أميركا والحقائق المنسية في اقتصاد الطاقة

أميركا والحقائق المنسية في اقتصاد الطاقة
توماس فريدمان  (2008)

تخيلوا للحظة… فقط للحظة واحدة، أن أحد المرشحين في الانتخابات الرئاسية الأميركية أخبر الأميركيين الحقيقة، وأطلعهم فعلاً على أفضل سياسة يمكن إتباعها في مجال الطاقة بما يحقق للبلاد المصلحة الاقتصادية والأمنية على المدى البعيد.
أعرف أن هذا الطموح قد يكون محض خيال، لكن شاركوا معي في اللعبة لبعض الوقت، ودعونا نطرح السؤال التالي: ماذا سيقول هذا المرشح الأسطوري والخيالي من حقائق للشعب الأميركي؟ بداية سيشرح للأميركيين أنه لا توجد حلول سريعة وجاهزة لمسألة أسعار البنزين، فالأسعار كما هي عليه اليوم ناتجة عن الطلب العالمي المتزايد على النفط، لاسيما في الصين والهند والشرق الأوسط، بالإضافة إلى الاستهلاك الأميركي المتصاعد، فضلاً عن تراجع كميات النفط الخام المستخدمة لإنتاج الديزل، الذي تعتمد عليه أوروبا بشكل واسع، وإهمالنا بلورة سياسة ناجعة في مجال الطاقة طيلة الثلاثين سنة الماضية.
وبالنسبة لبعض الأفكار البليدة كتلك التي اقترحها ماكين وهيلاري والداعية إلى وقف مؤقت للضريبة المفروضة على الوقود طيلة فترة الإجازة الصيفية، فهي لن تزيد سوى الطين بلة. أما المبادرات الأخرى المستهترة مثل اقتراح شركة “كرايزلر-دودج-جيب” لصناعة السيارات بدعم البنزين لفترة ثلاث سنوات بالنسبة للأشخاص الذين يشترون سياراتها عالية الاستهلاك، فإنها تمثل المرادف الأخلاقي لعرض شركات التبغ خصماً على السجائر التي يشتريها المراهقون. والحقيقة أني لا أستطيع وصف اقتراح الشركة أفضل من صديقي “تيم شريفر”، رئيس منظمة “سبيشل أوليمبكس” في مقال نشرته صحيفة “واشنطن بوست” قال فيه “إن دودج تريد بيعك سيارة عالية الاستهلاك لإلحاق المزيد من الضرر بالبيئة، وتقديم المزيد من الدعم للدول النفطية التي يقف بعضها في الجانب الآخر من الحروب التي نخوضها حالياً… وليذهب الكوكب إلى الجحيم، وليُنسى أمر الجنود والاقتصاد، لأن المهم هو أن تشتري سيارة دودج”.
لكن مرشحنا الأسطوري الذي نعول عليه كي يصدع بالحقيقة سيقول إن الحل بعيد المدى سيكون مختلفاً. فبدل الدعوة إلى إزالة الضريبة على البنزين مؤقتاً سيعمل المرشح على ضمان أن يبقى السعر مرتفعاً إلى الأبد. وتأتي هذه الدعوة الشجاعة بعد أن يلاحظ المرشح التأثير الذي يمارسه وصول سعر الجالون الواحد من البنزين إلى 4 دولارات على سلوك السائقين وأنماط الشراء مقارنة بسعر 3 دولارات للجالون. ولعلنا مازلنا نذكر أن المرة الأولى التي بلغت فيها الأسعار هذا الارتفاع كانت خلال الصدمة النفطية عام 1973، فجاء ردنا بتصاعد الطلب على السيارات قليلة الاستهلاك للوقود وإنتاج المزيد منها. لكن ما إن انخفضت أسعار النفط مجدداً في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات حتى عادت شركات صناعة السيارات في ديترويت إلى إنتاج السيارات الكبيرة عالية الاستهلاك لترتفع الأسعار مرة أخرى إلى المستويات التي وصلتها اليوم.
اليوم نحن في حاجة ماسة إلى نقلة نوعية في اقتصاد الطاقة وتحويل سيارتنا إلى الكهرباء، والخطوة الأولى هي التأكيد للجميع بأن أسعار الوقود الحالية لن تنخفض.
ولأننا لا نريد تكرار الخطأ ذاته مرة أخرى، فإن المرشح الأسطوري سيقترح نفس ما يطالب به “فيليب فيرليجر” الخبير الاقتصادي المختص في مجال الطاقة ويسميه “السعر الأدنى” للبنزين، أي 4 دولارات للجالون العادي من دون رصاص، رغم أنه أقل من المستويات الموجودة حالياً في أوروبا. وعلى واشنطن أن تعلن أمام الجميع أنها لن تسمح أبداً بنزول السعر عن ذلك المستوى، وفي حال انخفضت الأسعار إلى ما دون 4 دولارات للجالون، فلا مفر من فرض ضريبة فيدرالية بوتيرة شهرية لتعويض الفرق بين سعر ضخ النفط، وسعر السوق. ويقترح الخبير “فيرليجر” لتخفيف العبء على الأقل غنى وقدرة على التأقلم مع الضريبة الجديدة “تعويض الأشخاص الذين يكسبون أقل من 80 ألف دولار في السنة بتقليص ضريبة الدخل”.
لكن الرسالة الأساسية التي ستصل إلى صانعي السيارات والمشترين على حد سواء هي أن أسعار البنزين لن تخفض أبداً، لذا إذا اشتريت إحدى السيارات الكبيرة ذات الاستهلاك المرتفع للوقود، فإنك ستتورط مع فواتير البنزين الباهظة. ومن ناحية أخرى إذا كنت مُصنّعاً للسيارات وأصررت على بناء أساطيل من السيارات الكبيرة غير المهجنة فستحكم على نفسك وموظفيك وأصحاب الأسهم في الشركة بالسقوط في غياهب النسيان. وقد يحتج البعض أن هذه الحقائق يصعب تبنيها من أحد المرشحين، لكن في كل مرة ننظر إلى الخلف ونتحسر على الأشياء التي لم نقم بها. والواقع أن أحداً من السياسيين لم يتجرأ قط على الإشارة إلى الضريبة على البنزين، فعندما كان سعر جالون البنزين دولارين استصعبت الحكومة فرض دولارين إضافيين كضريبة، لكن اليوم بعدما وصل سعره في السوق إلى 4 دولارات، فليس أسهل من أن تحافظ الحكومة على السعر الحالي مادام تأثيره بات واضحاً على أنماط الاستهلاك. وليس أدل على هذا التغير في سلوك الأميركيين من تجربتي الشخصية عندما ذهبت في الأسبوع الماضي إلى مقر شركة “تويوتا” لاستبدال سيارتي الهجينة بأخرى من نفس النوع، فوجدت لائحة انتظار طويلة لشراء “بريس” التي تستهلك جالونا واحداً في كل 50 ميلا. فطمأنني البائع بأن سيارتي الهجينة تزداد قيمتها يوما بعد يوم لذا لن أضطر إلى الانتظار فترة طويلة للحصول على سيارة بديلة.
وفي المقابل حذرني البائع أنه لو كانت سيارتي من النوع غير الهجين لكان فرض عليَّ 200 دولار يومياً عن كل دولار واحد ترتفع به أسعار النفط، وعندما رأيت السيارات الرياضية والكبيرة تصطف من دون أن يشتريها أحد أدركت السبب. والحقيقة أننا اليوم في حاجة ماسة إلى نقلة نوعية في اقتصاد الطاقة وتحويل سياراتنا إلى الكهرباء، والخطوة الأولى للوصول إلى تلك المرحلة هي التأكيد للجميع بأن أسعار الوقود الحالية لن تنخفض.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة “نيويورك تايمز” (المركز الدولي لدراسات أمريكا والغرب)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*