاسكا ) إلى عدة ملايين قليلة من البراميل ( في حالة المصادر الأخرى ) إلى إمدادات الطاقة العالمية في السنوات القادمة . لكن عندما ينفذ كل هذا الذي قيل فإن لا أحد منها سيوقف اقتراب النهاية الحتمية لعصر البترول .

نهاية عصر
لنعتبر أنه : في عام 2030 ، طبقاً لإدارة الطاقة في الولايات المتحدة ، يتوقع أن يبلغ الطلب العالمي ” للنفط السائل ” 117.6 مليون برميل في اليوم . من هذه الكمية فإن كمية الوقود الغير تقليدي – السوائل المصنعة من رمال القار وصخور الطين الصفحي والوقود الحيوي – ربما تقدم إجمالي 10.5 مليون برميل . هذا سيترك 107.1 مليون برميل يجب أن توفرها مصادر النفط التقليدية .
لكن ماذا سيحدث إذا انخفض انتاج النفط إلى 60 – 70 % من تلك الكمية بحلول عام 2030 كما هو متوقع من قبل كثير من المحللين ؟ في ظل تلك الظروف ،ليس هناك كمية نفط لا من الاسكا ولا من الرف الجليدي الخارجي سيكون بإمكانها حماية هذه البلاد ( أو بقية العالم ) من أزمة طاقة كارثية .
البعض يقول أن أي ملطف سيكون جديراً بالانفاق عليه طالما نحن متجهون إلى كارثة حتمية . لكن هذا ليس رداً منطقياً . بمعلومية أن عصر النفط يقترب من نهايته فمن الأفضل إلى حد بعيد أن نكرس مواهبنا ودولارات استثماراتنا في استعجال قدوم الخلف بدلاً من إطالة ألم نضوب النفط .
في هذه المرحلة ، نحن لسنا متأكدين تماماً من مصدر الطاقة الذي سيكون مسيطراً فيما بعد عصر النفط . هل سيكون عصر الطاقة الشمسية أو عصر الوقود الحيوي أو عصر الهيدروجين ؟ لكننا نعلم أنه سيدور حول واحد من مجموعة الموارد المتجددة والصديقة للمناخ والإمدادات المنتجة محلياً . من الآن يجب أن يكون على قمة أولويات أمريكا في حقل الطاقة استكشاف كل المكونات المحتملة لمستقبل الطاقة الجديدة هذا وأن نتحرك بسرعة لتطوير تلك الواعدة جداً .

مايكل كلير: أستاذ دراسات السلام والأمن العالمي في كلية هامبشير.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*