قبل أن ينضب نفط الخليج

قبل أن ينضب نفط الخليج
علي عبدالفتاح الحاروني
موقع مركز الإمارات للدرسات والإعلام- 3 مايو 2008

أكد عديد من الدراسات والتقارير الدولية أن عصر النفط الذي يشكل أكثر من ثلث الطاقة المستخدمة في العالم قد أوشك على النضوب وسط توقعات بالتراجع التدريجي له خلال أقل من نصف قرن، بعدما أحرق العالم تريليون برميل من إجمالي تريليوني برميل هي حجم الاحتياطات النفطية العالمية، وبعد عجز الشركات العالمية عن اكتشاف مزيد من الحقول الجديدة، وعدم قدرة الحقول الحالية على سد حاجة الاستهلاك العالمي الذي يبلغ نحو 84 مليون برميل يوميًا، والمتنبأ له بارتفاع يصل إلى 121 مليون برميل يوميًا بحلول 2025م، مع معدلات النمو المتزايدة في الصين والهند وبعض الاقتصادات الوليدة الأخرى التي ستكون مسئولة عن 75% من الزيادة المستقبلية من الطلب العالمي للنفط. ولأن النفط أيضًا يعد المحرك الحقيقي لاقتصاديات دول الخليج، حيث يسهم في الناتج المحلي الإجمالي بما لايقل عن 40%، وفي الصادرات بما لا يقل عن 70%، وفي الدخل بما يتراوح ما بين 70% إلى 90% من الإيرادات الداخلية… فإن مخاطر نضوبه أو إرتفاع أسعاره تمس هذه الدول بصورة مباشرة، خاصة أن القدرة العالمية والخليجية الإضافية على إنتاج النفط وتكريره محدودة للغاية، وانطلاقًا مما سبق لا يوجد خيار – سواء أمام العالم أو دول الخليج – إلا البحث عن مصادر بديلة للنفط، وفي مقدمتها استخدام الطاقة الهيدروجينية؛ وذلك من أجل تحسين أمن إمدادات الطاقة، علاوة على أن الهيدروجين لا يعد مصدرًا أوليًا للطاقة، ولكن يمكن الحصول عليه من طرق متعددة من أهمها إنتاج الهيدروجين من الطاقة الشمسية، والتي تعتبر أكبر مصدر للطاقة في الخليج، وتعد مصدرًا صديقًا للبيئة؛ لقلة انبعاث غازات الاحتباس الحراري والانبعاثات المسببة للتلوث منه.
ونظرًا لأن دول الخليج – في غياب النفط – لا يوجد لديها من الموارد الطبيعية ما يحافظ على المستوى المعيشي المرتفع الذي اعتادت عليه شعوبها، بل إن أغلب الصناعات القائمة – ومنها البتروكيماويات وتحلية مياه البحر – تعتمد في وجودها على وفرة النفط والغاز ….. يثور التساؤل: ما هي ملامح الاستراتيجية الخليجية المقترحة لمواجهة مرحلة ما بعد نفاد النفط في دول الخليج العربي؟ في إطار الإجابة على ذلك التساؤل يمكن القول بأنه يتعين على دول الخليج العربي السير قدمًا في محورين متوازيين لتحقيق أمن الطاقة:
المحور الأول: وضع التدابير اللازمة للمحافظة على أمن الطاقة الخليجي من خلال ترشيد الاستهلاك، وتنويع مسارات نقل النفط، وزيادة الاستثمارات الخارجية في قطاع التنقيب والاستخراج، ودفع المنتجين إلى المشاركة في قطاع التكرير والتسويق المحلي، وبناء مخزون نفطي احياطي لحالات الطوارئ, مع تفعيل التعاون الخليجي الدولي وخاصة التعاون الخليجي – الأوروبي في مجال أمن الطاقة، من خلال السماح بتحديد أسعار النفط وفقًا لآليات السوق، والاتفاق على أن تكون الأسعار منخفضة منعًا للآثار السلبية لارتفاع الأسعار, مع تعاظم اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز الطبيعي لتلبية احتياجات دوله من مصادر الطاقة. وإلى جانب ذلك، يتعين على دول الخليج العربي أن تعمل على تنويع اقتصادياتها، وبالتالي مصادر دخلها وعدم الانتظار حتى نفاد النفط، وذلك من خلال تبني الحكومات الخليجية سياسسات فعالة للنهوض بالبنية الأساسية التي تمثل ضرورة ملحة لعملية التنمية, والعمل على تنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية تعمل على توفير البيئة الملائمة لتشجيع القطاعات غير النفطية وتحقيق مزيد من الجذب للاستثمار الأجنبي, وخلق شراكات في القطاعات الحيوية، والسماح بنقل وتوطين التقنية التي تعزز القدرة التنافسية للاقتصاد الخليجي, ويمكن أن يتم ذلك عن طريق تطوير الأنظمة المؤسسية والتشريعية للحد من البيروقراطية وإبرام الاتفاقيات الخاصة بتحرير الاقتصاد، وزيادة معدلات التجارة البيئية على المستوى الخليجي, وذلك كله من أجل العمل على تنفيذ مشاريع متعددة في القطاعين العام والخاص تحفز النمو والتوزيع الاقتصادي.
كذلك لابد من الاستفادة من الوفرة النقدية المتحققة من ارتفاع أسعار النفط لخلق قاعدة إنتاجية متنوعة ومتطورة لتنويع المحفظة الاستثمارية, بحيث لا تعتمد على النفط فقط، مع التركيز بصفة خاصة على الصناعات البتروكيماوية والأسمدة والألمونيوم والصلب المختزل مباشرة.
المحور الثاني: تفعيل آليات استخدام الطاقة الهيدروجينية في الخليج العربي:
نظرًا لأن الطاقة الشمسية تعد من أكبر مصادر الطاقة في الخليج، فمن الأفضل أن تقوم السلطات الخليجية بإنتاج الهيدروجين الشمسي على نطاق واسع، وتوفير نظام تخزين الهيدروجين وبناء خطوط أنابيب وشبكات توزيع، وإنشاء مصانع تسييل الهيدروجين لتصديره سائلاً إلى الدول الأخرى، وإدخال الهيدروجين إلى نظام استهلاك الطاقة في دول مجلس التعاون الخليجي، كما يجب على دول الخليج أن تخصص جزءًا من دخلها من صادرات النفط والغاز لإقامة البنية التحتية اللازمة للطاقة الهيدروجينية، وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى التجربة السعودية لبناء مشروع تجريبي للطاقة الهيدروجينية الشمسية، وإجمالاً يمكن القول بأنه من خلال قيام دول مجلس التعاون الخليجي بترشيد وتقنين استخدام الطاقة (إنتاجًا واستهلاكًا)، وترك سلعة النفط لاعتبارات السوق وحدها، والتكثيف الجاد للبحث العلمي والدراسات الاقتصادية لمصادر بديلة للطاقة، ومن أهمها الطاقة الهيدروجينية المستمدة من الطاقة الشمسية، والعمل على إنشاء عدد جديد من محطات الطاقة النووية، ومن خلال ذلك كله يمكن تحقيق أمن الطاقة الخليجي بل العربي والإسلامي أيضًا.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*