هل انتهى عصر النفط؟

هـل انتهـى عصـر النفـط؟
سمير التنير*
جريدة السفير اللبنانية 2004

في عام 1894 نظمت مجلة فرنسية تدعى «الجريدة الصغيرة» Le petit journal سباقا لمركبات غير تقليدية (في ذلك الزمان) اي لا تجرها الجياد. وقد امتد ذلك السباق من باريس الى مدينة روان اي لمسافة 125 كلم. وكانت الجائزة مبلغ 5000 فرنك. وقد استعمل المتسابقون كل انواع مواد الوقود، من البخار والكهرباء والهواء المضغوط. اما الفائز فقد استعمل نوعا من الوقود لم يستعمل من قبل الا في الاضاءة. وهكذا ظهر منذ ذلك الوقت البنزين المستخرج من النفط. ومنذ ذلك الانتصار اصبح البترول المستخرج من النفط هو الوقود الافضل للمحركات على الرغم من ان الناس كانوا ينظرون الى السيارات على انها مركبات تثير الضجة والرائحة الكريهة. وفي عام 1900 انقسمت السوق مناصفة بين البترول والبخار والكهرباء. وقد اخترع هنري فورد السيارة من موديل T التي تستعمل البنزين، ومنذ ذلك الوقت اصبح البترول هو الوقود السائد، لان موتورات الاحتراق الداخلي اثبتت جدارتها وقوتها. كما ان احتياطات النفط كانت هائلة.
اما الآن فيقف العالم امام اكبر تهديد لسيادة البترول، وذلك لوجود احتمالات كبرى لنضوب الذهب الأسود. وقد تنبأ عدد من الجيولوجيين بأن انتاج النفط بدأ بالانحدار. كما ان البدائل المتوفرة لا يمكن لها ان تحل محل النفط. وان وصول انتاج النفط الى الذروة والانحدار بعد ذلك سينتج عنه حصول كارثة للاقتصادات الصناعية المتقدمة. وقد اكتسبت تلك النظرية قبولا واسعا في دوائر «وول ستريت» وفي وسائل الاعلام. وألفت كتب متعددة حول الموضوع منها «نهاية البنزين» Out of gas والخزان الفارغ The Empty Tank والانهيار الاقتصادي القادم، كيف نستطيع التصرف عندما يبلغ سعر برميل النفط 200 دولار The coming economic collapse. How you can thrive when oil costs 200$ a barrol.
ولكن على الرغم من نفي شركات النفط العملاقة، لتلك النظرية من قبل، الا انها عادت الآن للترويج لها. وقد استعملت شركة شيفرون الاعلان التالي: لقد استغرق منا الوقت 125 سنة لاستخراج التريليون الاول من براميل النفط، اما التريليون الثاني فسيستغرق 30 سنة فقط» اما مدير شركة شل جيفرون فان درفيل فقال: لقد انتقل النقاش الآن «من هل سنستطيع شراء النفط» الى مقولة «هل يوجد النفط من بعد؟».
يطرح السؤال بقوة اكبر: «هل ينضب النفط في العالم قريبا؟». وهل ارتفاع الانتاج الى الذروة ومن ثم الى الانحدار السريع سيؤدي الى حصول كارثة اقتصادية. ويقول الخبراء الغربيون ان هذين السؤالين يكتسبان الآن مصداقية خاصة. ويتركز الاهتمام على إبدال النفط بمصادر طاقة اخرى لتحريك العدد الهائل من السيارات والاوتوبيسات والطائرات. ان العالم اليوم هو على وشك التهيؤ لحصول انتقال من عمليات التنقيب عن النفط المكلفة الى عمليات تكنولوجية ـ صناعية خاصة تنتج بديلا عن النفط، هو افضل منه بحسب رأي مدير شركة شل السالف الذكر. ويجري السباق الآن حول تصنيع بدائل للنفط تحل محلها موقتا وتؤدي الى اطالة عمر احتياطات النفط في العالم. وهذا الانتقال من الاكتشاف الى التصنيع يفتح الباب لشركات من خارج احتكارات النفط من امثال شركة جنرال الكتريك الاميركية وفيرجن البريطانية وساسول الافريقية الجنوبية. وكافة تلك الشركات تعمل على انتاج بدائل للنفط وربما يؤدي ذلك الى حدوث اختراق علمي Technolgical Breakthrough.
ولكن السؤال يعود مجددا: «هل ينضب النفط في العالم؟». يجيب عن هذا السؤال كولين كاسبل وهو جيولوجي ايرلندي بأن حصول ذروة للإنتاج ومن ثم الانحدار غير معقولة الآن. اما كينيث دافيز من جامعة برنستون فيقول بأن قمة انتاج النفط حدثت في السنة الماضية. وتشير التوقعات الى ان انتاج النفط سيتصاعد في السنوات القادمة. ويقول مركز كامبردج لابحاث الطاقة (Lera) ان انتاج النفط سيرتفع في العالم بمعدل 15 مليون برميل في اليوم، وذلك ما بين اعوام 2005 ـ 2010 اي ما يعادل 18 بالمئة من الانتاج الحالي. وذلك في اكبر زيادة حدثت في التاريخ. كما يشير المركز كذلك الى ان كل تلك المشاريع هي ممولة وفي دور التطور، ولا يعيق الانتاج الا امران: هما التطورات السياسية والحروب الاهلية.
تجد شركات النفط الغربية الكبرى صعوبة في ايجاد الاحتياط النفطي لما تنتجه. ويقول آرت سميث، احد خبراء النفط في الغرب، ان الشركات تستعيد فقط برميلا واحدا من كل ثلاثة براميل تنتجها. اما الخبير الآخر المدعو مايكل رودجرز فيقول ان الاكتشافات الكبرى حدثت منذ 30 عاما. ولم يطرأ اي جديد بعد ذلك. ولا يعني ذلك ان النفط السهل الانتاج والرخيص قد نفد من العالم، اذ لا تزال كميات كبرى منه موجودة في روسيا وفي بلدان «اوبك». وبوجود النفط الخام في آلاسكا وبحر الشمال، فإن انتاج النفط خارج اوبك سيزداد زيادة كبرى، ومن المتوقع ان يصل الى ذروته في عام .2015
ومن المؤكد ان شركات النفط والبلدان المصدرة. لن تستطيع بعد اليوم اكتشاف حقول كبرى للنفط مثل حقل الغوار بالسعودية الذي ينتج وحده خمسة ملايين برميل في اليوم. اما الاختراقات التكنولوجية في تحسين وسائل الاستخراج مثل Multilateral Drilling والتي اعادت الكميات المستخرجة من بحر الشمال الى ما كانت عليه من قبل، كما ان وسائل الاستخراج المحسنة تستطيع ان تضيف الى كميات الانتاج اكثر مما تستطيعه الاكتشافات الجديدة، وفي بحر قزوين وفي بحر الشمال. كما تتابع الشركات الكبرى البحث عن النفط في المياه العميقة، وفي المناطق القطبية التي يذوب ثلجها الآن بسبب ارتفاع حرارة الأرض. ويتوقع ايضا ان تتسع مساحات الاراضي المؤهلة للاكتشافات الجديدة في سيبيريا والسعودية والعراق. اما الخبراء المتشائمون فيقولون ان كميات الاحتياطي في منطقة الخليج، والتي يعول عليها الغرب، مقدرة باكثر مما هو عليه الواقع. نجد ذلك واضحا في كتاب ماثيو سيمنز المسمى «شفق في الصحراء» Turilight in the Desert الذي يقول ان وضع آبار النفط في السعودية ليس على ما يرام. كما ان الكويت لا تحوز 100 مليار برميل من الاحتياطي، بل على نصفها فقط. ولذلك يؤكد توم فالين ناشر Petrolium Itelligence weellg ان الأرقام المعطاة من الحكومات يجب مراجعتها والتأكد منها. وعلى الرغم من اتساع مناطق احتياطات النفط في العالم كله والزيادة المذهلة في الانتاج، يبقى مجال الانحدار الكارثي غير متوقع الآن او في المستقبل المنظور.
يحذر الخبراء الغربيون المتشائمون من أن الآبار العملاقة في السعودية قد ينحدر انتاجها قبل وضع الاكتشافات الجديدة في عملية الانتاج. ولذلك يدعو جيرفي ليكت مؤلف كتاب «الخزان الفارغ» الى تقليص الاقتصادات الغربية قبل حصول الأزمة. ان عدم وجود البدائل للنفط، وعدم استطاعة الحصول عليها باسعار تجارية، قد تدفع الانتاج الى ذروته ثم ينحدر بعد ذلك انحدارا مؤثرا، ما يجعل سعر برميل النفط يرتفع الى سعر عال جدا وغير مسبوق، بسبب الفوضى في اسواق النفط ويؤدي الى تراجع الاقتصاد الغربي وانهياره.
يعتبر بعض الخبراء ان السيناريو ـ الكابوس المشار اليه اعلاه يبقى مرجحا، لان الآبار الكبرى مثل حقل الغوار في السعودية، لن ينحدر انتاجها من 5 ملايين برميل يوميا الى الصفر، بين ليلة وضحاها. ان الآبار الكبرى توجد ضمن شبكة من آبار قديمة وجديدة متصلة والانحدار في الانتاج سيكون متدرجا.
ولكن هل تؤدي ندرة النفط الى حدوث كارثة اقتصادية؟ يجيب بعض الخبراء امثال جيري تايلور وبيتر فان دورن من معهد كاتو Cato Institut، بأن ذلك يمكن منع حدوثه بواسطة عدم التدخل في الاسعار ووضع القيود على الاقتصاد كما حدث في فترة السبعينيات. اما كينيث رغوف، الاستاذ في هارفرد فيقول ان اسواق النفط متطورة جدا، وهي تغطي فترات من الزمن تمتد من خمسة الى سبعة اعوام. وعندما ينحدر الانتاج فإن الاسعار سترتفع، ويؤثر ذلك على التكنولوجيات الجديدة وعلى الكميات المخزنة كاحتياطي استراتيجي. ان الحصول على برميل للنفط بسعر 20 دولارا حاليا هو امر مستحيل، اما سعر 60 دولارا للبرميل، فيؤمن النفط لعدة عقود قادمة، كما يتنبأ الاستاذ في هارفرد المشار اليه.
تتركز دعاوى المتشائمين ايضا على ان بدائل النفط، لا يمكن وضعها في اسواق الطاقة قريبا، كي تعوض الانحدار في انتاج النفط. كما ان اسواق البدائل لا تزال صغيرة نسبيا. وذروة الانتاج النفطي في العالم قد تحدث ما بين اعوام 2020 ـ 2030 وبعدها الانحدار الرهيب في الانتاج الذي تتوقعه وكالة الطاقة الدولية. في تلك الاوقات يمكن ادخال بدائل النفط الى الاسواق (بعد استنفاد آخر نقطة من النفط على ما يبدو) كي يتم الانتقال من مصدر للطاقة الى مصدر آخر، بسهولة. تبدو تلك الفكرة مرجحة حاليا بعد اعلان شركة شيفرون «ان الشركات العملاقة تنتقل من مجال الاكتشاف الى مجال التصنيع» وقد جربت شركة اودي للسيارات طرازا من السيارات في فلوريدا هو R – 10 يتزود محركه بمازوت مصنع من الغاز الطبيعي.
تمضي عملية تصنيع بدائل النفط على قدم وساق. وتوجد في قطر كميات من الغاز الطبيعي تعادل مرتين الطاقة المستخرجة من حقل الغوار في السعودية. وفي العالم اليوم كميات كبيرة جدا من الغاز الطبيعي، وباستعمالها يمكن التخفيف من انتاج النفط الخام واطالة وقت النفاد. وتلجأ الشركات الكبرى ايضا الى استعمال التقنية التي ابتكرها العلماء الألمان في عهد النازية. وهكذا يمكن انتاج المازوت من المنتجات الزراعية، ومن الرمال النفطية الموجودة في كندا والولايات المتحدة. كما تعمل الشركات ايضا على استخراج البترول من الفحم الحجري. ويقول بيتر روبرتسون، نائب المدير العام في شيفرون ان «ارتفاع الاسعار مفيد لنا، اذ ان المستثمرين وضعوا رساميل هائلة لتصنيع البدائل، الا اذا حصل انهيار في اسعار نفط اوبك كما حدث في اعوام 1985 و1998».
لن تتبدل اهتمامات الشركات النفطية الكبرى الآن، ولن تترك اسواق النفط الخام، كما ان عندها بدائل اخرى تتمحور حول النفط الثقيل الموجود في الولايات المتحدة في حقل كيرت في كاليفورنيا وفي غيره، كما يوجد ايضا في الصين. واستطاعت الشركة المذكورة تطوير عملية استخراجه بواسطة الحقن بالبخار Steam injection process.
من غير المعقول ان يتم الانتقال قريبا الى مصادر اخرى من الطاقة بديلة عن النفط الذي تعتقد كثير من الحكومات في العالم، انه يساهم في رفع حرارة الأرض. اما المفارقة فتبقى في ان البترول المُصنع سيساعد في اجتياز عملية الانتقال من استعمال مصدر للطاقة هو النفط، الى مصادر اخرى غيره، وذلك بعد ان سيطر محرك الاحتراق الداخلي بواسطة البنزين على اسواق اجهزة النقل في العالم كله، الى فترة تقارب القرن، او اكثر من ذلك بقليل.
(*) باحث اقتصادي.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*