الخطر القادم.. ثغرات في الاقتصاد وتسريبات في الإنفاق الحكومي

د.عبد الوهاب أبو داهش

من أفضل ما اطلعت عليه حول الاقتصاد السعودي ما نشره الزميل فادي العجاجي في صحيفة ”الرياض” من أن تأثير الإنفاق الحكومي في نمو إجمالي الناتج المحلي غير النفطي هو أقل من 1 في المائة. وبمعنى أدق، كل ريال تنفقه الحكومة يحقق نموا في إجمالي الناتج المحلي غير النفطي بنحو 60 هللة. أما الـ 40 هللة الأخرى، فإنها تتسرب من الاقتصاد ولا يستفاد منها. ومن الواضح أن سياسة الإعانات للكهرباء والمياه وأسعار مشتقات النفط المنخفضة أحد الأسباب المهمة في هذه الخسارة، كما أن تحويلات العمالة الوافدة تشكل هي الأخرى تسربًا كبيرًا من هذا الإنفاق الذي قدره بنحو 20 في المائة، بمعنى أن كل ريال تنفقه الحكومة يذهب للعاملين الأجانب في المملكة ولا تتم الاستفادة منه في الاقتصاد المحلي نتيجة التحويلات الضخمة التي تتجاوز الآن أكثر من 100 مليار سنويًا. وتكلف الكهرباء حسب هيئة تنظيم الكهرباء نحو 13 مليار ريال سنويًا. وهناك تسريبات أخرى تأتي من الفساد والإنفاق الاستهلاكي غير المبرر، حيث بلغت السحوبات من نقاط البيع وأجهزة الصرف الآلي في تموز (يوليو) الماضي فقط نحو 62 مليار ريال أنفقت على سلع استهلاكية.
إننا أمام أرقام مخيفة بالفعل. تشير إلى صعوبة بالغة في قدرة الحكومة على تمويل الأنشطة الاقتصادية والمستهلكين لمدة طويلة خصوصا في حال انخفاض أسعار النفط، الممول الرئيس للاقتصاد غير النفطي. وحتى في حال استمرار أسعار النفط مرتفعة وقادرة على تمويل هذا الجيل، فإنها لن تكون قادرة على تمويل الأجيال القادمة بسبب نضوب النفط حتى مع تفاؤلنا المفرط تجاهه.
من هنا؛ فإن السؤال المطروح هو كيف يمكننا رفع العائد من الإنفاق الحكومي إلى أكثر من 1 صحيح، بمعنى آخر، كيف يمكن أن نجعل من إنفاق ريال واحد يحقق أكثر من ريال (1.8 ريال أو 2 ريال أو حتى 1.1 ريال) في القطاع غير النفطي. يبدو أن الإجابة قد تكون سهلة من أول وهلة، وهي أن الأسباب معروفة وذكرناها هنا، بحيث إننا نحتاج فقط إلى خفض الإعانات، والقضاء على الفساد، والتضييق على تحويلات العمالة والمستثمرين الأجانب، وترشيد النمط الاستهلاكي، وزيادة فعالية وكفاءة الإنتاج. ولكن التحدي الأكبر كيف يمكن تحقيق كل هذه الأشياء؟ وهو السؤال الذي يوجه إلى كل مسؤول وموظف وكل أفراد المجتمع من دون استثناء.
وبالنسبة لي فإنني أرى أن نبدأ بتحويل الاقتصاد المحلي إلى منظومة من التشريعات والأنظمة المتكاملة لسد هذه الثغرات التي يتسرب منها الإنفاق الحكومي. فهيئة تنظيم الكهرباء أنشئت لوضع أنظمة وتشريعات لخصخصة وتنظيم قطاع الكهرباء والمياه. ووضع هذه التنظيمات لا يكفي ما لم تكن لها القدرة على التنفيذ. لقد نجحت في رفع التعرفة على القطاع التجاري بعد سنوات طويلة من الهدر، ولكنها الآن تحتاج إلى سنوات طويلة لرفع التعرفة مرة أخرى لخفض تكاليفها جراء المعارضة الشديدة التي تتلقاها من جماعات المصالح. ولا يمكن للحكومة الآن أن تتراجع عن دعم هذا القطاع حتى يتم التخصيص الكامل للقطاع مع إثبات فعاليته، مما قد يأخذ سنوات طويلة قد لا يشهدها الجيل الحالي.
وإذا عرجنا إلى القضاء على الفساد، فإن هيئة مكافحة الفساد بداية الحرب عليه. وأعتقد أننا نحتاج إلى القضاء على الفساد في دواخلنا قبل أن نفكر فيما ستعمل هذه الهيئة؛ لأنها لن تحقق شيئًا ملموسًا على أرض الواقع. ونأتي إلى مسألة تحويلات العمالة والمستثمرين الأجانب التي تشكل نحو 20 في المائة من التسربات، مما يجعل مسألة توظيف السعوديين تأتي على أهم الأولويات التي يجب أن نسعى جميعنا إلى نجاحها. فهناك نحو 1.5 مليون عاطل وعاطلة، بلغ عدد الإناث منهن مليون عاطلة، يصعب على سوق العمل بهيكلته الحالية استيعابهن ما لم يتفهم المجتمع ضرورة عمل المرأة في مجالات تتجاوز التعليم والصحة.
وأخيرًا؛ يأتي الإنفاق الاستهلاكي كسلوك سيئ في تبديد الثروات والأموال، وهذه العادة هي منوطة بنا كأفراد وأسر يجب أن نسعى إلى تغييرها، بدءًا من نمط الاستهلاك في المياه والكهرباء الذي يجب أن يكون من أولوياتنا الترشيد في ذلك حتى لا تضطر الحكومة إلى رفع رسومهما لتعاقب الجميع بدلاً من تعاون الجميع في مسألة الترشيد. كما أن زيادة الإنفاق الاستهلاكي تسهم بشكل كبير في رفع الأسعار، وخفضها لن يتم إلا بقدرة الأفراد على كبح جماح الإنفاق وخفض الطلب الذي قد يؤدي في النهاية إلى خفض الأسعار.
باختصار؛ الحلول هي تنظيمية وسلوكية يتحمل مسؤوليتها الحكومة والمجتمع، والذي أراه أن تغييرًا في الأنظمة والتشريعات وتطبيقها سيسهم بدرجة كبيرة في تغيير سلوك المجتمع لحياة أفضل.
( الاقتصادية 11 سبتمبر 2011 )

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*