التراب والهواء والماء .. الإنسان يمرض بمرضها


د.هاشم عبد الله الصالح

لا مهرب من الإجابة عن هذا السؤال: هل ستبقى صحة الإنسان في أمن وسلام مع كل هذا التلوث الذي أنتجناه في أقل من قرن واحد؟ التراب مرض لكثرة ما خزنا فيه من مخلفات صلبة وسائلة أفسدت علينا طعامنا ومياهنا الجوفية، ففي منطقة البنجاب، وهي أهم منطقة زراعية في الهند، ولكثرة ما استخدموا فيها من مبيدات زراعية، صارت الأرض مريضة وصارت سموم المبيدات تنتقل إلى دماء الناس بطرق مختلفة. فكم هو مؤلم قول ذلك الرجل العجوز وهو يصف حال الناس في هذه المنطقة، يقول: كنا نلتقي ونجتمع في ساحات مدننا للاحتفال وإقامة المهرجانات، واليوم نلتقي في مشافي أمراض السرطان، سرطنا الأرض بهذه السموم فانتقل السرطان إلى أجسادنا. ونحن في المملكة نشتري الفواكه والخضراوات بالكراتين ومن ثم نرمي نصفها في الزبالة ولا نكترث إن كانت هذه الفواكه والخضراوات قد زرعت في أرض مريضة أم سليمة، فالأرض السليمة الطبيعية لا تنتج بهذه الكثرة إلا أن تكون متسرطنة لكثرة ما استخدم فيها من مبيدات قتلت الكائنات الحية الدقيقة التي كانت تحفظ للأرض صحتها وسلامتها، فالخلية المتسرطنة تتكاثر بسرعة، وهكذا البذور في الأرض المتسرطنة تنمو بسرعة وبكثرة. وكيف لا تمرض الأرض أو تتسرطن ونحن قد حولنا عمران المدن إلى خراب المدن، فبيوت واسعة ومبان عالية من دون مجار، وبالتالي تكون البيارات الحل، وكل بيارة في حي أو مدينة أو قرية تعني حقنة سامة تنتج خلية سرطانية في التراب الذي نعيش عليه، وهذه الحقنة السامة التي تتلقاها الأرض ستنفث سمها في التراب الذي نجلس عليه وفي الهواء الذي نستنشقه وفي الشجر والزرع الذي نأكل منه. أما المصانع في المناطق الصناعية التي باتت تطوق مدننا وهي تعمل وتدار وربما الكثير منها حتى مملوك لغير السعوديين، الذين الكثير منهم – مع الأسف – لا تهمه أرض هذه البلد ومن عليها، فدفن المخلفات إن استطاع في أي مكان مفتوح الخيار الذي يعمله، لأنه الأسهل والأربح.
أما عن تلوث المياه فالمصيبة أعظم، ليس عندنا بالماء الكثير ونحن – مع الأسف – نستخدمه في صناعات رخيصة لا تساوي في قيمتها ولا عشر ما نستخدمه من مياه في صناعتها، نريد أن نصدر البطاطس والحليب ومشتقاته إلى دول العالم على حساب ما عندنا من مياه قليلة، علينا أن نوقف كل المصانع التافهة التي ستلحق أكبر الضرر بمياهنا الجوفية. هل يعقل أننا استهلكنا من المياه الجوفية في 30 سنة ما يعادل حاجتنا إلى كل شيء لمدة 200 عام! ألا نعلم أن قلة المياه تعني المرض للإنسان، حتى الماء المتبقي في أرضنا لم يسلم من التلوث. أما الحديث عن مياه البحار المحيطة بنا، فيكفينا أن مياه الخليج العربي ملوثة بمقدار 50 مرة ضعف الحد المسموح به عالميا. وماء البحر الملوث يعني سمكا مريضا، ويعني أن هذا الماء الملوث قد يتسرب جزء منه إلى المياه الجوفية فتمرض هي الأخرى ومن ثم ينتقل المرض إلينا.
أما عن الهواء، فهواؤنا ملوث ويزداد تلوثا كل يوم. أكتب هذا المقال وأنا في زيارة لمدينة هلسنكي عاصمة فلندا وأجد نفسي وأنا أسير في وسط المدينة وكأني أسير في حديقة عامة للهدوء الذي أحس به ولنقاوة الهواء الذي استنشقه، فحركة الناس معتمدة بالكامل على الحافلات والقطارات، فمنظمة الصحة العالمية تقدر عدد الذين يموتون من تلوث الهواء وبشكل مباشر بما يتجاوز مليوني إنسان في العام الواحد، ونصف تلوث الهواء في المدن يأتي من دخان السيارات. فلو قدر لنا أن نأخذ صورة ملونة لرئتنا لاكتشفنا أننا كلنا مدخنين لكثرة ما نستنشقه من دخان السيارات، هذا إذا لم نضف إليه الازدياد الهائل في عدد المدخنين والمدخنات ولم نحسب حساب انتشار المعسل أو الشيشة، التي يعادل الرأس الواحد منها 100 سيجارة حسب آخر تقرير لمنظمة الصحة العالمية. هل يعقل وفي مدينة أمريكية صغيرة افتتحت سبعة مقاه للمعسل، لأن الكثير من طلابنا المبتعثين لا يستطيعون الدراسة إلا مع دخان الشيشة. المطلوب أن تبادر وزارة الصحة وبالتعاون مع وزارة التعليم والتعليم العالي وجهات أخرى للبدء بحملة توعوية علمية ومدروسة لمحاربة هذه الظاهرة وألا ننتظر إلى أن يصل بنا الحال إلى أن يكون المعسل طعامنا وشرابنا.
والأمر الخطير في قضية تلوث الهواء هو وجود النسب العالية من العوالق الصغيرة، التي يا ويلنا إن وجدت طريقها إلى رئتنا ودمائنا، ومن أهم مصادر هذه العوالق هي المصانع، خصوصا تلك المصانع التي تبنى بتقنيات متدنية وقديمة، ومنظمة الصحة العالمية تحذر جدا من العوالق الصغيرة جدا لقابليتها على النفاذ إلى دم الإنسان مباشرة ووصولها إلى هناك، إلى الدم، يعني أن كل جسد الإنسان معرض للمرض. لا بد لنا من أن نحمي هواء مدننا من الصناعات القذرة، فالمشكلة أن أمانات المدن الكبرى تبشرنا كل يوم بالمزيد من المدن الصناعية في مخططاتها الجديدة بدل أن تبشرنا بالحدائق والمسطحات الخضراء والطبيعية. ويبقى مهما أيضا ألا نسمح لأي مصنع أن يقام بتقنية قديمة لم تأخذ في حسابها الأمور البيئية، والحذر كل الحذر أن تفكك مصانع قديمة في دول أخرى لتنقل إلينا بعلاتها البيئية، فهناك سوق رائجة في الكثير من الدول المتقدمة لبيع مصانعها القديمة التي أجبرت على إغلاقها لعدم توافقها مع المتطلبات البيئية الحديثة. لا نريد مناطق صناعية تكون مكانا لمصانع تماثل محال أبو ريال أو ريالين، التي لا ندري كيف وصل سعرها إلى أن يكون ريالا واحدا أو عشرة لولا أنها مصنوعة من مواد رخيصة، والغالب أن تكون غير صحية.
عندما نفكر حقا في صحتنا سيكون لزاما علينا أن نغير الكثير من أوجه الحياة التي ألفناها، فالتلوث وصل حتى إلى داخل بيوتنا، فنحن جعلناها مستودعات وليست بيوتا، ولكثرة ما فيها من أصباغ وأجهزة صارت معارض وليست مساكن، وبالتالي فليس من المستغرب، كما تذكر بعض البحوث، أن الهواء داخل البيت صار أكثر تلوثا من الخارج بعشرة أضعاف.
(الاقتصادية 21 اكتوبر 2011)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*