النظرة الغربية لثروتنا

عندما نقرأ معظم الدراسات الغربية التي تتعلق بمستقبل مصادر الطاقة، وتكون ثروتنا محور الحديث، نجد أنهم يتعاملون مع احتياطي وإنتاج نفطنا بمنظارٍ رأسماليٍّ غربي محض. بمعنى أنهم يستخدمون المنطق نفسه الذي يطبقونه لو أنهم كانوا هم الذين يملكون هذه الثروة الكبيرة وتحت سيطرتهم. وبتوضيح أكثر، هم يفترضون، بكل تأكيد، أننا لن نتوانى عن رفع كمية إنتاجنا إلى أعلى مستوى تتطلبه السوق النفطية إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ولديهم يقين ثابت بأننا سعداء بهذا التقييم غير المنصف، بل يظنون أننا محظوظون في نظرهم لأننا نجد مجالاً واسعاً خاليا من المنافسة لتسويق إنتاجنا بكميات تزيد على حاجة اقتصادنا. وواقع حالنا يختلف كثيراً عن تصورهم. فنحن شعب مستهلك وغير مُنتج، يعيش فوق أرض قاحلة خالية من جميع مقومات الحياة، ونتحدث هنا عن ثروة مؤقتة وقابلة للنضوب وأجيال قادمة بأفواه جائعة. فلا يصح أن نتصرف بثروتنا بمنطق بعيد عن الحكمة وحسن التدبير، فنحاول كسب رضا الأغنياء على حساب الفقراء، والأجيال الحالية على الأجيال القادمة. ولا يسيغ لنا على الإطلاق، كأمناء على هذه الثروة، أن نفعل بها ما نشاء ونتصرف خارج حدود احتياجاتنا الضرورية. فهل هو مستوى إدراكهم وعدم فهمهم لحقيقة وضعنا وطبيعة بلادنا ومستقبل أجيالنا؟ أم أنه الطمع والأنانية وعدم الاكتراث بمصير الشعوب الأخرى خارج حدودهم؟ أياًّ كان الأمر، فمسؤولية الحفاظ على ثروتنا تقع على عواتقنا ومسؤولية توضيح ما خفي عليهم عن حالنا ومستقبل اقتصادنا بعد النفط من صميم واجباتنا نحن أصحاب الشأن. ومع شديد الأسف، نهتم بالمظاهر أمام العالم أكثر من اهتمامنا بواقع حالنا وحقيقة مستقبلنا، ما يبعث لدى الآخرين شعورا بأننا سعداء بما هو حاصل اليوم وأننا نريد المزيد.
فعلى سبيل المثال، تذكر وكالة الطاقة الدولية في معظم تقاريرها الدورية أن المملكة العربية السعودية سيكون إنتاجها في فترة قادمة ما يزيد على 11 مليونا و400 ألف برميل في اليوم، وفي مناسبة أخرى تنبأوا بأن يكون إنتاجنا قريبا من 12 مليونا و300 ألف برميل، وفي فترات سابقة توقعوا أننا سنرفع إنتاجنا إلى 15 مليون برميل، وإذا تطلب الأمر فلا مانع من رفع الإنتاج إلى 20 مليون برميل في اليوم الواحد. وهكذا كان ديدنهم، افتراضات ومرئيات ما أنزل الله بها من سلطان. وكان المقصد هو الإنتاج المستمر وليس ما تدعو الضرورة له خلال مدة محدودة من الزمن. وهم لا يعلمون إن كنا سنوافق على ذلك أو أننا ربما يكون لدينا رأي آخر والكثير من التحفظات، لسبب بسيط، وهو أننا تركنا لهم الباب مفتوحا لإطلاق تكهناتهم وإملاء رغباتهم. وليس سرا أن طاقتنا الإنتاجية القصوى اليوم تصل إلى 12 مليونا و500 ألف برميل. لكن هدفنا من ذلك تغطية حاجة السوق النفطية لفترة قصيرة عندما تدعو الحاجة المُلِحَّة إلى ضخ كميات إضافية في حالة حدوث نقص مفاجئ في الإمدادات النفطية، حتى تعود المياه إلى مجاريها. ومتطلبات اقتصادنا تقل عن هذه الكمية بنسبة كبيرة، خصوصاً إذا كانت الأسعار العالمية لمصادر الطاقة مرتفعة نسبياًّ، وهو ما نتوقع أن تكون عليه الحال. والدول الغربية على وجه الخصوص، تسعى إلى تأمين متطلباتها وحاجتها من الطاقة على حساب مستقبل الآخرين. ولو كانوا يملكون هذه الثروة الكبيرة ويعلمون أنها ناضبة وليس لديهم بديل مناسب يتعيشون من ورائه، كما هي حالنا على ظهر هذه الصحراء المباركة، لما فرَّطوا في برميل واحد من الثروة النفطية. وفي الوقت نفسه، نجد أنهم حرصاء أشد الحرص على استرداد الفوائض المالية التي نتحصل عليها مقابل شرائهم لنفطنا، كقروض طويلة الأجل لمؤسساتهم المالية أو استثمار في سنداتهم الحكومية، قد يذهب التضخم المالي بأرباحها وربما بجزء من أصولها الأساسية. ونحن في الواقع لا نريد أن نتهرب من مسؤولياتنا كعضو فاعل في المنظومة الدولية، ومن جانب آخر، لا نود أن نفرط في مصالحنا القومية ومستقبل أجيالنا على حساب المجاملات والعلاقات الخاصة. ونتمنى أن تكون هناك علاقات بيننا وبين جميع الدول والشعوب مبنية على أساس المساواة ومراعاة المصالح المشتركة لجميع الشعوب ورفع الغبن عن أي طرف في معادلة المعاملات الدولية لمصلحة طرف آخر.
ولعل أكثر ما يؤرقنا ويقض مضاجعنا، رغم ما نحن عليه في الوقت الحاضر من الثراء والنعم الكثيرة التي منَّ الله بها علينا، أو على الأقل على بعض منا، فنحن نتخوف من المستقبل المجهول بعد أن ينفد مصدر رزقنا الوحيد ونحن على هذه الحال، دون أي مصدر آخر. وإذا كنا قد ظللنا خلال 40 عاماً مضت نخطط لإيجاد مخرج مما نحن مقبلون عليه ونؤمِّن لأنفسنا مصادر اقتصادية تعوض بعضاً من الاعتماد الكلي على مصدر واحد ناضب، ولم نحرز خطوة واحدة تجاه الهدف المنشود، فهذا أمر محزن وحري به أن يجلب لنا الإحباط. وما نشاهده اليوم، هو أنه كلما كثر ثراؤنا وازدادت رفاهيتنا، أصابنا شيء من التراخي والخمول والاعتماد على الغير والقبول بالوضع السائد وعدم الاهتمام بالمستقبل المجهول. وعلى الرغم من وجود الفوائض المالية الضخمة بين أيدينا، التي ما كان لها أن تكون لولا إسرافنا في استنزاف مخزوننا النفطي، ومع ذلك لم نحسن استثمارها فيما يعود على أجيالنا بدخل مستديم. ونقصد بذلك بناء مرافق اقتصادية ثابتة ومربحة، كمصادر الطاقة المتجددة على سبيل المثال.
– عثمان الخويطر
ttp://www.aleqt.com/2013/02/03/article_729258.html

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*