لو كان لي من الأمر شيء!


”لو كان لي من الأمر شيء”، مجرد أمنية ربما مستحيلة التحقيق، لكنها أحلام يقظة تراودنا، بل هي تقضّ مضاجعنا. فلو كان لي من الأمر شيء لعملت على إيجاد مخطط لا يقبل النقض ولا الانحراف، يقلص إنتاجنا من النفط اختيارياً إلى ستة ملايين برميل في اليوم كحد أعلى خلال السنوات المقبلة، حتى نسير على الطريق السليم، ويتحول اقتصادنا من اقتصاد ريعي مُثبِّط للهِمم وقاتل للطموح إلى اقتصاد مُنتِج نباهي به جيراننا، ويعتمد إلى حد كبير على مجهودنا وينتشلنا من حالة الاتكالية والرفاهية إلى مصافّ الأمم المنتِجة.
ولو كان لي من الأمر شيء، لاستصدرت أمراً بإنشاء برنامج ملزم نستغني بموجبه عن 40 في المائة من الأيدي العاملة الأجنبية الحالية، غير الضرورية خلال عشر سنوات، وندعها تغادر البلاد بتأشيرة لا عودة. وهذا المخطط يُحدد زمناً لا يتجاوز 15 عاماً لحصر جميع محال التجزئة التي لا يتطلب عملها أي مهارات فنية، كالبيع والشراء، على المواطنين. وتحويل معظم النشاطات الحالية المتعلقة بتجارة التجزئة إلى شركات مساهمة، يسهم فيها المواطنون بأموالهم ومدخراتهم. والأعمال الورشية هي الأخرى تتحول إلى مجمعات وكيانات كبيرة تكون نسبة كبيرة من العاملين فيها من المواطنين برواتب مجزية. ولن أسمح على الإطلاق لأي وافد أن يبيع ويشتري لحسابه تحت أي ظرف من الظروف، كما هي الحال اليوم. وذلك بإيجاد طرق وآليات تكشف كل مخالف للسياسة الموضوعة من أجل المصلحة العامة. وإذا وُجد مُخالف للأنظمة يكون مصيره الإبعاد وعدم العودة إلى المملكة ومعاقبة الذي سمح له بذلك.
ولو كان لي من الأمر شيء، لاستثمرت قسماً كبيراً من الفوائض المالية الضخمة في مشاريع توليد الطاقة الشمسية. فنحن مآلنا إلى الطاقة الشمسية عندما ينخفض دخلنا من النفط، وهو أمر لا جدال في حدوثه عاجلاً أم آجلاً. وخير لنا أن نؤسس لمشاريعها وبنيتها التحتية ما دمنا نملك المال، بدلاً من الانتظار لسنوات قد لا نجد خلالها ما يؤمن مستقبل صناعة توليد الطاقة الشمسية. فسيأتي اليوم الذي تختفي فيه هذه المداخيل الكبيرة ويتضاعف عدد السكان الذين يكونون عبئاً ثقيلاً على خزانة الدولة، ناهيك عن شح المياه ومتطلبات الحياة المتزايدة. وأكبر عائق في الوقت الحاضر لتنفيذ مشاريع الطاقة الشمسية هو غياب الجهة التي من الممكن أن تتولى إنشاءها، خصوصاً خلال المراحل الأولى من عمر المرافق الجديدة. ونظراً لأهميتها وضرورة متابعتها حتى تستطيع الوقوف أمام نوائب الدهر، نقترح أن تتولى هذا الأمر شركة أرامكو السعودية، وهي المتخصصة في شؤون ومستقبل مصادر الطاقة، لما تتمتع به هذه المؤسسة الوطنية الناجحة من سمعة طيبة ومن بنية تحتية قوية وخبرة في تنفيذ المشاريع الاستراتيجية الكبرى. ولا بأس من تحويلها لاحقاً إلى شركة مساهمة، كأي مؤسسة مستقلة يُشارك في رأسمالها وإدارتها المواطنون.
ولو كان لي من الأمر شيء، لأصدرت قرارا يُمنع بموجبه أي نوع مما يُسمى ”الأوت سورسينق”، وهي ممارسة تكاد تكون جديدة ومتفشية، تطلب فيها بعض المؤسسات الحكومية والشركات الكبرى مثل ”أرامكو” و”سابك” التوظيف عن طريق مقاول محلي، وهي في نظرنا العدو الأكبر للسعودة، والقصد المُعلَن من هذه العملية تخفيض النفقات، والمأخذ على هذه الممارسة أنها تكون فرصة لتوظيف عمالة أجنبية أو وطنية بأجور متدنية، ونحن نشك في فاعلية هذه الطريقة إذا أخذنا في الاعتبار المصلحة الوطنية وفتح مجال أوسع ومضمون لتوظيف الشباب العاطل عن العمل. وتؤدي، في الوقت نفسه، إلى إثراء عدد محدود من المواطنين على حساب الأكثرية.
ولو كان لي من الأمر شيء، لحددنا ساعات العمل لجميع المحال التجارية، ما عدا تلك التي يتطلب دوام العمل فيها بقاءه على مدار الساعة مثل السوبرماركت والصيدليات. ولا بد ولا خيار من أن ترفع رواتب المواطنين العاملين في القطاع الخاص، بما يتناسب مع مستوى المعيشة في البلاد. ومن لا يستطيع الإيفاء بهذا الشرط من رجال الأعمال أو الشركات فهم أحرار في الخروج من السوق وفسح المجال لغيرهم من المستثمرين. ومن نافلة القول التأكيد على فتح بابٍ واسعٍ لتدريب وتأهيل الشباب ودحض الأعذار التي تحول دون توظيفهم في القطاع الخاص.
ولو كان لي من الأمر شيء، لفتحت باب التجنيد الإجباري لمدة لا تقل عن سنتين، أو ما يُشبه الحياة العسكرية حتى نوجد شباباً عاملاً مُنتِجاً بدلاً من الكسل والخمول والاتكال على الخدمات التي يقوم بمعظمها الآن عمالة وافدة، المستقبل على ظهر هذه الصحراء القاحلة لا يرحم، نريد أمة تصنع معيشتها بيدها عندما يقترب نضوب ثروتنا البترولية.
ولو كان لي من الأمر شيء، لطلبت من مؤسسة السكك الحديدية أن تتحمل كامل مسؤوليات نقل البضائع بين المدن وتحويل 80 في المائة من مركبات النقل الكبيرة إلى التقاعد، وهذا سيوفر مئات الألوف من العمالة الأجنبية وملايين من براميل الديزل الذي يباع محليا بشبه (البلاش)، وتوفير الملايين من العملات الصعبة وإيجاد الآلاف من الوظائف في مرافق السكة الحديد، وحماية الطرق من الدمار، وتقليل نسب حوادث المرور. وهذا يحتاج إلى مجهود كبير ومتابعة ونوع خاص من معادن الرجال المخلصين.
ولو كان لي من الأمر شيء، لأنشأت أكثر من شركة واحدة لصيد الأسماك، فشواطئنا تمتد شرقاً وغرباً آلاف الكيلومترات، وبحارنا تعج بأنواع الأسماك، ومع ذلك فلا تعرض في الأسواق إلا كمية قليلة، مع ارتفاع مخيف في أسعار اللحوم الطازجة.
ولو كان لي من الأمر شيء، لحمّلت رجال المرور كامل مسؤولية ارتفاع عدد الحوادث المرورية والإصابات المميتة والمُقعِدَة، فهم الأدرى بمسبباتها وطرق مُعالجتها، ووضعت أمامهم اختياراً واحدًا، اعملوا ما شئتم، ولكم ما أردتم، لكنكم مسؤولون عن تخفيضها بنسبة 2 في المائة سنوياً حتى تصل الحد الأدنى الذي يتناسب مع المعدلات العالمية.
– عثمان الخويطر
http://www.aleqt.com/2013/02/10/article_730723.html

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*