أزمة النفط واستجابة الدانمرك

أزمة النفط واستجابة الدانمرك
توماس فريدمان
المركز الدولي لدراسات أمريكا والغرب (2008)

فندق “أركتيك” في “إيليوليسات”، هو فندق صغير وأنيق يقع على الساحل الغربي لجرينلاند، لكنه لا يرقى بحال من الأحوال الى فخامة فنادق “فور سيزونز”. رغم ذلك، فإن ما حدث حين عدنا في ذلك اليوم، أنا وزوجتي، إلى جناحنا في الفندق عقب العشاء، وحاولنا تخفيض درجة الإضاءة في ممر الصالة، هو أن نور الصالة أضاء فجأة.
وتبين لنا بعد السؤال أن السبب هو جهاز حساس لكشف الحركة يستخدم لتوفير الطاقة. لم يكن هذا هو الجهاز الوحيد المستخدم في الفندق لتوفير الطاقة، بل كان هناك صندوق شطف للمرحاض بدرجتين! إنني لم أجد شيئاً مثل هذا في أي فندق أميركي، وهو ما يدفعني للقول: يا ليتنا كنا أكفاء في استهلاك الطاقة مثل جرينلاند!
عقب ذلك بيوم عدت مرة أخرى إلى الدانمرك. وبعد إجراء بعض اللقاءات التي كانت مدرجة على قائمة مواعيدي، ركبت سيارة عائداً إلى الفندق في السادسة مساءً، وهي ساعة ذروة في العاصمة الدانمركية. كنت أعرف بالطبع أنها ساعة ذروة، لأن نحو 50% من وسائل المواصلات المستخدمة في التقاطعات، كانت عبارة عن دراجات هوائية. لو كنت أعيش في مدينة تخصص مسارات للدرجات في كافة الشوارع، بما في ذلك تلك المؤدية للمطار، لما ترددت في الذهاب إلى العمل، أو إلى المطار بهذه الطريقة، لأنها تعني تخفيف حدة الزحام المروري، وتخفيض التلوث، وتخفيف البدانة. مرة أخرى دفعني ذلك للتأوه متحسراً: يا ليتنا كنا عمليين في استهلاك الطاقة مثل الدانمركيين.
تختلف الدانمرك عن أميركا من حيث كونها تضررت بشدة بسبب الحظر الذي فُرض على تصدير النفط العربي عام 1973، وهو ما دفعها إلى حظر القيادة كل يوم أحد لمدة طويلة، وإلى الاستجابة لتلك الأزمة بهذه الطريقة المركزة والمنهجية، والتي أتاحت لها تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة.
الدانمركيون تحملوا طائفة من الضرائب على استخدام البنزين، وعلى انبعاثات الغاز، كما وضعوا معايير للكفاءة في استخدام الأجهزة والمعدات!
ما هي الطريقة التي اتبعتها الدانمرك لتحقيق ذلك؟ ليس هناك من شك في أن الدانمرك أصغر من أميركا، وأنها كانت محظوظة عندما اكتشفت النفط في بحر الشمال، لكن ذلك ليس هو السبب فيما وصلت إليه من اكتفاء ذاتي في مجال الطاقة، وإنما هناك أسباب أخرى. فالدانمركيون تحملوا طائفة من الضرائب على استخدام البنزين، وعلى انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، كما وضعوا معايير للكفاءة في عمليات البناء، وفي استخدام الأجهزة والمعدات المختلفة، مما أتاح لهم الفرصة لتنمية اقتصادهم -دون أن يؤدي ذلك إلى زيادة استهلاكهم من الطاقة إلا قليلاً- وأتاح لهم الفرصة لبناء صناعة دانمركية “نظيفة الطاقة” تعتبر من بين أكفأ الصناعات في العالم، وهو ما يتبين لنا إذا ما عرفنا أنها تحصل على 20% من احتياجاتها من الكهرباء من طاقة الرياح، بينما لا تزيد هذه النسبة في الولايات المتحدة عن 1%.
وهنا قد يخطر على الذهن سؤال: هل عانى الدانمركيون جراء السياسة التي اتبعتها حكومتهم، والقائمة على التحكم في شكل السوق من خلال فرض ضرائب على استهلاك الطاقة، سعياً لتشجيع الابتكار في مجال الطاقة النظيفة؟ تقول وزيرة الطاقة والمناخ الدانمركية “كوني هيديجارد” رداً على هذا السؤال: “في كلمة واحدة أقول إن ذلك لم يحدث… وأن الذي حدث هو أن تلك السياسة شجعت الدانمركيين على مزيد من الابتكار؛ مثل اللجوء إلى ركوب الدراجات في المواصلات بدلاً من السيارات وإعادة تدوير الحرارة الناتجة عن محطات الطاقة التي تستخدم الفحم لاستخدامها في التدفئة المنزلية، والحصول على المياه الساخنة، وحرق القمامة في محطات مركزية لتوفير الطاقة لمنازلهم”.
عندما يفكر المرء في الطريقة التي استجاب بها الدانمركيون لأزمة النفط عام 1973، وفي الطريقة التي استجبنا بها نحن، وكذلك في درجة الكفاءة التي وصلوا إليها في استخدام الطاقة، والدرجة التي وصلنا نحن إليها… فإنه لا يملك سوى الشعور بالرثاء والشفقة على النفس.
ولعل رئيس وزراء الدانمرك “فوج راسموسين” قد عبر عن هذه النقطة بشكل واضح عندما قال لي: “لاحظت ما حدث في كافة البلدان استجابة لأزمة النفط، بما في ذلك أميركا، ووجدت أن الجميع يشتكون من ارتفاع أسعار البنزين. وفي رأيي أن العلاج ليس في تخفيض الأسعار، وإنما في زيادتها بحيث تصبح أعلى من المستوى الذي تصل إليه بالفعل حتى نتمكن من كسر إدماننا على النفط، ومن استخدام الدخل المتحصل من ذلك في تخفيض الضرائب الشخصية، بحيث نحسن الدوافع إلى العمل، وتوفير الطاقة، وتطوير الطاقة القابلة للتجدد”.
إن الضرائب الذكية والحوافز الذكية هي التي حثت شركات الطاقة الدانمركية على الابتكار، كما يتبين مما قاله لي “ديتليف إنجيل” رئيس شركة “فيستاس دانمرك” التي تعتبر أكبر شركة لإنتاج التوربينات في العالم، فقد قال: “إنني في الحقيقة غير قادر على فهم السبب في إخفاق الكونجرس الأميركي في استخدام إعفاءات ضرائب الإنتاج من أجل تطوير طاقة الرياح في أميركا”.
وعندما سألته عن سبب اهتمامه بذلك الموضوع قال لي: “لقد واجهنا 35 منافساً قادمين من الصين خلال الثمانية عشر شهراً الماضية، ولم نواجه منافساً واحداً قادماً من الولايات المتحدة”.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*