ما هي أزمة الموارد؟

ما هي أزمة الموارد ؟

إن أزمة الموارد القادمة تتثمل في الفشل المتوقع للحضارة المشيدة في الصحراء في تلبية الحد الأدنى لمتطلبات الحياة وعلى رأسها الغذاء والمياه، وذلك بسبب عامل واحد أو أكثر من العوامل الآتية:

1: نضوب النفط.

2: أزمة المياه.

3: فشل الاقتصاد الصحراوي اقتصادياً وتجارياً في المنافسة الصناعية والخدمية في عالم ما بعد النفط بسبب ارتفاع التكاليف.

4: وقوع ضربة عسكرية تستهدف منشئات الطاقة والمياه.

5: الفساد المالي وسوء إدارة الاقتصاد بشكل عام.

وطبعاً الحديث هنا عن عشرات السنوات، والمئة والمئتي عام القادمة، وهي لا شيء في عمر الأمم والشعوب.

سؤال مهم

في العوامل السابقة ذُكر أكثر من عامل قد يتسبب في وقوع أزمة موارد، فهل المسألة لعبة أفكار وخربشات فكرية يراد لها أن تكون أفكار اقتصادية؟ أم أن القضية عبارة عن سيناريو قصص رعب للترفيه والإثارة فقط؟ وهذه أسئلة مهمة، يجب أن يطرحها القارئ عن هذه المقالة وغيرها، والجواب هو الأهم في هذا الموضوع.

إذ أن المشكلة الأساسية وقضية أزمة الموارد ليست في تحقق عامل واحد أو أكثر من العوامل السابقة بما في ذلك نضوب النفط، أو حتى تحققها كلها، وليست القضية تشاؤمية أو حديث عن نهاية العالم عبر أكثر من احتمال، فإن أخطأ هذا أصاب ذاك، وليس الموضوع موضوع تنبؤات وسيناريو لفلم خيالي أو قصص خرافية، بل المشكلة الاساسية والجوهرية في جانبها الأول تتمثل في طبيعة الحضارة المشيدة في قلب الصحراء الجرداء، والتي قد تجعل من الصحراء قبراً كبيراً في حال حدوث أي عامل أو حدث كبير، على عكس المناطق غزيرة المياه. فالصحراء محدودة الخيارات وتكاليف الحياة فيها عالية جداً مقارنة بغيرها.

فتأثير نضوب النفط الذي تستفيد منه مدينة على نهر جار ليس كتأثيره على مدينة تقع في قلب صحراء جرداء.

وتأثير وقوع أزمة متعلقة بمعدات المياه وشبكاتها في مدينة في قلب الصحراء ليس كتأثيره في مدينة غزيرة المياه.

وأما تأثير طبيعة الأرض والمناخ وما إذا كانت مساعدة على خفض تكاليف الإنتاج أو رفعها فهذا معروف في الاقتصاد، وعندما ينتهي النفط وحتى وإن وفرت الطاقة الشمسية الكهرباء فمن أين سنأتي بالمال من أجل شراء الغذاء؟ إذ سنضطر إلى التصنيع ولكن العالم كله سينتج وسيصنع بتكاليف أقل من تكاليف الصحراء وهذا يعني فشل الحضارة الصحراوية اقتصادياً وتجارياً وبتالي وقوع أزمة معيشية تتمثل بالدرجة الأولى في توفير الغذاء.

وأما ضرب منشئات الطاقة والمياه فهو كفيل بقتل كل سكان الصحراء، وكان بإمكان صدام حسين القيام بذلك في أزمة الخليج، ومع وجود الطائرات المقاتلة والصواريخ فمن السهل جداً استهداف مجموعة من المنشئات الحيوية. ولكن ضرب منشئات الطاقة والمياه في ألمانياً أو سانت بطرسبورغ مثلاً ليس نهاية المطاف، وقد عاش الألمان والروس وبصعوبة في أعتى الحروب بفضل انتشار المياه والمزروعات داخل المدن وفي الريف، وهذا لن يحصل لسكان الصحراء.

بل حتى إن تأثير الكوارث الطبيعية يختلف، فتأثير وقوع زلازل في مدينة مليئة بالأنهار والجداول والبحيرات ليس كتأثيره في مدينة تعتمد على المياه القادمة من البحر أو تُجلب من مئات الكيلومترات بعد أن دمرت منشئات وشبكات المياه فيها، لأن الكارثة ستأتي على رؤوس الملايين بسبب اعتماد الملايين على بضع منشئات يسهل أن تتدمر دون وجود بديل لها.

أما الجانب الآخر لأساس وجوهر المشكلة، فيتمثل في أسلوب حياتنا المكلف وغير المخطط له، فشخص واحد لن يعاني من الجوع لعدة أيام وعنده 10 كيلوغرام من المواد الغذائية، ولكن حينما يتشارك 100 شخص في هذه الكمية فسيعانون من جوع شديد، ولن يعاني آخر من العطش لعدة أيام ولديه 10 لتر من المياه، ولكن لو تشارك 100 شخص فسيعانون من العطش خلال ساعات، وأما لو كانت كمية الغذاء لشخص واحد توجد في أرض أخرى تبعد آلاف الكيلومترات فقد تحدث له أزمة نتيجة لهذا التباعد المكاني الخطير، وهذا أحد الأجزاء الرئيسية من جوهر المشكلة.

إذن المشكلة ليست في نضوب النفط أو الحروب أو الكوارث أو غيرها، بل لأننا وضعنا أنفسنا في فوهة المدفع الصحراوي معتقدين أن الصحراء مكان يصلح للحضارة الحديثة الواسعة وغير المنضبطة بحقيقة الواقع الجغرافي، وكأن هذا المكان مثله مثل ضفاف أنهار السين والدانوب والبحيرات العظمى، ولكن الصحيح هو أن أي أرض لا تصلح للزراعة وإنتاج الغذاء لا تصلح للسكنى والحياة، ولو وفرت تلك الأرض حياة ممكنة فستكون لبضعة ملايين وليس عشرات أو مئات الملايين، ولابد أن يكون نظام الحياة فيها متكيفاً مع طبيعة الصحراء لا مماثلاً لأنظمة الحياة في مدن برلين وباريس وأنقرة.

إن احتمالات أن تحل الطاقة الشمسية الحرارية مكان النفط لإنتاج الكهرباء كبيرة جداً، ولكن لنفترض أننا ملأنا الدنيا كهرباء، ولنفترض أننا ملأنا الدنيا مياه محلاة، فمن أين سنحضر الغذاء الذي سيكفي لخمسين أو 100 مليون إنسان، فالأرض بدون سماد لا تنفع، ونحن لن نبيع النفط في عصر ما بعد النفط حتى نتمكن من شراء السلع الغذائية والصناعية، والإنتاج سيكون صعب بحكم المنافسة مع دول لديها أفضلية في تقليل التكاليف والنفقات.

وبشكل عام فيمكن تلخيص سبب أزمة الموارد بشكل عام في ما اعتبره احتمالاً خامساً لسبب أزمة الموارد، وهو الفساد المالي وسوء الإدارة الاقتصادية، فالسبعينات شهدت تدفق أموال ضخمة جراء ارتفاع أسعار النفط، وفي نفس الوقت شهدت بداية ما يسمى بالخطط الخمسية، ومع ذلك انتهت الطفرة الأولى بلا أي نتائج إيجابية استراتيجية، بل إن البلاد قد أثخنت نفسها في مشاريع استهلاكية مبددة للثروات، وأما الخطط ففشلت في تحقيق أهدافها، ومع طفرة أسعار النفط الثانية والتي كان لدي أمل في أن تستفيد البلاد منها في بناء خطط ومشاريع استراتيجية وتصحيح الأخطاء السابقة، ولكن الذي حدث هو العكس، المزيد من الإنفاق الاستهلاكي العبثي، والمزيد من المشاريع المتعثرة، والمزيد من الأموال المفقودة، والمزيد من الأخطاء السابقة، والمزيد من الضبابية حيال الخطط المستقبلية الاستراتيجية.

وأكرر مرة أخرى، مسائل نضوب النفط أو أزمة الطاقة أو أزمة الكهرباء أو المياه لن تكون هي السبب الرئيس والجوهري في حدوث أزمة الموارد المتوقعة، وإنما السبب سوء إدارة اقتصادنا وفساد البعض الذي بدد ثرواتنا النفطية وأحلامنا الصحراوية الوهمية.

هذه هي المشكلة فهل هناك حل؟

نعم هناك حلين، أحدمها عبارة عن إعمار جديد والأخر عبارة عن إصلاح لما هو موجود، والأول هو الأفضل ونجاحه مؤكد، ولكنه حل جذري لأن المشكلة جذرية، ولذا فهو حل صعب وإمكانية تطبيقه غير مؤكدة لأنه مرتبط بالعالم أجمع، والثاني بمثابة الخيار البديل ولكن نجاحه غير مؤكد باعتباره سيعتمد على إصلاح البنية الحضارية الصحراوية ونتائج هذا الإصلاح غير مؤكد. وبالإمكان الجمع بين الحلين لو أراد أصحاب الشأن ذلك.

يتثمل الحل الأول في البداية من جديد وما فات فات، ويقوم على أساس مفهوم اقتصاد اعمار الأرض، المتمثل في ثلاث نقاط، وهي توجيه بناء الحضارة في المناطق غزيرة المياه دون التسبب في تدمير البيئة ووفق نمط حياة مستدام.

ولهذا الحل نقاط يمكن تسميتها بحل إنقاذ الحياة والذي يتكون من أمرين اثنين:

أ: الانتقال للأرضي غزيرة المياه وتشييد الحضارة القادرة على الاستدامة هناك.

ب: التقاسم العادل للثروات الطبيعية بما يُحقق استمرار الحياة.

ولتنفيذ هاذين الأمرين وفي الواقع الرأسمالي الحالي القائم على أنظمة الحدود الدولية وأنظمة التجنس والأنانية المطلقة، فلابد من وجود بيئة مساعدة على تطبيق هذا الحل، وبشكل مفصل بعض الشيء، يمكن تلخيص بعض من نقاط هذا الحل في الأمور التالية:

1: توجيه كل دولار يتم جنيه في الوقت الحاضر لينفق على مشاريع في مناطق غزيرة المياه معتدلة الأجواء، كبناء السدود وشق القنوات ومشاريع الطاقة المتجددة والمزارع الأيكولوجية.

2: من أجل تواصل أمثل بين شعوب الصحراء وشعوب المناطق غزيرة المياه فلابد من تعزيز روابط الاتحاد بين هذه الشعوب باعتبارها أبناء شعب بشري واحد وأبناء رجل واحد وامرأة واحدة وذلك من خلال نبذ وإدانة كل أشكال التفرقة بين أبناء الجنس البشري كالتطرف الفكري والانغلاق الفكري والعنصرية.

3: من أجل جعل اتحاد وتكافل الشعوب ممكناً فلابد من القيام بخطوتين مهمتين:

أ: تبني خيار التعددية الفكرية والقانونية بحيث يختار كل شخص الفكر والقانون الذي يريد وهو وحده من يتحمل نتائج اختياراته الفكرية.

ب: إقرار نظام حكيم وذكي يمنع التصادم الفكري بين الأفراد والأمم.

وليس هناك أدنى شك بأن هذا الحل الإعماري العالمي صعب ويحتاج إلى جهود جبارة وتعاون بين أمم وشعوب شتى، وقد يكون بالفعل غير قابل للتطبيق في الوقت الحاضر.

عرفنا الحل الأول فما هو الحل الثاني؟

كما هو واضح في الحل الأول، فهو خيار ممتاز ولكنه صعب وقد يراه البعض مثالي وغير قابل للتحقيق، وبما أن المنهج الذي نحن ضمنه يقوم على أساس الحلول الوسط والخيارات البديلة والمناهج الاستراتيجية فلابد من وجود حل ممكن وقابل للتطبيق بشكل أفضل، والحل الممكن يتمثل في إصلاح الواقع الحالي بدلاً من الإعمار من جديد، وذلك عبر تطبيق الأمور التالية:

1: ضبط النمو السكاني باعتبارنا نعيش في أرض صحراوية محاصرة بأنظمة الحدود الدولية وأنظمة التجنس ولا مجال لمغادرتها كما كان يحدث في الزمن الماضي.

2: بما أن هناك احتمال بأن ترفض الشعوب الأخرى الأطروحة الإعمارية العالمية فيجب أن لا يدفع سكان الصحراء ثمناً باهضاً لسماحهم بوجود سكان من خارج الصحراء يستغلون الإمكانات المتاحة حالياً وما إن تحدث أزمة الموارد أو يقترب حدوثها حتى يغادروا الصحراء ويتركوا سكانها يلقون مصيرهم الأسود، ولذا يجب حصر السكنى في المدن الصحراوية على سكان البلاد الاصليين ما دام الحل الأول مرفوضاً.

3: يجب إعادة توحيد القرى السعودية في مدن جديدة أو ضمها لمدن قائمة، لأن ذلك سيوفر الكثير من الطاقة وسيجعل من السهل توجيه الأفراد نحو الإنتاج بدلاً من الاستهلاك، بحيث يكون شكل المدن بعد إتمام العملية على النحو التالي:

أ: ستكون مدن مرشدة للطاقة والنفقات.

ب: ستتمتع هذه المدن بخطوط قطارات تربطها داخلياً وتربطها مع بعضها البعض، وسيتم التوجه للقطارات الكهربائية باعتبارها الخيار الأمثل والأول لنظام المواصلات المستقبلي.

4: إن من الواجب إعادة النظر في أسلوب حياتنا المتعلق بالمياه والغذاء، بحيث إذا كان هناك إنتاج زراعي فيجب أن يكون وفق أفضل الطرق المرشدة للمياه وبمعدلات إنتاجية عالية، وأما الإنتاج الضعيف أو الذي يمكن استيراده فيتم وقفه حفاظاً على المياه، وبالإمكان وضع بعض المشاريع لتكون جاهزة للإنتاج في الحالات الطارئة مع ضرورة وجود مخازن غذائية كافية وتكون موزعة على كافة أرجاء البلاد.

5: الشخص العادي يميل إلى الاستقرار، وعندما نحقق له الاستقرار وفق شروط محددة سيسهل توجيهه نحو نمط حضاري معين بحيث يُلزم به ويُجبر عليه، وهذا النمط سيقود إلى الحفاظ على الطاقة والمياه وضبط السكان في حال كان هناك احتياج ونقص في إمكانات الحياة حتى لا تخرج الأمور عن السيطرة، ومن الأمور التي لو تحققت سيكون من السهل ضبط السكان ما يلي:

1: توفير وظائف لكل القوى البشرية، وتكون طبيعة هذه الوظائف فعالة ومنتجة.

2: توفير منزل لكل عائلة على الأسس التالية:

أ: حجم المنزل سيكون مقبول باعتبار أن العائلة ستكون صغيرة، أب وأم وطفلين أو ثلاثة.

ب: المنزل سيكون موفر للطاقة بشكل كبير.

3: تحسين التعليم والصحة بما يشعر الوالدين بالطمأنينة على أولادهم.

وفي مقابل سيلزم كل فرد من أفراد المجتمع باتجاه يجعله شخص فاعل ومنتج وبعيد تماماً عن نمط الحياة الاستهلاكية المسرفة، وبالطبع هذا سيحتاج إلى القضاء على كل مظاهر التفاخر الكبريائي والبهرجة، وفي النهاية ستكون مصاريف العائلات ونفقاتها على قدر إمكانتها وإنتاجها.

لو تم تحقيق الحل الثاني فهل سيكون كافياً؟

حقيقة لا يوجد سبب أو مبرر أرضي أو سماوي يجعل من سكان الصحراء كائنات صحراوية لا يمكنها العيش في غير الصحراء، ولذا فالخيار الأول والأفضل لسكان الصحراء هي ترك الصحراء والعيش في الأراضي غزيرة المياه حيث الأنهار والغابات والمروج والأشجار، وإن لم يكن ذلك ممكناً فإن كل يوم نتأخر فيه بتطبيق الإجراءات الضرورية لتحويل مدننا إلى مدن مرشدة لاستهلاك الطاقة والمياه ومنضبطة بالعدد المناسب للسكان، ومستعدة للحالات الطارئة والضربات العسكرية، فإن أي تأخير يعطل تحقيق الحل الثاني ويجعله صعباً.

وكرأي شخصي فإنني أرى بأن تطبيق الحل الثاني ممكن بشرط تطبيقه بصرامة، وخاصة فيما يخص النمو السكاني وفيما يخص حصر السكنى في بلاد الصحراء بمن هم مجبرون سياسياً على العيش فيها، لا من اختارها من أجل المال أو الاقتصاد وكذلك التعجيل في توحيد القرى السعودية والتحول للبناء الرأسي وتقليل الاستهلاك المحلي للنفط والتوجه للطاقة الشمسية واستخدام القاطرات الكهربائية وجعلها وسيلة المواصلات الأولى.

وبالطبع فهناك حل ثالث، وهو خاص بالمقتنعين بخطر أزمة الموارد في حال فشلت الجهود في تطبيق أحد الحلين السابقين بسبب الشؤون السياسية والعقدة الرأسمالية، وهو أن يعملوا على بناء قارب النجاة الحضاري الخاص بهم، عبر إنشاء حضارة مصغرة لا تتأثر بنضوب النفط وأزمة المياه وبإمكانها أن تستوعبهم هم وعائلاتهم، ولقد سبق وكتبت مقالة عن هذا الشأن بعنوان “مشروع الحضارة المتجددة”.

ختاماً أقول: لقد سعيت في هذه المقالة إلى التعرض وبشكل موجز لقضية أزمة الموارد المتوقعة، وسأسعى وبالتعاون مع بعض الأشخاص المخلصين وبكل ما نستطيع إلى شرح كل فقرة وردت في هذه المقالة وبالتفصيل الممل في قادم الأيام، بل والذهاب إلى ما هو أبعد من الكتابة والكلام، إن كان في العمر بقية.

بقلم: سهيل سعد البدر – المشرف على الموقع .

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*