البترول الأمريكي المقدس

البترول الأمريكي المقدس
الوطن السعودية
عبدالله ناصر الفوزان 23/06/2008

من الواضح من خلال السجال الذي جرى وما زال يجري بين المسؤولين الأمريكيين والمسؤولين في منظمة أوبك وعلى رأسهم المسؤولون في المملكة العربية السعودية أن المسؤولين الأمريكيين يعتبرون ما لديهم مقدساً وما لدى غيرهم مستباحاً ومن تلك المقدسات الأمريكية بترول ألاسكا.
بصراحة… لافت للنظر هذا التسفيه لتصريحات المسؤولين في أوبك وفي المملكة العربية السعودية بالذات من قبل المسؤولين الأمريكيين.. فالمسؤولون في أوبك يصرحون دائماً وخلال كل مؤتمر من مؤتمرات أوبك بأنه لا يوجد أي خلل بين العرض والطلب وأن الإمدادات النفطية كافية، ولا توجد طلبات لا تلبى، ولذلك يقولون إن اضطراب أسعار البترول يعود للأحداث السياسية الساخنة في الشرق الأوسط وإلى عمليات المضاربة، ووزير البترول في المملكة العربية السعودية علي النعيمي صرخ في أحد التصريحات بأعلى صوته مؤكداً وجود التوازن بين العرض والطلب وقال لا توجد طلبات لم تلبَّ.. ثم تساءل وتحدى فقال أين الطلبات؟ أحضروها لنلبيها.
ومع كل هذا فالمسؤولون الأمريكيون يتجاهلون تلك التأكيدات القوية المتواصلة، بل إنهم في الواقع يسفهونها ويصرون على وجود النقص في الإمدادات، ويطالبون دول أوبك بزيادة الإنتاج ويهددون بمحاكمة دول أوبك بتهمة الاحتكار، ويواصلون الضغط السياسي وغير السياسي، ولا يكتفون بالحملات الإعلامية، بل يأتون للمنطقة ويطلبون وبالذات من المملكة العربية السعودية زيادة الإنتاج كما فعل نائب الرئيس الأمريكي تشيني، بل والرئيس بوش نفسه.
لفت نظري قول نائب وزير البترول في المملكة الأمير عبدالعزيز بن سلمان بعد إعلان المملكة عن زيادة إنتاجها بمئتي ألف برميل يوم الخميس الماضي إن هذه الزيادة تجارية بحتة وليست سياسية، وتأكد لي الحرص الشديد (المبالغ فيه أحياناً) لدى المسؤولين في المملكة على تأكيد توازن العرض والطلب في سوق البترول الدولي وأن الاضطراب في الأسعار عائد لأسباب أخرى غير العرض والطلب، والأمير عبدالعزيز يؤكد هذا بمقولته ربما المرة المئة بعد الألف، ومع هذا فللمرة المئتين بعد الألف أيضاً قرأت بعد ذلك خبراً عن تصريح لوزير الطاقة الأمريكي يستبق فيه المؤتمر الذي سيعقد في جدة بمبادرة من المملكة يؤكد فيه كالعادة عدم وجود التوازن ونقص الإمدادات وأنها هي السبب في اضطراب أسعار البترول ويطالب بزيادة الإنتاج.
طيب… ما دام المسؤولون الأمريكيون يواصلون تسفيههم لتصريحات المسؤولين في أوبك بل ويكذبون تلك التصريحات ويدَّعون أن هناك نقصاً في الإمدادات وأن ذلك هو سبب الاضطراب في الأسعار ويطالبون بزيادة الإنتاج فلماذا ظلوا يحتفظون بتلك الاحتياطيات الضخمة في ألاسكا وهي إحدى الولايات الأمريكية، ويعتبرونها احتياطيات مقدسة لا ينبغي الاقتراب منها؟
إذا كان هناك نقص شديد في الإمدادات البترولية كما يقول الأمريكيون فإنه يجب عليهم البدء في استخراج احتياطيات بترول ألاسكا، وقد سقطت الآن حجة تكلفة الإنتاج من ألاسكا فقد كان هذا مقبولاً ربما عندما كان سعر البترول في العشرينات أو حتى الثلاثينات أما الآن بعد أن تجاوز السعر مئة دولار فلم يعد ذلك مقبولاً، أما الحجج الأخرى كاعتبار ألاسكا محمية برية وأن الإنتاج يلوث البيئة فهي حجج مستهجنة لأن ما ينطبق على ألاسكا ينطبق على غيرها، هذا فضلاً عن أن ألاسكا أصلا منطقة خالية من السكان بعكس غيرها من مناطق استخراج البترول وبالذات منطقة الخليج.
الحجج التي يبرر بها الأمريكيون الإبقاء على احتياطيات ألاسكا ويرددونها واهية لا يمكن أن تقنع أحداً، وسبب الإبقاء الحقيقي ـ كما يبدو ـ أنهم يعتبرون تلك الاحتياطيات مقدسة لا يمكن استخدامها إلا بعد أن تنضب احتياطيات الدول الأخرى، أي أنهم يريدون منا الآن استنزاف احتياطياتنا حتى لو كنا غير محتاجين للعوائد المالية للزيادات التي ننتجها ليقوموا بإضافة ما ننتجه من زيادة لمخزوناتهم الاستراتيجية المقدسة الأخرى ولتضاف تلك المخزونات لاحتياطيات ألاسكا المقدسة.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*