عرب الألفية الثالثة: سيناريو غربي لنهاية النفط العربي

عرب الألفية الثالثة: سيناريو غربي لنهاية النفط العربي
فيصل جلول
صحيفة 26 سبتمبر اليمنية (2004)

عاشت أوروبا الأسبوع الماضي كابوساً حقيقياً تسببت به أنباء تقول أن النفط العالمي آخذ بالنفاد بوتيرة أسرع بكثير مما كان مقدراً ومعروفاً من قبل .عناصر أطلاق الكابوس تجمعت بسرعة مدهشة ففي يوم واحد انتبه المختصون في شؤون النفط إلى التوتر الذي يسود فنزويلا وهي أحد المصدرين الأساسيين للبترول والى التوتر الذي يسود العراق وهو يحتفظ بالاحتياط العالمي الثاني بعد المملكة العربية السعودية وإلى التوتر المتزايد في العلاقات الأمريكية -الإيرانية وإيران بلد مهم في إنتاج النفط والغاز أضف إلى ذلك الارتفاع المستمر في أسعار النفط وإعلان أوبيك أنها لا تستطيع أن تفعل الشيء الكثير من اجل خفض الأسعار وان الارتفاع متصل بأسباب نفسية وبمعلومات متداولة حول الاحتياط العالمي تثير حالة هلع في الأسواق يصعب على المنظمة معالجتها لأنها ببساطة تخرج عن نطاق اختصاصها.
جرس الإنذار قرعته جمعية أمريكية غير رسمية للدراسات المتصلة بما تسميه” بداية النهاية للنفط” و هي مؤلفة من اختصاصيين عالميين أخذت على عاتقها تنبيه الأمريكيين وربما العالم إلى ضرورة التكيف مع بداية العد العكسي لنهاية عصر النفط وبالتالي البحث عن طاقة بديلة. حددت الجمعية بداية النهاية مبكراً أي في حدود الأعوام 2008م أو 2010م بالنسبة للنفط و2013م بالنسبة للغاز في حين أن المعلومات السابقة كانت تحدد العام 2020م كمنطلق لبداية العد العكسي .
ويبدو من الصعب بالنسبة لخبراء آخرين تحديد موعد دقيق أو سنة بعينها لان الأرقام المتداولة حول الاحتياط والمخزون النفطي المحسوب في العالم ليست موثوقة ناهيك عن إن التقنيات الحديثة باتت قادرة على تخفيض الهدر في الاستخراج وفي التنقيب لكنها ما زالت عاجزة عن إبداء قول فاصل في حجم الطاقة المدفونة في جوف الكرة الأرضية ما يعني أن الأرقام التقريبية المتوافرة ستظل إلى اجل غير مسمى القاعدة التي تبنى عليها السيناريوهات المستقبلية للطاقة وفي طليعتها سيناريو النفاد.
سوى أن التفكير بسيناريو النفاد لا يعكس قدراً كبيراً من التفاؤل حول مصير الطاقة.فالخبراء يختلفون بالفعل حول بداية العد العكسي لكن فارق الاختلاف بينهم ليس كبيراً فالأرقام المبنية على التفاؤل تشير إلى أن بداية النهاية لا يمكن أن تتجاوز في حدها الأقصى العام 2048م وان صح هذا التقدير فهو يعني أن أسعار النفط ستبلغ مستويات خيالية وان الإنتاج سيلبي نصف حاجات الاستهلاك فقط.أما النفاد النهائي للنفط فيقدر أن يقع في نهاية القرن الحالي.
ويرى علماء المستقبليات أن سيناريو النفاد النفطي هو الأسوأ الذي يمكن أن تواجهه الإنسانية في العصر الحديث ذلك أن الطاقة الرخيصة الثمن والتي تدخل في صلب المدنية الحديثة يمكن أن يؤدي نفادها أو ارتفاع أسعارها إلى تعديلات جذرية في نمط الحياة على الكرة الأرضية برمتها وليس فقط في البلدان الغربية وحدها.
وإذا كان صحيحاً أن الارتفاع المضطرد في أسعار النفط سيؤدي بالضرورة إلى تنمية الأبحاث العالمية حول استنباط طاقة بديلة فالصحيح أيضا أن التوقعات المرسومة في هذا المجال ليست كافية لتفادي الكوارث المتوقعة على كل صعيد.يكفي فقط التفكير بمخاطر الطاقة النووية العالية في الاستخدام المدني مقارنة بالمخاطر الضئيلة الكامنة في استخدام الغاز والنفط هذا إذا أردنا استبعاد الحديث عن الفارق الهائل بين تكاليف الإنتاج و مستويات الأسعار.
ثمة من يعتقد إن سيناريو الكارثة النفطية المقبلة هو الذي يقف وراء السياسة الأمريكية الهجومية على العراق وأفغانستان وان هذا السيناريو يفسر أيضا سبب اندفاع الولايات المتحدة نحو مناطق النفط في آسيا الوسطى وتركيز قواعد عسكرية على مقربة من الاحتياطات الواعدة وعلى خطوط نقل الطاقة المحتملة وهو الذي يفسر أيضا سبب اندلاع النزاع في دارفور على مقربة من تشاد المنتجة للنفط حديثا ويفسر أيضا سبب التوصل إلى تسوية للنزاع في جنوب السودان على مقربة من آبار الجنوب المنتجة للنفط حديثاً.ذلك أن التحكم بمصادر الطاقة النافدة من شأنه أن يمنح الولايات المتحدة قدرة أكيدة على تلبية حاجاتها الاستهلاكية أولاً وحتى آخر نقطة نفط في العالم ويتيح لها الإشراف على الاستهلاك العالمي وبالتالي موقع لا ينازع على كل صعد في علاقات القوى المقبلة.
لكن كيف ننظر نحن العرب إلى هذه القضية وهل تهمنا فعلاً وكيف نعالجها وهل نعالجها بأفق مستقبلي أم باجراءات يومية يغلب عليها هم الحصول على العملات الصعبة لصرفها من بعد في شراء سلع استهلاكية؟كيف ننظر نحن العرب إلى مصدر نافد حبانا الله به من دون شعوب الأرض؟.
الناظر إلى النفط في العالم العربي يذهله غياب الخبراء والمختصين والمستشرفين العرب فحتى الآن من الصعب إحصاء أسماء عشرة خبراء عرب مختصين في الطاقة ويمكن الوثوق في أقوالهم ومن الصعب العثور على مطبوعة نفطية عربية تتمتع بمصداقية عالمية. كل الخبراء يأتون من الخارج وكلهم ينظرون إلى مستقبل الطاقة بما يفيد الخارج ومن النادر أن تجد دراسة واحدة جدية تقول لنا ما سيكون عليه مصيرنا في ضوء سيناريو الكارثة الذي ستبدأ شئنا أم أبينا في النصف الثاني من القرن الحالي.
هكذا يعيش العرب كلهم ودون استثناء من النفط دون أن يشغلهم مصير مصدر العيش الوحيد المتوافر لهم.لا يسأل العرب عما سيحل بمدنهم التي بنيت بأموال النفط ولا يسألون أنفسهم عن مصادر الطاقة البديلة وما إذا كانوا معنيين بتطويرها. لماذا تسال أمم أخرى كإيران عن ذلك وتطور مراكز لاستخدام الطاقة النووية وتخوض معارك طاحنة لهذه الغاية فيما نحن نغط في سبات عميق. لماذا تنجح باكستان -وبأموال عربية- في تطوير مصادر بديلة للطاقة فيما نحن ننشغل بالتآمر على بعضنا البعض ووضع العصي في دواليب بعضنا البعض.
ربما من حسن حظ اليمن واليمنيين أنهم دخلوا متأخرين إلى نادي الدول المنتجة للنفط ما يعني أنهم مهيئون إن هم أرادوا للإفادة من أخطاء وتجارب الآخرين.ولعل أول ما يتوجب الانتباه إليه هو ضرورة تشكيل هيئة يمنية خاصة للتخطيط لمستقبل الطاقة تعمل بعيداً عن البيروقراطية وبمنأى عن الإيقاع الإداري المحدود الكفاءة في اليمن.وثاني ما يتوجب الانتباه إليه هو الحفاظ على التقليد الزراعي الموروث وعدم التفريط به لصالح اقتصاد النفط الاستهلاكي وذلك ضمن تخطيط لبناء اقتصاد منتج بواسطة الطاقة وليس بناء عليها.وثالث ورابع وخامس وعاشر ما يتوجب الانتباه إليه هو أن الطاقة في اليمن ومحيطها ليست مصدراً حصرياً للنعمة بل يمكن أن تكون مصدراً للنقمة.فهل يتعامل اليمن مع هذه القضية بطريقة مختلفة عن تعامل الآخرين معها؟ علينا أن نأمل ذلك.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*