بترول، نفط، زيت.. إلخ

بترول، نفط، زيت.. إلخ
أشرف إحسان فقيه
الوطن السعودية 17 يونيو 2008

هذا “الوقود الكربوني” الذي ترتبط هويتك به شئت أم أبيت. عرّف بنفسك على أنك من “السعودية”، وسيُنظر لك كبرميل بترول يمشي بقدمين. دائماً هناك صورة نمطية ما نحن محبوسون في إطارها. قبل سنوات كنت أنت الإرهابي المتهم في كل قضية أمن دولية حتى يثبت العكس. اليوم أنت بارون نفط غني وجشع.. ولا أحد سيحفل بإثبات العكس. ربما تكون صورة نمطية أهون من سواها. لكنك تظل موضع نقمة الغير وغضبهم. النظرات المسلطة عليك تظل حادة ومريرة.
فأنت.. يا شيخ النفط والثروة والنفوذ المفترض.. قد أفسدت حياة آلاف الأسر الكادحة والمستورة عبر أوروبا وأمريكا الشمالية. دول العالم الأول المشغولة بهواجس الديموقراطية وحقوق الإنسان، والحرية أيضاً التي يحارب من أجلها جنود أمريكا الشجعان في مجاهل صحاري الشرق.
أنت – بالذات – بصفتك منتج الزيت الأول في العالم.. والمتحكم -بالتالي – بأسعاره ومستويات إنتاجه.. قد أفسدت خطط آلاف الأسر الأمريكية والكندية لهذا الصيف. حرمت آلاف الفتية والفتيات من مشاريع إجازاتاتهم لأن آباءهم ببساطة سوف لن يتمكنوا من تحمل نفقات “البنزين” الذي سيحرك سيارتهم على الطرق العابرة للولايات. سوف لن يسعهم أن يستأجروا عربات الـ “آر في” ليأخذوا عوائلهم إلى الجرف العظيم في أريزونا ولا لشلالات نياجارا على الجانب الكندي.
وأنت – أكثر من ذلك – قد جعلت السفر بالطائرة أكثر استحالة على هذه العوائل المتوسطة المستورة. بل أنت.. يا أيها السعودي البترولي الثري.. ستجعل شركات الطيران هذه تعلن إفلاسها وتسرّح الآلاف من موظفيها.. لتكتمل فصول مخططاتك الشريرة!
وما ذنبك أنت.. تتساءل؟ تحتج بأن عملية تحديد سعر البرميل معقدة وعويصة، تحاول شرح مبدأ (العقود الآجلة)، وتعلق الجرس برقبة بورصات النفط والضرائب الباهظة التي تفرضها الحكومات الغربية على الوقود، تلوّح بفاتورة الـ (جازولين) الذي عبأته في خزان سيارتك أنت.. تحاول أن تثبت أن رجليك أيضاً – كمغترب مقيم معهم – معلقتان في ذات (الفَلَكة)؟ هيهات! أنت “سعودي”.. أنت برميل نفط يمشي ويتكلم.. وينضح بالمال حيثما حلّ.
أنت البترول.. وأنت (أوبك) أيضاً. أنت وراء قرار (جنرال موترز) إغلاق مصنعها في (أوشاوا) وتسريح عماله.. وأنت وراء قرار جاركم عدم شراء سيارة أمريكية رياضية لابنته المقبلة على الحياة.. لا أحد يريد السيارات الأمريكية لأنها تحرق الوقود بجنون. ابنة جاركم صارت تكرهك كما القبر!
ستذكُر لهم أن بلادك مهتمة بهذا الارتفاع “غير المبرر” بالأسعار.. يبتسمون لك بمقت.. طبعاً هي مهتمة.. مهتمة بجمع المزيد من المال من جيوبنا وظهورنا سيجيبون. تذكر لهم بأن بلادك ستنظم مؤتمراً للدول المنتجة والمستهلكة لمناقشة الأزمة.. يهزون أكتافهم بلا مبالاة.. هل سيعيد لنا ذلك دولاراتنا؟ سيتساءلون.
“العربية السعودية تزيد الإنتاج لتكبح جماح الأسعار”. تحمل لهم صفحة الجريدة بالدليل الدامغ. تحاول أن تعطي موقفك صبغة إنسانية: “أترون.. نحن نخاطر بمستقبل أبنائنا وأحفادنا لنضمن لكم أسعاراً أفضل”.. لكن تصدمك نظراتهم المفجوعة.. “وهل سيتحكم أبناؤك وأحفادك يوما ما أيضاً في حياتنا؟”.
التساؤل يلتف على نفسه داخل عقلك ليتخذ صيغاً أخرى. ليس لأن النفط سينضب قبل ذلك الوقت.. وليس لأن العالم سيستغني عن الزيت الأسود كمصدر أول للوقود قبل أن يبلغ أبناؤك رشدهم. تعرف أن الوضع غالباً سيستمر على ما هو عليه لخمسين سنة قادمة على الأقل. ولكن فكرة أن تقبع أنت.. أن يقبع معك أبناؤك وأبناؤهم أيضاً في إطار برميل البترول. أن يظل هذا الجيل والذي يليه والذي سيليه معتالين على سواد البترول ولُزُوجَته. أن يقترن مستقبلهم هم أيضاً وأملهم في حياة كريمة مرفهة بسعر الخام وتكلفة تكريره وشحنه. أن يتم اختزال كل هذه الأنفس وحيواتها في بئر النفط وما حوته.. هذه الفكرة بالذات تفزعك وتقض مضجعك.
بترول، نفط، زيت.. إلخ. هذه المترادفات بلغاتها الأصلية تملأ وسائل الإعلام من حولك. تجعلك في قلب الحدث وعلى كل غلاف وإن لم تكن صورتك هناك. الكل يلعن برميل النفط وحواجز الأسعار التي يحطمها كل يوم. الكل يكيل له الشتائم وهو يتسبب في ارتفاع سعر كل سلعة مُصدرّة ومشحونة.. كل مشوار وكل نفحة هواء صناعي بارد في هذا الصيف الحار. أنت ترقب هذا كله وتقنع نفسك بألا شأن لك به. بالتأكيد أنت لست مختصراً في مجرد برميل بترول.. ولا في كثيب رملي وجمل ودلة قهوة. أنت إنسان عصري محمّل بكل مشاكل وعقد القرن الحادي والعشرين. أنت مفعم بالحب والشعر والسياسة وكرة القدم. أنت جربت كل ساندويتشات مكدونالدز وشاهدت معظم أفلام ويل سميث.. بل إنك حتى لا تعرف إلا النزر اليسير عن دورة حياة برميل النفط.. ولست متأكداً عما إذا كان بئر “الخير” رقم 7 موجودة بالدمام أم بالظهران (؟) النفط وصناعته وأخباره هو حقاً في آخر قائمة اهتمامتك.. هكذا نشأت وتعلمت في المدرسة وعبر أخبار القناتين الأولى والثانية قبل عهد (الدش) الميمون.
أنت مجرد مواطن سعودي.. يرجو أن يُترك وشأنه ولا يزج به في موضوع القار الأسود هذا.
قلت “سعودي”؟ أليست هذه هي الدولة التي يجيء منها البترول؟ دائماً نفس التساؤل (الذكي) يطرح عليك.. دائماً ليذكرك بالصورة النمطية التي تلاحقك عبر الأزمان والمسافات.. وستلاحق أبناءك وأحفادك على ما يبدو. أنت وهم ستبقون محسوبين على الزيت الأسود المنبجس من الأرض. أنت وهم والأرض ذاتها أيضاً.
“أنت أيها السعودي.. ماذا سيحل بك وبثروتك الطائلة بعد أن ينضب كل النفط؟” تتلقى السؤال ببرود وتحاول أن يكون ردك قاسياً. تجيب مثلاً بما معناه: أوه طبعاً سأعود لركوب الجمال كما فعل أجدادي.. لكن أنتم ستتورطون بكل السيارات التي صنعتموها.
تقول ذلك وأنت تحاول أن تحصي مقترحات بدائل محرك السيارة البترولي التي قرأت عنها حتى الآن.. تقوله وأنت تجاهد لتتذكر متى كانت آخر مرة رأيت فيها جملاً على الطبيعة.. ولم تخف من شكله!

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*