طماشات العصر الحديث

طماشات العصر الحديث
الدكتور المهندس يوسف الإبراهيم

كانوا في السابق يضعون طماشتين فقط للخيول على عيونهم من اليمين ومن اليسار كي لا تغير طريقها أثناء الفلاحة, إلا أن أصدقاؤنا ‏المثقفين في عالمنا العربي أضافوا لأنفسهم طماشة ثالثة من الأعلى كي لا يشاهدوا ما هو قادم من الأمام.
فهل سيساعدهم هذا على ‏النجاة؟ كثيرا ما يتبادر إلى أذهاننا سؤال كهذا, حيث أنه مازال يؤرقنا في الليل والنهار. والغريب في الأمر أن هؤلاء المثقفون ‏لا يريدون الحوار ولا يرحبون في القراءة والسؤال. والغالبية تقول دعنا نائمون ولن يحصل إلا ما قدره الله, متناسون قوله سبحانه ‏وتعالى {{وامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور}}‏
نحدثهم عن نضوب الطاقة العالمية فيقولون يعوضنا الله, ونحدثهم عن القحط والجفاف فيقولون يرزقنا الله, ونحدثهم عن الكوارث البيئية ‏والمناخية فيقولون كلها بمشيئة الله. فلا اله إلا الله!!!‏
احتل الأوروبيون ثلاثة أرباع هذا العالم, أي كل ما هو غير أوروبي في القرنين الغابرين, بل إنهم احتلوا بعضا من أجزاء الدول ‏الأوروبية التي كانت مستضعفة حينها, مثل أيرلندة الشمالية واسكتلندا وغيرها. فهل جاء هذا كله بمشيئة الله؟؟ واليوم, وبعد أن ‏مضى ما سماه المثقفين العرب بعصر النهضة, الذي كان من الواجب أن نجد أنفسنا فيه, وفقا لهذه التسمية المغلوطة تاريخيا, بخير ونوع ‏من الطمأنينة والأمان, يتربع الأمريكيون على صدورنا وينتفون ذقوننا وينتهكون أعراضنا ويستنزفون خيراتنا ويمزقون بلادنا منتهزين ‏كل معاني الحرية والديموقراطية, فهل جاء كل هذا برغبة من الله؟؟ أرجوكم أنقذونا!! والله إننا لا نعلم ما يدور في صدوركم!‏
لقد نشر عن ما هو قادم بالتأكيد عدد هائل من الدراسات العلمية التي تحذر الإنسانية بخطورة المستقبل القريب, الذي سيعم فيه المرض ‏والجوع والموت الجماعي. فهل منكم من قد اتعظ؟ لم نشاهد ولم نسمع أي حديث أو حتى تلميح لا في الصحف ولا في الفضائيات ‏العربية عن الآثار الناجمة عن نضوب الطاقة العالمية وتداعيات ما بعد النفط في بلادنا! فهل لازلتم نائمون؟
علما بأن الولايات المتحدة الأمريكية وضعت ذلك ضمن استراتيجيتها للسيطرة على منابع الطاقة العالمية, فاقتربت من بحر قزوين ‏الغني بالنفط, ودخلت شركاتها النفطية كافة الدول القريبة منه, واحتلت العراق, ورفضت التوقيع على الاتفاقية الدولية لحماية البيئة, ‏وترغم العالم على تحوير القرارات الدولية بما يخدم مصالحها فقط, دون المساس بحرية أي جندي من جنودها الذين ارتكبوا المعاصي ‏والجرائم في كل أنحاء العالم, والقادم أعظم. فالمشاكل التي اختلقت بين بيروت ودمشق لا تشكل إلا البداية!‏
وان كنتم تريدون المزيد من الشواهد الواقعية لاقتراب الكارثة فما عليكم إلا أن تمعنوا التفكير بتضاؤل الغطاء الثلجي في نصف الكرة ‏الشمالية وكذلك تناقص الجليد البحري في القطب الشمالي واستمرار ذوبان الأنهار الجليدية في جبال الألب ومخاطر الانهيارات ‏الضخمة لهذه الجبال مع ذوبان الثلوج فيها والانهدامات الجليدية في الألاسكا والقطب المتجمد الجنوبي وارتفاع مستوى المياه البحرية ‏وتسونامي والزلازل والهزات الأرضية المتعاظمة في مختلف أنحاء العالم. ونرجو أن لا تتناسوا الكميات الهائلة من الغازات القاتلة ‏مثل ثاني أكسيد الكربون والميتان وغيرها التي بدأت تنطلق بمليارات الأطنان سنويا من المحيطات والمتجمدات. والجفاف الذي ‏يضرب العالم بأسره حاليا ونضوب مياه الشرب وجفاف أو شحاحة الأنهار والبحيرات والمساحات الضخمة من الأراضي التي تملحت ‏وتصحرت وكذلك تلك التي أصابتها التعرية والتخريب في كل أنحاء هذه المعمورة والبطالة المستشرية في كل أرجاء العالم الثالث أو ‏العاشر لا ندري, ولا نريد إعادة الحديث عن هذه الأمور وإيراد الأمثلة.‏
وإنما نقول في مدينة دمشق هذه العاصمة التاريخية التي تتعرض إلى نقص كبير في مواردها المائية حاليا, كيف سيكون حالها في ‏المستقبل؟ تذكروا فقط نهر بردى الذي كان يغمر ساحة المرجة لعدة شهور في فصلي الشتاء والربيع منذ عقود قليلة وليس منذ قرون. ‏أين ذهبت تلك المياه؟ ومن الممتع أيضا القيام بزيارة إلى مناطق الجزيرة لمشاهدة الأراضي الزراعية الخصبة سابقا التي تملحت ‏وأصابتها التعرية الطبيعية في مناطق كثيرة من أراضي محافظتي دير الزور والحسكة ولا تنسوا أراضي محافظة حماة أيضا ونواعير ‏نهر العاصي التي توقفت وأضربت عن العمل. أما مؤسساتنا الصناعية الإنتاجية!!! والكل يعلم!!!!‏
فالجهل والتجهيل هما الوسيلتان الناجعتان للسيطرة والسيادة في بعض مؤسساتنا وإداراتنا, وهما اللتان تمكناننا من وضع الطماشة الثالثة ‏على العيون من الأمام وأحيانا الرابعة على الأذان كي لا نرى ولا نسمع. ولن نسمح بالمشاركة في الرأي لأن ذلك قد يقلل من شأننا ‏العظيم, الذي لو فكرنا مليا في قيمته لوجدناها ضئيلة جدا. ولا يوجد لدينا من يفكر لأبعد من بضعة أيام وان تمادى لبضعة أشهر, ‏فالخطط الاستراتيجية البعيدة المنظور مفقودة تماما في مؤسساتنا, ناهيك عن عدم ترابطها مابين المؤسسات وفقا لأدائها الاجتماعي ‏الاقتصادي. وقد أصبحت الأفلام التلفزيونية والكتابات الناقدة والتي كثرت في أيامنا هذه متعة يتسلى عليها الجمهور وينتظرها بفارغ ‏الصبر, بدون أن يكون لها أي مردود فعلي. اكتب ما تشاء وتحدث عن ما تهواه, سوف نستمع إليك ولكن تأكد بأننا لم نراك ولم نسمعك, ‏وقد قالها لي طبيب مسئول ذات مرة.‏
ولا يريد أحدا منا مشاهدة خطأ ارتكبه, وخصوصا عندما يعتلي العلالي, فهو أصبح منزها عن الخطأ, له وحده كل الحقوق ولا ينطبق ‏عليه سوى المديح لأنه يعلم مالا يعلم وليس لأحد عليه أي حق – سبحانه تعالى. إلا أن التطوير في المؤسسات الإنتاجية يعني بالضبط ‏الانتقال من آلية فنية واقتصادية وإدارية نوعا ما متخلفة نسبة إلى الزمن الذي نتحدث فيه, إلى آلية أكثر تطورا. وكذلك التحديث, أي أن ‏نأتي بآليات إدارية وفنية ومالية أكثر حداثة. وهذا يعني أن الآليات التي نتحدث عنها والمستخدمة سابقا أو بالأحرى التي لازالت قائمة ‏حاليا أصبحت متخلفة, وعلى الأقل غير اقتصادية فيجب تغييرها. وان كنا جادين فيما نسميه إصلاحا, فانه لابد لنا من الاعتراف بأن ‏هناك خطأ ما لازال قائما نريد إصلاحه, وان لم يكن كذلك فلماذا الإصلاح, وهل من المنطق أن نصلح شيئا صالحا؟ إذا لماذا هذه ‏الغطرسة التي يتمتع بها هؤلاء العظام في مختلف مؤسساتنا ويعتبرون أي حديث عن الخطأ هو خطأ وأحيانا جريمة يعاقب عليها القانون ‏الذي يسخرونه؟
فبالإضافة إلى أن الفساد ينهك كاهل الشعوب والدول اقتصاديا ويدمرها, فانه لا يمكنها من تطوير والمحافظة لا على مواردها الطبيعية ‏والبشرية ولا على نظافة بيئتها أيضا. والدول التي لا تتمتع شعوبها بحس حقيقي بالمسؤولية وخصوصا تجاه المستقبل تموت سريعا. ‏انظروا ما يحدث في العديد من الدول الأفريقية حاليا.‏
وبما أننا من هؤلاء الذين نتحدث عنهم هنا فإننا سوف نبتعد قليلا عن الإصلاح والمصلحين لنعطي بعض الأمثلة عن الكوارث ‏والأضرار التي تؤدي إليها التغيرات المناخية العالمية وفقا لمراجعها.‏
‏-‏ تقدر الأضرار التي سببتها الفيضانات في نهر ألميسيسيبي لوحده عام 1993 بحوالي 10 إلى 20 مليار دولار أمريكي‏.
‏-‏ أدى الجفاف الذي ضرب أمريكا عام 1988 إلى خسارة تقدر بحوالي 4 مليارات من الدولارات فقط في أمريكا‏.
‏-‏ يمكن للتغيرات في معدلات هبوط الأمطار وكذلك ازدياد التبخر الناجم عن الارتفاع الحراري أن تؤثر على الموارد المائية ‏وكذلك على جودة المياه, مهددة بذلك محطات الطاقة الهيدروليكية والري وصيد الأسماك ومياه الشرب أيضا.
‏-‏ ويتوقع بأن الفيضانات سوف تتزايد في مناطق محددة نتيجة للأمطار الغزيرة والمتكررة التي سوف تهطل فيها مسببة الدمار ‏الحقيقي في بعض من أرجاء العالم.
‏-‏ أما في مناطق أخرى فإنها سوف تصاب بالجفاف الحاد نتيجة للارتفاع الحراري الذي يؤدي إلى زيادة التبخر مما يسرع في ‏جفاف التربة خلال الفترات التي لا تتساقط فيها الأمطار نهائيا أو يتساقط القليل منها مسببة القحط والجوع فيها.
‏-‏ وسوف تتضرر وتشح مختلف الأنهار والبحيرات في العالم, وخصوصا في دول أفريقيا والشرق الأوسط التي ستتفاقم فيها ‏أزمة المياه بشكل مخيف, وقد بدأت هذه الأزمة منذ سنوات عدة تقريبا في كل تلك الدول.
‏-‏ ووفقا لتقديرات المعاهد الأمريكية المختصة فان ارتفاع نصف متر فقط في مياه البحار سوف يؤدي إلى غمر أكثر من 5 آلاف ‏ميل مربع من الأراضي الجافة بالإضافة إلى غمر 4 آلاف ميل مربع من الأراضي الرطبة في الولايات المتحدة لوحدها‏.
‏-‏ المناطق المعرضة للخطر الكبير هي المناطق التي تعرضت إلى التعرية وألحت الشديد حاليا, وكذلك تلك الأراضي الواقعة في ‏منخفضات كبيرة مثل بعض الأجزاء من الولايات المتحدة الأمريكية وسواحل الأطلسي والخلجان وكذلك المناطق المنخفضة ‏من مصر وبنجلاديش التي سوف تغمرها مياه البحار والمحيطات عندما يرتفع مستوى المياه فيها نصف متر فقط.
‏-‏ ويمكن للتغيرات المناخية أن توسع مجال الأمراض المعدية, وفقا للدراسات الطبية العالمية, ومن المتوقع ازدياد خطورة ‏انتشار الملاريا وأمراض الحمى في العالم. ويمكن للتغيرات الحرارية واختلاف معدلات هطول الأمطار خلق مناخ جديد ‏لولادة الأوبئة وتكاثر الجراثيم.
‏-‏ ويمكن للتغيرات الحراري أن تزيد الوفيات الناجمة عن الاجهادات الحرارية وخصوصا بين الأطفال الصغار والكبار في السن‏.
‏-‏ وسوف تؤدي التغيرات البيئية إلى جفاف مساحات شاسعة من الأراضي في مختلف بقاع الأرض.
‏-‏ ويتوقع أن يصيب الضرر الأعظم في إنتاج الأغذية دول العالم النامي لضعف قدرتها على تحمل مثل هذه النكسات الاقتصادية ‏المدمرة ولعدم إمكانيتها في التفاعل مع التغيرات البيئية القاسية لتدني مستوى تقنياتها وعجز إنتاجها الصناعي.
‏-‏ ويقول العلماء أن التغيرات البيئية التي سنشهدها خلال العقود القليلة القادمة سوف تؤدي إلى دحر الغابات في بعض مناطق ‏أمريكا الشمالية لمسافة تقدر بحوالي 400 كيلو مترا نحو الشمال, فهل هناك من يعلم كيف سيكون الحال في بلادنا؟
‏-‏ وسوف يتزايد ضرر الغابات من الحرائق وموت الأشجار من العطش والجفاف, وكذلك التخريب الناجم عن تزايد الحشرات ‏والأمراض الزراعية.‏
فهل ستنقذنا من الموت المحتوم تلك الطماشات؟ أم أن علينا الإمعان في التفكير ووضع الخطط والبرامج الناجحة لتخفيف الصدمة ‏القادمة! فالتباهي بإنتاج كميات أكبر وأكبر من النفط والغاز وبأسرع ما يمكن لا يعني إلا الفرح باقتراب نضوب حقولنا ومن ثم السقوط ‏والموت الحقيقي لمجتمعاتنا. وفي هذا المجال لن يكون لنا معين في هذا العالم وعلى الإطلاق.‏
الترشيد الصارم لإنتاج واستهلاك الطاقة والحد الصارم للولادات والاستثمار الأمثل لمياه الشرب والأراضي الزراعية وكذلك الحد من ‏تلوث البيئة السطحية والجوفية في بلادنا تشكل الأهداف الأولى التي يجب التأكيد عليها, فهل منكم من وصل بقراءته حتى هذه الكلمات؟ ‏وهل ستغفر لنا الأجيال القادمة للكنس الذي ننفذه على الثروات الطبيعية التي هي ليست من حقنا فقط؟ حماكم الله!‏

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*