مستقبل العالم مع النفط ومع انخفاضه

مستقبل العالم مع النفط ومع انخفاضه
ليستير براون
المركز الدولي لدراسات أمريكا والغرب (2008)

«بدأ اصطلاح بيك أويل Peak oil يثير قلق الكثيرين في عالم النفط، وهذا الاصطلاح يشير إلى النقطة التي يبدأ فيها إنتاج النفط بالتوقف عن الزيادة ويتحول إلى حالة انخفاض محتمة على الأمد الطويل. وبما أن الطلب على النفط يزداد بشكل مستمر ومتصاعد جداً فإن النتيجة التي تظهر عند ذلك هي ارتفاع حاد بأسعار النفط. وحتى لو انخفض الازدياد في إنتاج النفط أو استوى عند درجة معينة، فإن التحكم في تزويد وتصدير النفط في العالم سوف يؤدي إلى ارتفاع الأسعار ربما بدرجة أقل تسارعاً وحدّة لكن الطلب المتزايد عليه سيدفع إلى هذا الارتفاع.
ومع هذه الاحتمالات ومضاعفاتها لم تتوجه نحو التخطيط لخفض استخدام النفط في العالم إلا دول قليلة محدودة. وعلى الرغم من أن انخفاض مستوى استمرار إنتاج وتدفق النفط في هذه الأرض أصبح مسألة واقعية ومتوقعة، إلا أن دولاً كثيرة لا تزال تعتمد على إمكانية استهلاك النفط مهما بلغ ارتفاع أسعاره في عشرات السنوات المقبلة.

عشوائية التوسع الصناعي المعتمد على النفط
وهذه الدول تستمر في بناء وإنشاء المصانع الضخمة لإنتاج السيارات والآليات التي تعمل على النفط والطرق والشوارع الواسعة من حول المدن وأماكن توقف السيارات والأحياء البعيدة التي يمكن الوصول إليها بواسطة هذه الآليات وكأن النفط الرخيص سوف يبقى للأبد. وفي مجال النقل الجوي لا تزال الدول المنتجة لطائرات السفر والنقل تقوم بتطوير طائرات جديدة لأنها تتوقع توسع مجالات السفر الجوي وازدياد الرحلات الجوية من دون أي حدود. وفي عالم يمكن أن ينخفض إنتاج ووجود النفط فيه لن تستطيع أي دولة استخدام المزيد من النفط وبشكل مستمر إلا على حساب الآخرين. لكن مثل هذه الحالة لانخفاض إنتاج النفط لا بد أن تحمل تأثيرها على عدد من القطاعات في الاقتصاد العالمي بشكل يفوق تأثيرها على قطاعات أخرى لأنها ستعتمد على المزيد من استهلاك النفط بكل بساطة. ومن بين هذه القطاعات التي ستتأثر بشكل سلبي واسع من انخفاض إنتاج النفط قطاع الباصات والسيارات والآليات، وكذلك قطاع صناعة طائرات السفر وملحقاتها من صناعة الأغذية والأطعمة التي تقدمها الطائرات. ولا شك أن المدن والأحياء والضواحي ستتأثر هي أيضاً حين يبدأ الانحسار في استهلاك النفط. وفي الصناعات الأميركية للسيارات والآليات ستتحول مظاهر التوتر إلى مظاهر أكثر بروزاً مما كانت عليه عندما ارتفعت أسعار النفط في منتصف عام 2004. وبدأنا نشهد الآن أن شركة (جنرال موتورز) و(شركة فورد) اللتين تنتجان أكبر كمية من السيارات والآليات في الأسواق لم تعد وكالة (ستاندرد) و(بور) تمنحهما درجة الثقة والمصداقية نفسها في تطورهما المستقبلي لأنهما ستضطران إلى تخفيض قيمة الأسهم. وعلى الرغم من أن ارتفاع أسعار النفط يثير اضطراباً في صناعات السيارات وهذا ما يظهر في عناوين عريضة في عالم الاقتصاد، إلا أن الصناعات الأخرى المرتبطة بصناعة السيارات ستلحق بها تأثيرات كبيرة أيضاً ومن بين ذلك صناعة قطع التبديل والإطارات.

عودة الزراعة المحلية للانتعاش
أما قطاع صناعات الأغذية والأطعمة فسوف يلحق بها مضاعفات سلبية بطريقتين رئيسيتين. فالأغذية والأطعمة ستزداد تكاليفها كلما حلقت أسعار إنتاج النفط واستهلاكه. وكلما ارتفع سعر النفط سيتسبب ذلك بتغيرات على مبيعات الأطعمة والغذاء لأن الناس سينظمون طرق وأشكال غذائهم بما يتناسب مع مداخيلهم وما يتوفر من إنتاج محلي غذائي في بلدانهم وبالاعتماد على زراعة أقل تطوراً وأقل تكلفة في الوقود. وعلى هذا النحو سيلجأ المزيد من الناس إلى إعادة تنظيم طرق حصولهم على الطعام من المنتوج الزراعي المحلي الذي سيزداد الاعتماد فيه على الطبيعة وفصولها. وفي الوقت نفسه لا بد أن يؤدي الارتفاع في أسعار النفط إلى دفع المنتجين الزراعيين إلى إنتاج محاصيل زراعية تتوفر تقنية استخدامها كوقود سواء من خلال (ايثانول) أو (البيوديزيل) (الوقود المستمد من الأحياء الزراعية). ومن المقدر عملياً أن يتسبب ارتفاع أسعار النفط بتصعيد درجة المنافسة بين أصحاب صناعة الآليات التي تعمل على الوقود المستمد من المنتوج الزراعي وبين الناس أصحاب الدخل المحدود والفقراء الذين يعتمدون على مصادر الطعام رخيصة الأسعار، الأمر الذي سيؤدي إلى نشوء عقدة أخلاقية جديدة في هذا العالم المحتمل.

معاناة النقل الجوي
وكلما حلقت أسعار وقود الطائرات ازدادت معاناة السفر الجوي والنقل الجوي لأن الحسابات كلها ستتغير في هذا القطاع الكبير والمهم في العالم. وعلى الرغم من أن التوقعات المحتملة في الصناعات الجوية المدنية تشير إلى أن السفر الجوي سوف يزداد بنسبة 5% سنوياً في السنوات العشر المقبلة، إلا أن هذه النتيجة يصعب التأكد من احتمال حدوثها وقد يصبح السفر الجوي بأرخص الأسعار من التاريخ القديم. وفي مجال النقل الجوي يبدو أن المعاناة ستكون أكثر وربما تنخفض نسبة النقل الجوي والشحن الجوي للحمولات والبضائع إلى أدنى مستوى. وقد تلجأ طائرات السفر مثل طائرة (جامبو جيت) للتحوّل إلى طائرة تنقل منتوجاً طازجاً والهبوط به بعد ساعات من جنوب القارة الأميركية إلى المناطق الصناعية المتطورة في فصل الشتاء. وقد تصبح أسعار المنتوجات الزراعية الطازجة التي تظهر في فصلها الخاص مرتفعة جداً في بلد آخر لا ينتجها وإلى حد يحول دون شرائها. والمعروف أن عصر النفط رخيص الأسعار جعل من المفيد جداً إنشاء بنية تحتية صناعية لإنتاج السيارات والآليات الكبيرة في البلدان الصناعية الكبيرة وتطلب الأمر المحافظة على كمية ضخمة من الطاقة. فالولايات المتحدة على سبيل المثال لديها 5،2 مليون ميل من الطرق والشوارع المعبدة يغطي معظمها الإسفلت ولديها 4،1 مليون ميل من الطرق غير المعبدة ستضطر إلى الاحتفاظ بها أيضاً إذا ما سقط عالم إنتاج النفط وبدأنا نتحول إلى عصر جديد مختلف.

تأثر دورة حياة المدن
ولا ننسى أن المدن الضخمة والكبيرة هي أيضاً كانت نتيجة لعصر النفط. فالتحضر المدني (بناء المدن وظهورها) سار بسرعة بطيئة جداً منذ أول شكل له قبل 6000 سنة في وادي الرافدين (سومر وأكاد) وبقي بطيئاً حتى عام 1900 تقريباً. وعندما دخلنا في القرن الماضي أي القرن العشرين لم يكن موجوداً في هذا العالم إلا العدد القليل والمحدود من المدن التي بلغ عدد سكانها مليون نسمة. وفي يومنا هذا يُوجد أكثر من 400 مدينة في العالم يبلغ عدد سكانها ما يزيد على مليون منها 20 مدينة يبلغ عدد سكانها 10 ملايين أو ما يزيد على ذلك أيضاً. ودورة حياة المدن واستمرارها يعتمدان عادة على حشد أو إنتاج كمية ضخمة من الطعام والغذاء والمواد وإفراغها في ما بعد على شكل فضلات بشرية ونفايات ومواد مستهلكة. وفي الماضي كان من المستحيل إنشاء مدن كبيرة واسعة بالاعتماد على درجة الطاقة المحدودة للعربات التي تجرها الخيول وأصبح هذا العمل ممكناً ومتزايداً بسبب رخص أسعار النفط وتوفره بكميات كبيرة. وكلما كانت المدن تتسع وتكبر وتزداد فيها الطاقة كان من المتاح والممكن إبعاد الفضلات والنفايات إلى أماكن تبعد كثيراً لإتلافها هناك والتخلص من أضرار استمرار وجودها وحفظها. ومع ارتفاع أسعار النفط ووجود أماكن التخلص من النفايات والفضلات بعيدة عن المدن، فإن تكاليف التخلص من النفايات ستزداد مع ازدياد أسعار النفط. وقد يدفع هذا التغير الجديد الشركات التي تنتج مواد تستلزم التخلص من نفاياتها بهذه الطريقة إلى عدم إنتاجها.

الضواحي وثقافة التنقل
ولا شك فيه أن المدن ستكون من بين أكثر المواقع التي ستتأثر بأي انخفاض مقبل في إنتاج النفط بل إن ضواحي المدن ستتأثر أكثر فأكثر. والناس الذين يعيشون في الضواحي الفقيرة عادة ما يعتمدون على كل ما يتم استيراده لهم وهم يكونون عادة معزولين جغرافياً عن أماكن عملهم أو الأماكن التي يملكونها ويعيشون من أرباحها، ولذلك ستلحق بهم أضرار كبيرة بعد انخفاض النفط وارتفاع أسعاره بشكل لا يصدق. فهؤلاء سيجدون أنفسهم مجبرين عادة على قيادة سياراتهم لإحضار كل ما يحتاجونه حتى لو كان رغيف خبز أو قارورة حليب. فالضواحي هي التي خلقت ثقافة التنقل بين مكان السكن ومكان العمل في المدينة وهي تجبر الناس على القيام برحلة يومية بين المدينة والضاحية وحركة السير تجعل الناس يتنقلون بين المكانين في سياراتهم في كل ساعة في الولايات المتحدة. وإذا كانت مدن أوروبا قد تأسست معظمها في عهود ما قبل السيارات والآليات، فإن مدن الولايات المتحدة التي تعد بلاداً أكثر شباباً وحداثة في تأسيسها من دول أوروبا تشكلت وأنشئت على قاعدة وجود السيارات منذ بداية القرن العشرين الماضي. فالمسافات عادة ما تكون محدودة بين المدن والضواحي في أوروبا لأن الدول الأوروبية حولت أجزاءً من الريف المنتج زراعياً إلى أحياء سكنية توسعت من خلالها المدينة وقلصت المسافة بينها وبين الريف نسبياً. وعلى خلاف هذا الوضع تمتد مسافات واسعة وبعيدة بين المدينة في الولايات المتحدة وبين الريف لأن مساحة الولايات المتحدة كبيرة جداً وتشكلت أريافها وبقيت بعيدة عن المدن وضواحي المدن أيضاً. وهذه الظروف الملموسة تجعل الحاجة إلى التنقل بالسيارات والطائرات وغير ذلك من وسائل تستخدم الوقود متزايدة في الولاية الواحدة وبين مدينة وضاحية، وبين ريف ومدينة فكيف بين عدد من الولايات؟! ومثل هذه الظروف تعيشها دول في أميركا اللاتينية، وفي جنوب شرق آسيا، وفي الصين بشكل متزايد الآن. ففي الصين تزداد الطرق وامتداداتها والأحياء السكنية مترامية البعد بين مدينة وضاحية وبين ريف ومدينة بعد التطور الحديث الصناعي الذي طرأ على الصين. ويظهر الفرق والاختلاف واضحين بين المدينة وقرى الريف في الصين، فالأولى متطورة وتعتمد على وسائل العصر الحديثة من سيارات وطائرات والقرى لا تزال تعيش في القرن الماضي من هذه النواحي التي لا تعتمد على استخدام السيارات بنفس كثافة استخدامها في المدن الكبرى الحديثة في الصين.

النتائج المدمرة لانخفاض انتاج النفط
وكانت نشرة يطلق عليها اسم «الحياة بعد انتهاء النفط» قد ذكرت في أيار/ مايو الفائت أن تأثير انخفاض بسيط في إنتاج النفط من الممكن أن يحمل معه نتائج مدمرة. ففي فترات الهزات التي تعرض لها إنتاج النفط وأسواقه في السبعينات (حظر النفط العربي في 1973) انخفض الانتاج بنسبة 5% في إحدى الفترات فتسبب ذلك بارتفاع أسعار النفط بأربعة أضعاف. وقبل سنوات قليلة انخفض إنتاج الغاز الطبيعي في كاليفورنيا بنسبة 5% فتسبب ذلك بزيادة السعر بـ400% ومن حسن الحظ أن هذه الهزات الكبيرة في الأسعار ظلت لفترة موقتة. لكن الهزات المحتملة والمقبلة في إنتاج النفط وأسعاره لن تستمر في المستقبل لوقت قصير ومحدود، بل ستمثل حالة جديدة ودائمة. وحين يبدأ انخفاض احتياطي النفط في العالم فسوف ينخفض إنتاجه بنسبة 3% تقريباً في كل سنة وهذا التقدير توصلت إليه مصادر متعددة من بينها ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي نفسه. ففي عام 1999 ألقى تشيني ولم يكن نائباً للرئيس في ذلك الوقت بل مديراً أعلى لشركة (هاليبيرتون) النفطية الضخمة خطاباً قال فيه: «إن البعض يقدر أن معدلاً سنوياً من 2% في زيادة الطلب على النفط سنشهده في السنوات المقبلة وأن معدلاً سنوياً من 3% في انخفاض احتياطي النفط سيترافق مع هذه الزيادة. وهذا يعني أننا سنحتاج في عام 2010 إلى طلب 50 مليون برميل يومياً». والتقييم الذي يعرضه تشيني هنا تؤيده مصادر متعددة غير منحازة سياسياً وعلماء لا علاقة لهم بالسياسة يرون أن انخفاضاً في إنتاج النفط تقابله زيادة متسارعة في الطلب هو ما سيشهده العالم في العقود القليلة المقبلة. ويرى المختصون في علم النفط ومستقبله أن عام 2005 كان آخر سنوات النفط الذي يباع بسعر معقول نسبياً لأن السنوات المقبلة بعد عام 2006 ستشهد ازدياداً في أسعار النفط. أما المضاعفات التي ستحملها أي زيادة في أسعار النفط ناجمة عن انخفاض الانتاج الطبيعي فسوف تكون كثيرة وواسعة الأبعاد ومن بينها قطاع الانتاج الزراعي. فالمعروف أن السماد التجاري يجري صنعه من (الأمونيا) التي تستمد من الغاز الطبيعي التي سيبدأ هو نفسه بالانخفاض بعد عشر سنوات من بداية انخفاض النفط. ولا ننسى الجرارات والآليات الزراعية التي تستخدم في الحقول والزراعة وجميعها تقريباً تعمل بوقود النفط ولا يجري تخزين المنتوجات الزراعية عادة إلا باستخدام النفط الذي تنقل من خلاله الآليات والسيارات المحاصيل. وتقول المصادر الأميركية الرسمية إن قطعة طعام في الولايات المتحدة تنتقل عبر مسافة في مختلف المراحل تبلغ 1500 ميل لكي تصل إلى الصحن الذي يتناول منه الأميركي طعامه.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*