أزمة الطاقة لا تُحل بالتمني

أزمة الطاقة لا تُحل بالتمني
جيمس هوراد كونستلر
المركز الدولي لدراسات أمريكا والغرب  (2008)

في كل مكان أذهب اليه هذه الأيام وأتحدث فيه عن مأزق الطاقة العالمي سواء في محاضرة بالجامعة أو في مؤتمرات حول البيئة أسمع صرخة قوية تطالب بالحلول. وهذا هو مجرد أحد أعراض التفكير الوهمي الذي يسيطر الآن على الأمة لاسيما بين المتعلمين وأصحاب النوايا الحسنة.
أقول ذلك لأنني ألمس في هذه المطالبة اليائسة رغبة في استمرار التمتع بقيادة السيارات عبر وسائل أخرى غير النفط ومشتقاته. بيد أن الحقيقة أنه لا يوجد مزيج من طاقة الشمس والرياح والطاقة النووية والإيثانول والديزل الحيوي ورمال القار يمكن ان يسمح لنا ان نشغل وول مارت أو عالم ديزني وانظمة شبكة الطرق الرئيسية بين الولايات الأميركية أو حتى جزء يسير من هذه الأشياء في المستقبل. وعلينا ان نفكر في ترتيبات أخرى.
ويسئ الجمهور وبخاصة وسائل الإعلام الرئيسية فهم قصة ” ذروة النفط” ، فالامر ليس هو نفاد النفط ولكن حالة عدم الاستقرار التي من شأنها أن تزعزع الانظمة المعقدة للحياة اليومية بمجرد أن يتجاوز الطلب العالمي من النفط المعروض منه. ومن الممكن وضع قائمة موجزة بهذه النظم تتلخص في : ” طريقة انتاج الطعام والطريقة التي ندير بها التجارة والتبادل التجاري والطريقة التي نسافر بها والطريقة التي نشغل بها الأرض والطريقة التي نكتسب بها رأس المال وننفقه”
وهناك أشياء أخرى كالإدارة والرعاية الصحية والتعليم وغيرها.
وحيث أن العالم يعيش الآن فترة تشهد أعلى انتاج من النفط ويتابع سعر النفط وهو يقفز في كل يوم الى أرقام قياسية فإن مثل تلك الأنظمة ستواجه المتاعب. وعدم الاستقرار في قطاع واحد سوف ينتقل الى القطاعات الاخرى كما أن الصدمات التي تتعرض لها أسواق النفط سوف تضر بالنقل البري الذي سيؤدي بدوره الى بطء التبادل التجاري وتوزيع الأغذية والصناعات التحويلية والسياحة في صورة سلسلة متدرجة من الآثار. فمشكلة التمويل ستضغط على أية مشروعات بحاجة الى رأس المال بما في ذلك التنقيب عن النفط وانتاجه وكذا الانفاق الحكومي. فهناك ترابط بين جميع هذه النظم كما انها جميعها تواجه أزمة. وما هو أكثر من ذلك فالضغط الناجم عن فشل هذه الأنظمة لن يؤدي سوى الى التمادي في التفكير بشكل مفرط في الأمل.
والجزء الأسوأ من ذلك المأزق هو انحصار تركيز الرأي العام الاميركي على أن تظل جميع سياراتنا تعمل مهما كان الثمن. وحتى المجتمع البيئي يركز على ذلك أيضا. ولسنوات عديدة ظل معهد ” روكي مونتاين” يدفع باتجاه تطوير الـ “هايبر كار” وهو بذلك يروج للفكرة التي لا نرغب في تغييرها.
ومنذ سنوات خلال مؤتمر تابع للأمم المتحدة خاص بالبيئة قال المفاوضون الأميركيون لنظرائهم المحاورين ان نمط الحياة الأميركية ليس خاضعا للتفاوض. وهذا الموقف للأسف يرتبط بمعتقدين باطلين انتشرا في الاوساط الاميركية خلال العقود الأخيرة. اولهما فكرة أنك عندما تفرط في التمني فإن أحلامك تتحقق. والمعروف أن واحدا من بين الإختلافات الأساسية بين الطفل والبالغ هو القدرة على معرفة الفرق بين تمني الأشياء التي يمكن بالفعل تحقيقها من خلال بذل الجهد الدؤوب عن سواها.
والمعتقد الآخر هو أن الإفراط في التمني يجعل الشخص يحصل على شئ من لا شئ. وعندما نجمع الإعتقادين معا نصل الى فكرة مفادها أنك عندما تبالغ في امنياتك فإنك ستحصل على شيء من أجل لا شيء. وهذا هو ما يفسر حالة الاستغراق في الأحلام وكذا عدم قدرتنا على التجاوب بطريقة ذكية مع ازمة الطاقة.
كما أن هذه المعتقدات أيضا هي السبب أن حملات الانتخابات الرئاسية تخلو من أي مناقشات جادة حول مأزق الطاقة الذي يواجهنا والآثار المترتبة عليه. وفكرة اننا يمكن أن نحقق الإكتفاء الذاتي في الطاقة تعني ان نمط حياتنا الحالية يتسم بالسخف كما أن خطة تحويل الحبوب الى وقود قد اصيبت بخيبة امل ايضا بعد أن شاهدنا آثارها المدمرة على أسعار الحبوب العالمية ونقص الغذاء في أنحاء العالم حتى في الولايات المتحدة نفسها ( خلال الأسابيع الأخيرة كانت أرفف الأرز وزيت الطعام في السوق التجاري المجاور للمكان الذي أقطن فيه في نيويورك خالية)
فما هي إذا الأساليب الذكية للتجاوب مع مأزقنا الحالي ؟ أولا علينا أن نعيد تنظيم أنشطة حياتنا اليومية ( النمط الأميركي) بشكل جوهري وعلينا ان نزرع غذاءنا غير بعيد عن وطننا. والحقيق فالزراعة بحاجة الى أن تعود لتحتل مركز الحياة الإقتصادية. وعلينا أن نستعيد شبكات الإقتصاد المحلية وهي الشبكات التي دمرتها المتاجر الكبرى.
وسيكون علينا أيضا أن نغير من الطريقة التي نشغل بها مساحات الأرض سواءا في المدن التقليدية أو القرى او المدن الصغرى فالتقسيم الناجح سيكون للأماكن التي تشجع الزراعة المحلية.
وربما يكون مشروع اصلاح نظام السكك الحديدية هو المشروع الذي يمكن أن يمكن ان نأخذه على عاتقنا الآن وسيكون له الأثر الأكبر على استهلاك النفط في الولايات المتحدة. وحقيقة أننا لا نتحدث عن ذلك تعكس حالة الخلط التي نعيشها. وإذا لم نقم بتشغيل قطار المسافرين مرة ثانية فلن يستطيع الأميركيون الانتقال بعد خمس سنوات من الآن.
وليس لدينا متسع من الوقت لنبكي بكاء الأطفال والحديث عن ” الامل ” في الحملات الانتخابية له هدفه. ولن يكون بمقدورنا أن نظل على حالة الارتباك والتشوش ولكن علينا أن نفهم أن الأمل ليس شيئا يطبق خارجيا ولكن الأمل الحقيقي يكمن بداخلنا ونحن الذين نخرجه الى حيز الواقع باثبات أننا لدينا القدرة والحماسة ويمكننا أن نميز بين التمني والفعل وهدفنا ليس الحصول على شئ من اجل لاشئ ويمكننا أن نكون صادقين حول الطريقة التي يجب أن تكون عليها الحياة في هذا الكون.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*