نحو استراتيجية مستقبلية مستدامة لأمن الطاقة والمياه والغذاء


د. نعمت أبو الصوف

التزايد السريع لعدد سكان العالم والرخاء المتزايد لملايين من الناس، تضع ضغوطا كبيرة على الموارد الطبيعية والغذاء. قبل نحو نصف قرن كان عدد سكان العالم نحو ثلاثة مليارات نسمة. في الأشهر المقبلة، سيبلغ عدد سكان العالم سبعة مليارات نسمة، بحلول عام 2050 من المتوقع أن يصل عدد السكان إلى أكثر من تسعة مليارات نسمة، هذا يعني أن عدد سكان العالم سيتضاعف ثلاث مرات في أقل من قرن من الزمان. هذا النمو الكبير في عدد السكان، جنبا إلى جنب مع تحسن المستوى المعاشي لملايين من الناس في أماكن مثل الصين والهند، يعني أن الطلب على الطاقة، المياه والمواد الغذائية سيرتفع بوتيرة سريعة جدا أيضا؛ ما قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على مصادر الطاقة والمياه والغذاء.
تشير معظم التوقعات بما فيها توقعات الوكالة الدولية للطاقة IEA وتوقعات منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) إلى أن نمو الاقتصاد العالمي والنمو السكاني سيتطلب على الأقل نموا في إمدادات الطاقة الأولية يصل إلى نحو 40 في المائة بحلول عام 2035، إنتاج هذه الطاقة سيعتمد بشدة على موارد المياه، خصوصا العذبة منها.
إن صناعة النفط والغاز كانت رائدة في هذا المجال ولم تغفل قضايا المياه. من المجالات البارزة للتقدم التقني والاقتصادي في هذا المجال استخدام مياه البحر في العمليات الإنتاجية، رفع كفاءة معالجة المياه وخفض استخدام المياه في إنتاج النفط والغاز من المكامن غير تقليدية. النتائج كانت حتى الآن مثيرة للإعجاب ومن المتوقع استمرارها في المستقبل.
في الجانب الغذائي تتوقع منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) ارتفاع الطلب على المواد الغذائية بنسبة 50 في المائة بحلول عام 2030، ويتوقع المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية ارتفاع الطلب على المياه بنسبة 30 في المائة، هناك تقديرات أخرى تتوقع أكثر من 40 في المائة. هذا الطلب المتزايد على مصادر الغذاء والمياه والطاقة، سيتطلب إجراء تغييرات كبيرة وربما جذرية في استخدام المياه، فضلا عن توفير مصادر جديدة لإنتاج الغذاء والطاقة.
في العقود المقبلة، قد يخلق النمو السكاني والزحف العمراني أزمة غذاء ومياه. في هذا الجانب يتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن العالم قد يواجه نقصا بنسبة 40 في المائة بين الطلب على المياه العذبة والعرض بحلول عام 2030، فيما إذا استمرت الاتجاهات الحالية في الاستهلاك. في الوقت نفسه، من الممكن أن يكون هناك نمو بنحو 40 إلى 50 في المائة في احتياجات العالم الغذائية. يمكن لهذه الضغوط أن تؤدي إلى مضاعفة أسعار المواد الغذائية بحلول عام 2030، حسب المنتدى الاقتصادي العالمي.
النقص في هذه الموارد يمكن أن يتسبب في تخلخل الاستقرار الاجتماعي والسياسي، صراعات جيوسياسية وأضرار بيئية لا يمكن إصلاحها. أي استراتيجية تركز على جانب واحد من هذه المصادر أو الموارد دون النظر إلى الترابط فيما بينها تواجه مخاطر في كثير من الأحيان غير مقصودة العواقب.
اليوم هناك وعي متزايد بأن الطريق إلى مستقبل أكثر استدامة لأمن إمدادات الطاقة سيتطلب من الجميع اتباع نهج أكثر تكاملا يأخذ في الحسبان أمن المصادر الثلاثة، الطاقة، المياه والغذاء، وكيفية ارتباطها بعضها ببعض.
أمن الطاقة، أمن المياه والأمن الغذائي تعتبر من المشكلات المزمنة للنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، حيث يتطلب إنتاج الغذاء توفير المياه والطاقة؛ استخراج المياه وتوزيعها يتطلب توفير الطاقة، وإنتاج الطاقة يتطلب توفير المصادر المائية. أسعار المواد الغذائية أيضا مرتبطة ارتباطا وثيقا بتكاليف مصادر الطاقة، من خلال النقل والأسمدة والري والتصنيع وما شابه ذلك.
النمو الاقتصادي والنمو السكاني، تعد من العوامل المشتركة المحركة لجميع المصادر الثلاثة، خصوصا أن تحسين ظروف المعيشة في الاقتصادات الناشئة ينتج منه أنماط أكثر استهلاكا للموارد بجميع أنواعها.
القطاع الزراعي مهيمن على استخدام المياه، حيث يستهلك وحده أكثر من 70 في المائة من إجمالي الطلب على المياه في العالم، في حين النمو السكاني وزيادة استهلاك اللحوم في الاقتصادات الناشئة سيكون لها تأثيرات هائلة في احتياجاتها من الموارد جميعها بصورة عامة.
من أجل مستقبل عالمي أكثر استدامة لأمن إمدادات الموارد هناك حاجة متزايدة إلى اتخاذ تدابير مقايضة Trade-offs، في كثير من الأحيان تكون صعبة، بين أمن الغذاء، الطاقة والمياه من حيث تخصيص الموارد والتخطيط. التحدي الرئيس في هذا الجانب يكمن في احتواء الترابط المعقد للتحديات التي تواجه هذه الموارد وبلورتها في استراتيجيات متكاملة تأخذ في الاعتبار العديد من أصحاب المصلحة والمعنيين ذات الصلة.
على المستوى المحلي (المقاطعة أو البلد الواحد) هناك عدد من المبادرات الإيجابية على تحسين كفاءة استخدام الموارد وإجراء المقايضة Trade-offs بين المياه والطاقة وإنتاج الأغذية. لكن، على الصعيدين العالمي والإقليمي هناك فقط بعض المبادرات لرفع الوعي، تبادل الخبرة والممارسات الرائدة في هذا المجال وتحفيز المستهلكين في نهج متكامل.
الأمثلة على العواقب غير المقصودة كثيرة، على سبيل المثال، بسبب سياسات أمن إمدادات الطاقة وسلامة البيئية التي وضعت الحوافز للحد من انبعاث الغازات الدفيئة من المركبات وتوفير إمدادات لقطاع النقل بديلة عن النفط وتقليل الاعتماد على الواردات، شجعت على زيادة إنتاج الوقود الحيوي من الذرة وغيرها من المحاصيل الزراعية، في هذا الجانب تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن نحو 5 في المائة من الوقود المستخدم في مجال النقل سيتم تزويده عن طريق الوقود الحيوي بحلول عام 2030، أي في حدود خمسة ملايين برميل يوميا. لكن إنتاج هذه الكمية الكبيرة من الوقود الحيوي يمكن أن يستهلك كميات هائلة من المياه المستخدمة الآن في جميع أنحاء العالم لأغراض الزراعة. من الواضح جدا أن هذا النوع من المقايضة أو المفاضلة في استخدام الموارد غير مستدامة.
المفاضلة أو المقايضة بين الموارد الثلاثة، وكذلك المفاضلة بين المستخدمين في أسلوب تقنين الموارد، ستصبح من القضايا ذات الأهمية المتزايدة والملحة في المستقبل، حيث من المتوقع أن يتم التعامل مع إدارة هذه المفاضلة في استخدام الموارد عن طريق الجمع بين آليات السوق والنظم والتعليمات.
التحديات المرتبطة بإدارة المقايضة بين أمن الغذاء، الطاقة، والمياه تقع على عاتق الحكومات. وجود هياكل إدارية وسياسات منفصلة لإدارة القطاع الزراعي، قطاع الموارد المائية، قطاع الطاقة والتخطيط الحضري والسكاني يقوض مواجهة تلك التحديات. استحداث لجان رفيعة المستوى تشمل الدوائر الحكومية ذات العلاقة وأصحاب المصلحة وممثلي المناطق يمكن أن يحسن من أداء إدارة القطاع العام للموارد ومن التخطيط وتدفق المعلومات.
أسعار الموارد المحلية تلعب دورا كبيرا في إدارة الطلب على موارد المياه، الغذاء، والطاقة. إبقاء الأسعار منخفضة في العديد من البلدان عن طريق الإعانات الحكومية أو عن طريق لوائح أخرى، يؤدي إلى زيادة الطلب على الموارد، وفي كثير من الأحيان يؤدي إلى هدر وعدم كفاءة في استخدام هذه الموارد. لكن في الوقت نفسه، رفع أسعار الطاقة والمياه والمواد الغذائية سينتج منه آثار كبيرة وتداعيات اجتماعية سلبية في العديد من المناطق. لمعالجة هذا الجانب، يجب أن تدار آليات السوق تدريجيا؛ حتى لا يتعرض الاستقرار الاجتماعي للخطر من خلال حرمان المستهلكين الفقراء. كذلك، إن زيادة أسعار الموارد تؤثر حتما في النمو الاقتصادي، حيث إن الأسعار العالية ستمرر إلى المستهلكين.
في الواقع، السياسات التي تهدف إلى إدارة أمن الغذاء والطاقة والموارد المائية بشكل كفؤ ومتكامل في كثير من البلدان مصممة بشكل جيد وبما يتماشى مع احتياجات وإمكانات البلد، لكن العديد من العوائق التي تحول دون الاستخدام المستدام لتلك الموارد تتعلق بتنفيذ تلك السياسات على أرض الواقع.
(الاقتصادية 12 اكتوبر 2011)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*