ماذا ستفعل أجيال ما بعد النفط

د: محمد السقا

منذ أيام أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز قرارا بإيقاف التنقيب عن النفط في المملكة،وذلك لمصلحة الأجيال القادمة، أي أنه بدلا من تكثيف عمليات الاستخراج لمصلحة الجيل الحالي فقط، فإن الهدف الأساسي من هذا القرار هو ضمان أنه حينما تأتي هذه الأجيال، تجد على الأقل حدا أدنى من احتياطيات النفط تحت الأرض لاستغلالها قبل أن تأتي الأجيال الحالية على الأخضر واليابس، وهو بلا شك قرار حكيم يهدف إلى حفظ حق الأجيال القادمة في الثروة النفطية، ولكن السؤال الملح هو هل اختزان الثروة النفطية تحت الأرض لمصلحة الأجيال القادمة هو الخيار الأمثل لضمان أن تعيش الأجيال القادمة في نفس مستويات الرفاهية التي نعيشها نحن الآن؟
هل ستكفي هذه الاحتياطيات لتوليد مستويات الدخل اللازم والكافي لهم، مع الأخذ في الاعتبار أن أعدادهم سوف تكون أضعاف أعدادنا الآن؟ هل ستمكن هذه الاحتياطيات من خلق وظائف كافية لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل منهم؟
بل ربما يكون السؤال الملح هو هل سيظل النفط هو مصدر توليد الطاقة الأساسي للعالم حين تأتي هذه الأجيال القادمة؟ إذا كانت الإجابة على هذه الأسئلة هي لا، فان السؤال الأخطر الذي قد يتبادر إلى الذهن بعد ذلك هو، ماذا ستفعل إذن أجيال ما بعد النفط؟.
منذ أن تم اكتشاف النفط في منطقة الخليج، قلب الأوضاع في هذه المنطقة رأسا على عقب، وتحولت الدول النفطية وبسرعة كبيرة إلى دول عصرية ذات بنى تحتية متقدمة للغاية، ومظاهر للحياة لا نجدها في الدول النامية الأخرى، بصفة خاصة ارتفاع مستويات الدخول إلى مستويات تقارب، أو في بعض الأحيان تزيد عن، تلك السائدة في الدول الصناعية، ومستويات استهلاك أيضا تفوق تلك السائدة بين المقيمين في أغنى دول العالم، واستطاعت الدول النفطية بالفعل أن تستخدم الإيرادات النفطية في رفع مستويات الرفاهية إلى مستويات مرتفعة جدا، وتحسنت نوعية الحياة على نحو غير مسبوق، وقامت هذه الدول بتوفير الخدمات المختلفة من تعليم وصحة وكهرباء وماء… الخ وبتكاليف زهيدة، أو في بعض الأحيان بصورة مجانية، من هذا المنطلق يمكن أن ننظر إلى الثروة النفطية على أنها نعمة، وهذا هو الجانب الايجابي لهذه الثروة.
غير أنه على الجانب الأخر انتشرت في معظم الدول النفطية أنماط للاستهلاك والسلوك لا تساعد على إرساء قواعد متينة للنمو الاقتصادي على المدى الطويل، بصفة خاصة تبني قيم الاستهلاك الترفي، وضعف الميل نحو الادخار، وانتشار ثقافة الراحة، وتجنب بعض أشكال الوظائف في سوق العمل.. إلى آخر هذه الظواهر السلبية المعروفة للجميع.
عندما زار الفيلسوف اليوناني “هيرودوت” مصر، قيل أنه قال عبارته الشهيرة “مصر هبة النيل”، أي لولا النيل لما وجدت مصر، ومن ثم فان استمرار الحياة وبقاءها في مصر ككيان يعتمد (على الأقل في ذلك الوقت) على استمرار تدفق المياه من منابع النيل في إفريقيا، وهذه العبارة الشهيرة صحيحة إلى حد كبير، فلا يمكن أن نتصور مصر بدون تدفق مياه النيل، ولكن هل يمكن أن نطلق نفس العبارة على الخليج،أي أن هل أن الخليج “هبة النفط”؟
ربما يعترض البعض على ذلك على أساس أن الخليج كان كيانا قائما قبل النفط، وسوف يستمر كذلك بعد النفط، ومن ثم فلم يكن الخليج في يوم من الأيام هبة للنفط. هذا كلام صحيح مرة أخرى إلى حد ما، غير أن واقع الحال يشير إلى عكس ذلك، بمعنى أنه يمكن أن نقول بقدر كبير من الثقة أن دول الخليج الحديثة هي “هبة النفط”، أي أن استمرارها وبقاءها كدول “تتمتع بنفس الخصائص الحالية، أي بمستويات الدخل والرفاهية التي يعيشها السكان حاليا” مرتبط أساسا بتدفق النفط من منابعه إلى الأسواق العالمية للنفط. والدليل على ذلك أن الإيرادات النفطية تشكل المصدر الرئيس للدخل في كافة هذه الدول، وأن تراجع أسعار النفط يحدث آثارا انكماشية كبيرة في هذه الدول.
ماذا تعني هذه العبارة، أنها بكل بساطة تدق ناقوس الخطر، والمتمثل في أن أكبر تحد يواجه دول الخليج اليوم هو كيف تؤمن مستويات الدخول والرفاهية المرتفعة حاليا لسكانها بعد زوال الثروة النفطية، قد تكون وجهة النظر هذه بها قدر كبير من التشاؤم، وقد ترسم صورة تحمل قدرا كبيرا من المخاطر التي ربما ستواجه الأجيال القادمة بدول الخليج، ولكن هذه المخاطر هي للأسف حقيقية وصحيحة.
فهناك حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن النفط “سوف يتوقف يوما من عن التدفق من منابعه إلى الأسواق العالمية”، إما لنضوب النفط باعتباره مصدر غير متجدد للثروة، أو بسبب توصل العالم لبديل للنفط أكثر كفاءة في توليد الطاقة أو اقل إضرارا بالبيئة، وهناك في هذا المجال الكثير من المشروعات والمقترحات، ربما لم يحقق أيا منها حتى الوقت الرهان “اختراقا تقنيا” يخفض من تكاليف توليد الطاقة منها،أو يجعلها بديلا امثل للنفط، لكن من المؤكد أن مراكز البحوث التي تعمل ليل نهار حول العالم في هذا الاتجاه سوف تتوصل إلى بديل أمثل للنفط يوما ما، لا بد أنها ستتوصل إليه، ببساطة شديدة لأن العالم لا يستطيع أن يخاطر بالانتظار إلى اليوم الذي تنفد فيه الاحتياطيات النفطية، ومن ثم فإن العالم ليس لديه اختيار آخر حاليا سوى البحث عن بديل للنفط باعتباره مصدر ناضب للطاقة، ولن ينتظر العالم حتى ينضب النفط تماما حتى يجد له بديلا.
حتى يأتي هذا اليوم فإن أمامنا في الخليج وقت قصير جدا لكي نستعد لهذا اليوم، ومن وجهة نظري، اعتقد أن مشروع “خليج ما بعد النفط” هو أخطر وأهم مشروع استراتيجي يجب أن توجه إليه كافة الطاقات المتاحة بدول الخليج الآن، لضمان استمرار مستويات مرتفعة للدخل والرفاهية للأجيال القادمة في المستقبل.
غير أنه ولسوء الحظ، لا يوجد بين يدينا، على الأقل حتى الآن، خططا إستراتيجية جدية تعد العدة لهذا اليوم، على الرغم من انه، بمقياس الزمن، قد أصبح قريبا جدا منا. حيث لا توجد حاليا أية خطط إستراتيجية تتناول مصادر الدخل والإنتاج في حقبة ما بعد النفط، لا توجد أي إشارة ولو بعيدة عما ستفعله الأجيال القادمة عند قدوم هذا اليوم، أين سيعملون؟
ماذا سينتجون؟، من أين لهم بوسائل المعيشة والرفاهية التي ننعم بها الآن؟.
كيف سيواجهون العالم؟، كيف سيتغلبون على التحديات الكامنة لمثل هذا اليوم؟
ببساطة شديدة مرة أخرى ليس هناك إجابة واضحة عن هذا السؤال!!!
يبدو أننا تركنا الأجيال القادمة يواجهون مصيرهم بأنفسهم، أو ربما يبدو، للأسف، أن هذا الأمر لا يعنينا، باستثناء القرار الحكيم لخادم الحرمين الشريفين، وأن أهم ما يعنينا هو ما نحن عليه الآن، حيث أن شغلنا الشاغل اليوم هو كيف نعظم رفاهيتنا نحن؟
كيف نزيد مكاسب الجيل الحالي، بغض النظر عما ينتظر الأجيال القادمة؟ بل إن الهم الشاغل للبعض الآن هو كيف نستقطع أكبر قدر من إيرادات الدول لكي نوزعه على الناس، في صورة رفع للرواتب، والتأمينات الاجتماعية، وإلغاء للقروض الشخصية، ومزيد من الدعم الذي تقدمه الدولة للناس، ببساطة شديدة نحن ننظر تحت أقدامنا فقط، ولا نتطلع للمستقبل، ولا نعد له العدة المناسبة.
للمرة الألف، إن أفضل السيناريوهات المتاحة أمامنا للنفط، على الإطلاق، هو أنه ربما يستمر ما بين 75 – 100 عاما في المستقبل، بعدها سوف ينضب النفط تماما، بل ربما يكتشف العالم قبل هذا المدى الزمني بديلا آخر للنفط اقل ضررا بالبيئة وأقل تكلفة في توليد الطاقة،فتنخفض هذه المدة بشكل سريع، ويصبح مخزون النفط بباطن الأرض بلا قيمة، مثلما هو الحال بالنسبة لمخزون الفحم في الكثير من دولالعالم الآن، وحتى لو سلمنا بأن النفط سوف يستمر لمائة عام في المستقبل، فما هي 100 عام في تاريخ الأمم، إنها بلا شك زمن قصير جدا، فمتى نبدأ في إعداد العدة لهذا اليوم، لإنقاذ الأجيال القادمة من المستقبل الغير واضح المعالم حتى الآن، على الرغم من أننا، من وجهة نظري، قد تأخرنا كثيرا؟.

أرقام 6 يوليو 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*