أزمتان.. تتحديان مستقبل الإنسان السعودي


بعد أزمة قصور المياه المحلاة، فإن المسألة الثانية التى تستفزني، وأنا أفكر في مستقبل الإنسان السعودي هي معدلات استهلاك البترول والإحصاءات تقول إننا سنستهلك كل ما ننتجه فقط بعد عقدين من الآن، بمعنى أن إيرادات البترول التى تشكل نحو 89 في المائة من إيرادات الدولة ستصل في عام 2030 إلى (الزيرو!)
رغم أنني بطبيعتي متفائل ولست سوداوي المزاج، إلاّ أن مسألتين تستفزانني حينما أفكر في مستقبل الإنسان السعودي.
المسألة الأولى وهي مسألة العجز في مياه الشرب، وهذه المسألة لها مخالب إقليمية ودولية واسعة الأرجاء، أي أن النقص في مياه الشرب لا يقتصر على الداخل السعودي، إنما يمتد حتى الواقع الإقليمي، ثم يمتد أكثر فيشمل واقع كل البشر في كل مكان من العالم، العالم كله يعاني العجز في مياه الشرب، وكلنا يعرف أن المملكة العربية السعودية تعتمد على تحلية مياه البحر كمصدر رئيس لموارد المياه، ونعرف تماماً أن المملكة تحتل المركز الأول بالنسبة للدول التي تحلي مياه البحار، وأنه لا توجد لدى المملكة أنهار أو آبار غزيرة تمدنا بالمياه، وما يقال عن النهر النائم تحت أقدام الربع الخالي لم يثبت يقيناً وجود هذا النهر العظيم ومدى أهليته لتلبية الطلب على المياه في المستقبل.
وإذا كنا ما زلنا نعيش في (الحمأة) وفي عجز المياه ونحن نعيش في مرحلة انتعاش اقتصادي واعتماد تنفيذ المشاريع العملاقة، فماذا يحدث حينما تقل موارد البترول ولا نستطيع أن ننفذ مثل هذه المشاريع العملاقة؟!
إن قصور المياه يعني توقف الحياة تماماً، فالصناعة وهي العمود الفقري للاقتصاد تعتمد على المياه المحلاة، والزراعة وهي قوت الشعب تقوم على المياه، والإنسان والحيوان والنبات والجماد كل هذه الأشياء الأساسية في حياة البشر لا تقوم لها قائمة من دون المياه.
أمّا إذا أجلنا النظر في الخارج، فإننا نلاحظ أن حروب المياه من حولنا تكشر عن أنيابها، وهذا العدو الصهيوني يغتصب كل موارد المياه في المنطقة العربية، بينما الأردن وسورية ولبنان “يشحتون” المياه من العدو الصهيوني، الذي يستعرض عضلات الآلة العسكرية ويهدد ويتوعد جميع الدول العربية بحرب تجعل له ــ بالقوة ــ الكلمة العليا على موارد المياه في المنطقة، وطبعاً هذا التوتر الإقليمي سيهدد سلامة وأمن مواردنا المائية، وعند ذاك ــ لا سمح الله ــ ستكون الطامة التى نعانيها من شح المياه أكبر من أي تصور عادي. وبهذه المناسبة أصدر مجلس التفاعل الأمريكي أخيرا دراسة أشارت إلى أن العالم في حاجة إلى إيجاد مياه تعادل 20 نهراً على غرار نهر النيل بحلول عام 2025 لإيجاد الغذاء الذي يكفي لإطعام عدد السكان المتزايد وتجنيب العالم الصراعات والحروب المحتملة بسبب نقص المياه.
والحكومة من جهتها، اتخذت خطوات صائبة عدة لتوفير مياه الشرب، أهمها مجموعة مشاريع التحلية الطموحة على ساحل البحر الأحمر والخليج العربي، ثم خصخصة المياه وتأسيس الشركة الوطنية للمياه التي ستتولى مسؤولية البحث عن موارد المياه ثم تسويقها بأسعار اقتصادية مناسبة بعيداً عن الأسعار المجانية التي عودتنا عليها حكومتنا الرحيمة.
المسألة الثانية التي تستفزني وأنا أفكر في مستقبل الإنسان السعودي هي المشكلة التى فاجأتنا وصفعتنا جميعاً، لقد فوجئنا بأننا الأول على العالم في معدلات استهلاك البترول، وأن الإحصاءات تقول إننا سنستهلك كل ما ننتجه فقط بعد عقدين من الآن، بمعنى أن إيرادات البترول التي تشكل نحو 89 في المائة من إيرادات الدولة ستصل في عام 2030 إلى (الزيرو!)، لذلك صدرت تحذيرات كثيرة من جهات دولية متعددة، وآخر التحذيرات صدرت من كريستين لاجارد رئيسة صندوق النقد الدولي التي أهابت بالحكومة السعودية بضرورة انتهاج سياسة ترمي إلى خفض استهلاك البترول ومشتقاته، لأن استهلاك السعودية الحالي يهدد موارد الطاقة العالمية!
إن مشكلة الإسراف في استهلاك البترول صادمة للشعب السعودي، وليس أمامنا وأمام حكومتنا إلاّ انتهاج سياسة خفض الاستهلاك، وخفض الاستهلاك يحتاج إلى التحول إلى طاقة بديلة ثم رفع أسعار البنزين وجميع المشتقات البترولية الأخرى.
ورفع الأسعار هو المتاح أمام الحكومة، أمّا التحول إلى الطاقة البديلة فإنه يحتاج إلى وقت طويل واستثمارات هائلة، لذلك يجب الإسراع في الكشف عن مصادر بديلة وأمامنا الطاقة النووية أو/ والطاقة الشمسية وطاقة الهواء أو الطاقة الحيوية، وكل أشكال وأنواع الطاقة المتجددة.
وهنا يأتي دور مدينة الملك عبد الله للطاقة المتجددة، التي أنشئت خصيصاً لتسابق الزمن وتقدم مشاريعها إلى المواطن السعودي كي تطمئنه على مستقبله.
إذن مسألتان كؤودتان يتعرض لهما المواطن السعودي بعد عقدين من الزمان وحلهما في يد المواطن والحكومة معاً، لكن ما نطلبه من المواطن هو أن يتنازل عن الرفاهية التي زادت على حدها، ويختار طريق الرفاهية الموضوعية التي تحافظ على مستوى معيشي مثالي لكل المواطنين دون تبذير لثروات الأجيال القادمة.
الموضوع أكبر بكثير مما نناقشه في مقالة، إنما يحتاج إلى رعاية إحدى المؤسسات البحثية الدولية حتى يأخذ حقه من الاهتمام ويطرح كمشروع وطني جدير بأن يرى النور ليحافظ على مملكة فتية متوازنة نجح آباؤنا الأولون في تأسيسها حتى أوصلوها إلى ما وصلت إليه من رفعة ومجد.
د أمين ساعاتي
http://www.aleqt.com/2012/10/28/article_705141.html

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*